نقد الاعجاز العلمي
 
 


 تشكل المجموعة الشمسية اعجاز الحديد



العلم الحديث وتكون المجموعة الشمسية

يعتبر بناء نظرية فيزيائية مقبولة لتكون مجموعتنا الشمسية من أصعب المسائل التي واجهتها الفيزياء الحديثة على الأطلاق. وسبب ذلك أن أي نظرية يجب أن تأخذ بعين الإعتبار كما كبيرا من الظواهر الفيزيائية تشمل القوى الأربع : القوة النووية ، والقوة الكهرومغناطيسية ، وقوة الجاذبية ، وإلى حد ما القوة الضعيفة. ونظرة مختصرة على التفاعلات النووية المعقدة التي يتوجب على بناة نظرية تكوين الكواكب أخذها بالإعتبار ، تعطي فكرة عن التعقيد العظيم الذي يواجهه العاملون بهذه النظريات. فبالإضافة إلى استخدام فيزياء القوة النووية لتفسير عملية الدمج النووي للهيدروجين لإنتاج الطاقة في النجم المركزي ، فإن القوة النووية تشترك مع قوة الجاذبية لبناء حالة مستقرة للنجم المتكون، كما أن هناك نظريات وحسابات تشير إلى أنها تشترك مع القوة الكهرومغناطيسية في توزيع الزخم الزاوي (angular momentum) بين الشمس وكواكبها ، ويُعتقد أيضا أنها (أي القوة النووية) لعبت من خلال تفاعل الحرارة الناتجة عنها مع السديم النجمي والإشعاعات الكهرومغناطيسية دورا كبيرا في توزيع نسب انتشار العناصر المختلفة ، ومنها الحديد، وجعلها بهذا الإختلاف الكبير بين الكواكب. وبهذا فإن أي نظرية تحاول تفسير تطور المجموعة الشمسية لا تكتمل إلا عن طريق وصف التفاعلات الفيزيائية المعقدة بين بين الظواهر الناتجة من القوة النووية المكونة للطاقة الشمسية، والظواهر الناتجة من القوى الثلاث الأخرى وتفاعلاتها مع بعض.

ولبناء النظرية الشاملة تتفاعل هذه القوى بأشكال وديناميكية وإحصائية معقدة ، وعلى فترات زمنية طويلة جدا لتشكيل المجموعات النجمية مثل مجموعتنا الشمسية.

المسائل الأساسية المطلوب تفسيرها من أي نظرية عن تكون المجموعة الشمسية:

  1. كل كوكب منعزل (نسبيا) عن محيطه في الفضاء وبأبعاد متزايدة عن الشمس وبحيث يبعد كل كوكب عن الشمس مرتين عن الكوكب الذي يليه من الداخل. ويطلق على هذه الظاهرة قانون تايتيس- بود (Titius-Bode Law) ، ومع أن هذه العلاقة ليست قانونا طبيعيا ، إلا أنه يبدو أن  هذه العلاقة نشأت من ظاهرة طبيعية أثناء تكون مجموعتنا الشمسية. وأهم نتيجة لقانون تايتيس- بود هي استقرار الكواكب في مداراتها حيث أن العمر المُقدَّر لحياة الكواكب في مداراتها الحالية يفوق عمر المجموعة الشمسية.

  2. الشكل الدائري الذي يقرب كثيرا من الكمال لمدارات كل الكواكب ، ويخرج عن ظاهرة المدار الدائري الكامل قليلا مداري كل من كوكب عطارد (أقرب كوكب للشمس) وكوكيب بلوتو (أبعد كوكب عن الشمس)

  3. وقوع مدارات الكواكب (تقريبا) في نفس المستوى الهندسي (يخرج عن هذا المستوى كل من عطارد وبلوتو) وتطابق هذا المستوى الهندسي مع مستوى خط إستواء الشمس ، وسنسمي هذا المستوى "المستوى المداري" والمسمى بالإنكليزية ب " ecliptic plane"

  4. دوران كل الكواكب بعكس عقارب الساعة عند النظر للمجموعة الشمسية من نقطة فوق شمال الأرض وتوافق هذا الدوران مع دوران الشمس حول محورها.

  5. دوارن كل الكواكب حول محاورها بنفس الإتجاه والذي يتطابق أيضا مع إتجاه دوران الشمس حول محورها. وهذه الخاصية ليست عامة حيث يخرج عنها كل من الزهرة ويورانوس وبلوتو.

  6. معظم الأقمار الطبيعية تدور حول كواكبها الأم بنفس اتجاه دوران الكواكب حول محاورها. كما أن أقمار المشتري تدور حوله وعلى مسطح خط إستوائه بطريقة مشابهة لدوران الكواكب حول الشمس. أما الأقمار التي تخرج عن هذا النظام فيجب تفسير حركتها كأستثناء خارج عن العادة

  7. إيجاد نظرية معقولة تفسر السمات الرئيسية لتكثف السديم النجمي من مواد غازية ودقائق غبارية إلى مواد صلبة تتدرج في الحجم إلى أن تصل إلى أحجام الكويكبات والكواكب.

  8. التمايز الفائق بين كواكب مجموعتنا الشمسية، فتتميز الكواكب الداخلية (عطارد، الزهرة، الأرض ، المريخ) بارتفاع كثافتها وبطئ دورانها حول نفسها ، وبأغلفتها الجوية معتدلة السمك ، وقلة عدد أقمارها . بينما تتميز الكواكب الخارجية (المشتري ، زحل، يورانوس ، نبتون ) بكثافة منخفضة وأغلفة جوية سميكة وسرعة دوران عالية حول محاورها ، وأعداد كبيرة من الأقمار. وهذه النقطة لها علاقة وثيقة بموضوع مقالنا عن "إعجاز تنزيل الحديد" ، وهي الخلفية الوحيدة التي بنى عليها الدكتور زغلول النجار وأتباعه زعمهم (نظريتهم) بأن الحديد ، السبب الأساسي في ارتفاع كثافة هذه الكواكب، قد أنزل على الأرض من "السماء"، مع العلم أن الدكتور النجار لا يذكر علو نسبة الحديد في الزهرة وعطارد وانخفاضها النسبي في قمر الأرض والمريخ. الجدول التالي يبين بعض خواص الكواكب. لاحظ أن أعلى نسبة للحديد موجودة في الكواكب الداخلية (terrestrial planets) عطارد، الزهرة ، الأرض ، والمريخ ، وأن أعلى نسبة له بينها (كما يستدل على ذلك من الكثافة) هي في كوكب عطارد ثم تنخفض قليلا في الزهرة ، ثم ترتفع في الأرض وتهبط بعدها في المريخ إلى أن تصل إلى نسبة صغيرة في الكواكب الخارجية.

 

  1. الكويكبات (حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري) في غاية القدم وتظهر خواص تختلف عن كل من الكواكب الداخلية والكواكب الخارجية بما في ذلك أقمار هذه الكواكب. وتتكون هذه الكويكبات من مواد بدائية وغير متطورة ، كما أن النيازك التي تصل الأرض تتكون من أقدم أنواع الصخور المعروفة.

  2. المذنبات تتكون من شظايا من مواد أولية متجمدة وتدور في مدارات تقع خارج المستوى المداري للكواكب ويعتقد أنها تأتي من سحابة أوورت مما يعني أن هذه السحابة والتي تقع على بعد آلاف الوحدات الفلكية من الشمس كان لها دور مباشر في تكون المجموعة الشمسية.

  3. توزيع الزخم الزاوي (Angular Momentum) في المجموعة الشمسية وتعتبر هذه من المشاكل التي واجهت كل النظريات عن تكون المجموعة الشمسية، ذلك لأن الشمس والتي تحوي 99.86% من كتلة المجموعة الشمسية (تدور حول نفسها ببطئ شديد)، تحمل فقط 0.5% من الزخم الزاوي وتحمل الكواكب بقية الزخم الزاوي والمتركز بنسبة عالية في كوكب المشتري وبحيث تحوي الكواكب الأربع الخارجية 99% من الزخم الزاوي للمجموعة الشمسية. ومن هذا فيجب على النظرية الناجحة أن تفسر البطئ الشديد لدوران الشمس حول نفسها ، وكيف انتقل الزخم الزواي إلى الكواكب ، وانحراف محور دوران الشمس بسبعة درجات عن العمودي على مستوى دوران الكواكب.

وسنعود في بقية المقال باستمرار لهذا النقاط وللأختصار سنقوم باستخدام رقم المسئلة ، فمثلا النقطة الأولى سنسميها "مسئلة 1" وهكذا.

هناك قضايا أخرى ، يجب على أي نظرية لتفسير تكون المجموعة الشمسية أن تجيب عليها ومنها خروج بعض الأقمار عن الصفات العامة المذكورة في (مسألة 6) أعلاه ، ودوران الزهرة العكسي حول محورها ، ودوران يورانس على محور مواز للمستوى المداري الكواكب ، والعلاقة الفريدة بين الأرض وقمرها ، وحيود محاور دوران الكواكب حول نفسها بقيم مختلفة.

ولهذا فإن النظرية المرجوة يجب أن تفسر النقاط العامة أعلاه ، كما أنه يتوجب أن يكون فيها مرونة كافية لتفسر الخروج عن الخواص العامة ، واعتبار هذه الخواص المعقدة مع التعقيد الكبير في القوانين والظواهر الفيزيائية التي تحكم تطور الكواكب يجابه الباحثين في هذا الموضوع بمصاعب كبيرة، ولكن بالرغم من هذا فقد خطا العلم التجريبي خطوات واسعة لدرجة أن الكثير من العلماء بدأو يعتقدون أن الإنسانية في طريقها لتذليل هذه الصعاب.

دور القياسات الفلكية في بناء النظريات العلمية عن تكون المجموعة الشمسية

في العلم الحديث ، تلعب التجربة المخبرية الدور الأساسي في الحكم على صحة أو خطأ النظريات العلمية. فمهما تميزت النظريات العلمية باتساق منطقي ورياضي، فإنها ستظل موضع شك ما لم تؤيدها تجارب وقياسات على الطبيعة. ونظريات تكون المجموعة الشمسية ليست إستثناء على هذه القاعدة. ولكن كيف يمكن القيام بتجارب مخبرية على مقاس الحجم الهائل للمجموعة الشمسية ، وعلى مدى أزمنة تقاس بالعشرات والمئات من ملايين السنين التي تحتاجها النجوم والكواكب للتكون؟

يشكل الكون المرئي تجربة عملية حية تجري أمامنا ، يمكننا مراقبتها وقياس النتائج منها باستمرار. ومع أنه لا يمكن للإنسان أن يسيطر على مجرى هذه التجربة كما يحدث في مختبرات الأرض، إلا أن سعة الكون المرئي العظيمة ، وعماره باعداد هائلة من النجوم والمجرات ، تعطي علماء الكواكب وعلماء الفلك القدرة على دراسة النجوم والمجرات في جميع مراحل تكونها. وتعمل الأبعاد الهائلة للنجوم والمجرات بمثابة مجهر زمني يمكننا من ملاحظة وقياس تطور العمليات الكونية عبر مراحلها الزمنية المختلفة. فالضوء الواصل إلينا من أقرب نجم في منطقتنا يصلنا بعد سفر نحو من أربعة سنوات في الفضاء ، وهذا يعني أن المعلومات التي يحملها هذا الضوء عندما يصل إلى الأرض تنبأنا بحالة هذا النجم قبل أربعة سنوات من قياسها، وتنطبق نفس القاعدة على مجرة تبعد عنا مليون أو بليون سنة ضوئية ، أي أن الضوء الواصل منها يمثل معلومات عمرها مليون أو بليون عام. كما أن حقيقة أن أعمار النجوم والمجرات ليست متساوية ، تعطينا القدرة على النظر إلى المستقبل. فمثلا رصد العلماء نجوما مثل شمسنا ولكن بعمر يبلغ ضعف عمرها ، وبهذا ينبأنا الضوء الواصل منها عن حال شمسنا في المستقبل.

وتعطي النجوم دارسيها  ميزة قوية على دراسة الكواكب. فالضوء المنبعث منها يمكننا من رؤيتها في أبعادها السحيقة، أما الكواكب، فهي لا تضئ إلى بانعكاس الضوء عن سطحها مما يجعل العثور عليها ودراستها في غاية الصعوبة. ولهذا السبب لم يتمكن علماء الفلك من رصد الكواكب إلا في المنطقة القريبة من الأرض، وتم معظم رصدها بطرق غير مباشرة مثل الأهتزاز في حركة النجوم التي تدور حولها. وقد سمح التقدم الكبير في بناء تلسكوبات قوية في العقدين الماضيين من البدء في جمع معلومات عن تكون الكواكب من السديم النجمي في المنطقة القريبة منا ، ومن المتوقع أن تتزايد كمية هذه المعلومات مع تدشين التلسكوبات الضخمة في العقود القادمة. وستلعب هذه المعلومات دورا حاسما في الوصول إلى نظرية صائبة وجامعة لتكون الكواكب والمجموعات النجمية.


المصادر:

مراجع:

Astronomy Today: Eric Chaisson and Steve McMillan (1993) chapter 17, Instructor Edition, Prentice Hall

عودة للأعلى

أسقط حديثا اعتبار هذا الجسم السماوي من مجموعة الكواكب وصنف كجزء من حزام كويبر (Kuiper Belt) ، ومدار بلوتو يخرج كثيرا عن المستوى المداري.

عودة للأعلى

يتميز كوكب عطارد بمركز أو قلب حديدي أكبر من مركز الأرض أو الزهرة ، وهناك اعتقاد أن سبب ذلك هو تكون عطارد من ارتطام كوكبين مما زاد في كتلة مركزه على حساب القشرة الصخرية.

عودة للأعلى

Planetary Science, The Science of Planets around Stars, George H. A. Cole, Michael M. Woolfson , (2002), Institute of Physics Publishing.

عودة للأعلى

راجع موقع "تلسكوب الثلاثين متر The Thirty Meter Telescope على الرابط التالي: http://www.tmt.org/news/index.html

ومن أسمه ، فإن المرآة الرئيسية لهذا التلسكوب ستكون بقطر ثلاثين مترا مما يعني أن قدرته في تجميع الضوء ستفوق بستة وثلاثين مرة قدرة تلسكوب هابل الفضائي والذي كان أول تلسكوب تمكن من قياس وجود كواكب خارج مجموعتنا الشمسية.