نقد الاعجاز العلمي
 
 


السببية مقبرة الاله


يُعتبر مبدأ السَّببية من أكثر الحجج استخدامًا مِن قِبل المؤمنين في التدليل على وجود الخالق، من حيث أنَّه ضرورة منطقيَّة، سواءٌ كان مؤمنًا على درجةٍ من العلم أو حتى مؤمنًا بسيطًا، وغالبًا ما يُردد المُؤمنون البُسطاء هذه الحجة دون فهم صحيح، فهم لم يقرءوا مبدأ السَّببية من المصادر الأولية، وإنَّما سمعوا عن هذا المبدأ من أحدهم، ممن يُدافع عن فكرة الخالق، فرأوها منطقية، وبدأوا باستخدامها كما سمعوها، وفي هذا المقال سوف أشرح كيف أنَّ مبدأ السَّببية لا يُمكن أن يُفضي إلى الاستنتاج الحتمي والحكم على وجود إله خالق، بل على العكس من ذلك تمامًا، فإنَّ فكرة الخالق تتعارض، وبشدَّة، مع هذا المبدأ، وعندها سنجد أنفسنا أمام سؤالٍ لابُد من الإجابة عليه: كيف يُمكن الاستشهاد بمبدأ لا يُمكن تطبيقه على كل أجزاء الظاهرة قيد الدِّراسة؟

إنَّ نظرية أرخميدس المشهورة والتي صاغها في العام 230 ق.م تقريبًا، وعُرفت باسمه بعد ذلك، تجاوزت كونها مُجرَّد نظرية إلى مبدأ أو قانون، وما ذلك إلا لأنَّه لا توجد أجسام تستطيع الإفلات من هذا القانون، وينص قانون أرخميدس على أنَّ: "الجسم المغمور كليا أو جزئيا في مائع يكون مدفوعا بقوه إلى أعلى وهذه القوه تعادل وزن حجم المائع الذي يزيحه الجسم كليا أو جزئيا على الترتيب، على أن قوة الدفع المؤثرة في جسم داخل مائع تساوي وزن المائع الذي يزيحه هذا الجسم"(المصدر1) فهذا القانون أو المبدأ الفيزيائي ينطبق على جميع الأجسام دون استثناء، وهكذا هي كل القوانين والمبادئ العامة، ما لم ينص القانون على استثناء من داخله فهو يظل قانونًا عامًا نأخذه، ونطبِّقه كما هو، وإن أخفق، ولو لمرَّة واحدة، فإنَّه يتراجع من مرتبة القانون أو المبدأ إلى مرتبة النظرية العلميَّة، ويتبقى على العلماء إيجاد تفسير علمي لشذوذ هذا الجسم، وخروجه عن القانون، بنظرية علمية جديدة تُفسِّر هذه الظاهرة.

الآن نأتي لمبدأ السَّببية، مُتذكرين جيدًا أنَّه ليس مُجرَّد نظرية، بل مبدأ وقانون عام، وهذا المبدأ صاغه الفيلسوف ديفيد هيوم في العام 1737 ويقوم المبدأ، ليس فقط على إيضاح حتميَّة السببيَّة، من حيث أنَّ لكل سبب مُسبب، ولكنه يتجاوز ذلك إلى شرح العلاقة بين السبب والمُسبب، مع ملاحظة أنَّ هيوم يستخدم مصطلح سبب (Cause) ونتيجة (Effect)، بينما المُؤمنون يستخدمون مصطلح (موجود) و (واجد)، أو (مصنوع) و (صانع)، وهو ما لم أعثر عليه في كتابات هيوم أصلًا، ورغم فداحة هذا التدليس المُتعمَّد، إلا أنني سوف أتجاوز عنه، على اعتبار أنه من باب التبسيط أو الشرح، لا أكثر.

والحقيقة أنَّ مبدأ السَّببية مكوَّنٌ من شقين رئيسيين، وما تقدَّم ذكره من حتميَّة السبب والمُسبب هو الشق الأول من المبدأ، بينما يهتم الشق الثاني بشرح العلاقة بين السبب والمُسبب بأنها علاقة تجريب وليست مُجرَّد اقتضاء عقلي، ولهذا نقرأ مما كتبه ديفيد هيوم بنفسه: "experience only teaches us, how one event constantly follows another; without instructing us in the secret connexion, which binds them together, and renders them inseparable"(المصدر2) وترجمته إلى العربية على النحو التالي: "التجربة وحدها هي من تُعلِّمنا كيف تتابع الأحداث باستمرار ولكنها لا تُرشدنا إلى سر هذه العلاقة التي تربط بين الأحداث دون انفصال."(انتهت الترجمة) ونتابع قراءة كلام هيوم حول ذلك: "We then call the one object, cause; the other, effect. We suppose that there is some connexion between them; some power in the one, by which it infallibly produces the other, and operates with the greatest certainty and strongest necessity. (David Hume,"(المصدر3) وترجمة كلامه إلى العربية: "عندها نطلق على الأول اسم: سبب، وعلى الثاني اسم: النتيجة أو الأثر. ونحن نفترض أنَّ ثمة رابطًا بينهما (أي بين السبب والنتيجة): قوةٌ ما كامنة في السبب ينتج عنها الأثر أو النتيجة دون توقع أية أخطاء، وهذه القوة تعمل بيقين وحتمية ضروريتين"(انتهت الترجمة)

هذان الاقتباسان الواردان أعلاه هما بالتحديد ما تلقفهما المُؤمنون بغبطةً بالغة، وبنوا عليهما استنتاجهما المنطقي على ضرورة، بل وحتمية، وجود الخالق، ولا أدري كيف تسنى لهم ذلك، وسوف أتطرق إلى هذه النقطة لاحقًا، ولكن يهمني أن يتعرف القارئ الكريم إلى الشق المخفي، عمدًا، من هذا المبدأ، والذي يُغفله المؤمنون تمامًا في مُجادلاتهم، ولنقرأ ما قاله ديفيد هيوم في شرح العلاقةِ بين السبب والمُسبب: "I say then, that, even after we have experience of the operations of cause and effect, our conclusions from that experience are not founded on (a priori) reasoning, or any process of the understanding"(المصدر4) وترجمة ذلك إلى العربية: "أقول إنَّه حتى مع تجريبنا لعمليات السبب والنتيجة، فإنَّ استنتاجاتنا من هذه التجربة ليست مبنيَّةً على (بداهة) المنطقية أو أي عملية فهم."(انتهت الترجمة) وهذا الكلام يعني ببساطة شديدة، أنَّ العلاقة التي تحكم السبب بالنتيجة ليست بداهة منطقية، أو مُجرَّد اقتضاء عقلي، وإنما هي علاقة تجربة حسيَّة مادية.

هذه الجزئية الهامة من مبدأ السَّببية، والتي توضح العلاقة بين السبب والمُسبب، يتجاهلها كثيرٌ من المؤمنين، ولا يُلقون لها بالًا، وهذه كارثةٌ فعلًا، ولا أدري كيف يسمحون لأنفسهم اجتزاء النصوص العلمية هكذا، في الوقت الذي لا يقبلون فيه أبدًا اجتزاء نصوصهم المُقدسة! هذه الجزئية بالتحديد هي ما يُمكنها أن تشرح لنا لماذا أنَّ البعرة تدل على البعير، وكيف أنَّ البون بين مثال البعرة والبعير وبين فكرة الخالق بونٌ شاسعٌ جدًا، إذ لن يتمكن البدوي من الاستدلال على وجود البعير، إن لم تكن له تجربة مادية تجعله يعرف بعرة البعير، واختلافها مع روث حيواناتٍ أخرى، فهل يُمكن للبدوي، إذا رأى روث تمساح مثلًا، أن يقول بوثوقية: إنَّ هذا روث تمساح، وهو لا يعرف التمساح أصلًا، ولم يختبر ذلك في حياته؟

قد يتساءل البعض: "كيف لا يُمكننا الوثوق في البداهة أو المنطق؟" أو: "هل يُمكن اعتبار مبدأ هيوم مبدأ علميًا، وليس مُجرَّد تأملات أو مقولات فلسفية؟" والحقيقة أنَّ التفكير المنطقي مطلوبٌ فعلًا، ولا غنى عنه، ولكنه لا يُمكن أن يُنتج حقيقة حتمية أو نهائية، فهو بذلك لا يُغني عن التجريب الحسي المادي، فمثلًا إذا ادعى أحدهم وجود كائنات فضائية، وبنا ادعاءه على أنَّه لا يُمكن التصديق بأنَّ كونًا به مليارات المجرات ومليارات المليارات من الكواكب لا يسكنه أحدٌ غيرنا على كوكب هو مُجرَّد ذرة رمل في هذا الكون، فإنَّ افتراضه هذا مبنيٌ على منطق قوي فعلًا، لا يُمكن دحضه بسهولة، ولكنه في الوقت ذاته لا يجعل من فرضيته حقيقةً حتمية. وكذلك الأمر إذا افترضتُ وجود فيلٍ أحمر اللون، وكان افتراضي مبنيًا على أنَّه ليس هنالك مُبرر علمي واحد يمنع حدوث ذلك، وبالفعل لا يوجد مُبرر علمي يمنع، لاسيما مع علمنا بعشوائية الطفرات الجينية، وبالتالي عدم قدرتنا على التكهن بنتائج هذه الطفرات ولكن ورغم وجاهة هذا الأمر من الناحية النظرية، فإنَّ ذلك لا يجعل من فرضية الفيل الأحمر حقيقة ثابتة، إلى الدرجة التي قد يُطالبنا فيها البعض بإثبات عدم وجوده! والأمر ذاته ينطبق على فكرة السفر عبر الزمن، فمن الناحية النظرية فإنَّ السفر عبر الزمن ممكن الحدوث، ولكن إذا رأيتَ شخصًا وأخبركَ بأنَّه قادمٌ من عام 2320 فلاشك أنَّك ستتصل بمشفى الأمراض العقلية وتشكك في سلامته العقلية، ويُصبح الرهان في كل ذلك (وجود كائنات فضائية/وجود فيل أحمر/وجود مسافر عبر الزمن) هو التجريب الحسي، فهو الفيصل، وعندها يُصبح من العبث الطعن في وجود فيلٍ أحمر أو كائنات فضائية أو مسافر عبر الزمن، وإلا فإنَّ القول بوجودها هو العبث.

حسنًا، هل يُمكن فعلًا تطبيق السببية في المجالات الفيزيائية Physics أم أنَّ المبدأ هو فقط مبدأ فلسفي؟ الحقيقة أنَّ مبدأ هيوم مُطبق في المجالات الفيزيائية فعلًا، حتى أنَّ ألبرت أينشتاين أقر بهذا المبدأ، ووضعه في اعتباره عندما صاغ نظريته النسبية، ولكن كيف ذلك؟ إنَّه من الواضح الآن ارتباط الفلسفة بالعلوم بصورة قوية جدًا، إلى درجة أنَّ هنالك فرعًا من الفلسفة مختص بالعلوم الطبيعية يُسمى فلسفة العلوم (زر هذا الموقع: philsci.org) وهنالك بعض النظريات العلمية لها نتائج فلسفية، تبعث الحياة أو تحسم الجدل حول بعض الآراء الفلسفية، ولو بصورة آنية، إلا أنَّه لا ينبغي لنا أن ننسى أن مبدأ السَّببية قائمٌ في أساسه على التجريب، كما تقدّم، والتجريب ركن أساسي في العلوم الطبيعية.

لقد عرفنا الآن أنَّ الشق الثاني من مبدأ السَّببية يُبطل تمامًا الاحتجاج به في التدليل على وجود خالقٍ للكون، ففكرة الله أو الخالق (أو أي فكرة ميتافيزيقية أخرى) غير قابلة للتجريب الحسي، وهي بذلك مُستندة على الفرضيات أو الحجج المنطقية، والتي قد تتحمل الصحة وقد تتحمل الخطأ، ولكنها لا تقود إلى حقيقة نهائية أو حتمية، كما رأينا في أمثلة الكائنات الفضائية والفيل الوردي والسفر عبر الزمن، ونسبة احتمال أن تكون هذه الفرضيات صحيحة أو خاطئة متساوية تمامًا، وهي نسبة لا تكفي لليقين على أيَّة حال.

هذا فيما يتعلق بالشق الثاني الذي يتجاهله المؤمنون، ورأينا كيف أنَّه يُقلل من يقيننا في إطلاق حكمنا بوجود الخالق إلى 50% فماذا عن الشق الأول؟ هل من الممكن فعلًا أن يقودنا الشق الأول فقط من مبدأ السَّببية إلى وجود خالق لهذا الكون فعلًا؟ ورغم أنَّه ليس من النزاهة اجتزاء المبدأ لأغراض انتهازية أو نفعية، إلا أنني سأقوم بتطبيق الشق الأول من المبدأ على فكرة الخالق، ونرى إلى أين سيقودنا ذلك. وفقط للتذكير فإنَّ الشق الأول من المبدأ يقول إنَّ لكل سبب مُسبب حتمي، وذلك بنص المبدأ لصاحبه ديفيد هيوم: "When one particular species of event has always, in all instances, been conjoined with another, we make no longer any scruple of foretelling one upon the appearance of the other, and of employing that reasoning, which can alone assure us of any matter of fact or existence. We then call the one object, Cause; the other Effect. We suppose that there is some connection between them; some power in the one, by which it infallibly produces the other, and operates with the greatest certainty and strongest necessity"(المصدر5) وترجمته: "عند ارتبط حدثٌ ما، دائمًا، بحدثٍ آخر، فإنه يُمكن التنبؤ، دون تردد، بحدوث أحدهمها عند حدوث الآخر فقط بتوظيف هذا المنطق الذي يجعلنا نتأكد من أي حقيقة أو وجود. عندها نطلق على الأول اسم: سبب، وعلى الثاني اسم: النتيجة أو الأثر. ونحن نفترض أنَّ ثمة رابطًا بينهما (أي بين السبب والنتيجة): قوةٌ ما كامنة في السبب ينتج عنها الأثر أو النتيجة دون توقع أية أخطاء، وهذه القوة تعمل بيقين وحتمية ضرورية"(انتهت الترجمة)

عندها يُصبح من البديهي أن نتساءل: "فمن تسبب في وجود الخالق؟" لأنَّ المبدأ ينطلق، في أساسه من حتمية أنَّ لكل سببٍ مُسبب، فإذا كان الله أو الخالق هو مُسبب الكون، فمن أو ما الذي سببه بالمقابل، حتى نطبَّق المبدأ بشكل صحيح؟ فإن كان لنا أن نقبل بفرضية أنَّ الله، وليست قوى الطبيعة والقوانين الفيزيائية والبيولوجية، هو مُسبب الكون، فمن الذي سبب هذا المُتسبب؟ إنَّ المُؤمن حتى في أخذه بهذا المبدأ مجتزأً لا يُطبقه بشكل صحيح، فنجد يُضطر إلى الإضافة على هذا المبدأ بقوله مثلًا: "المُتسبب الأول ليس بحاجة إلى مُسبب، لأنَّه قائم بذاته أو موجود بذاته." ولا أدري من أي فقرةً من كلام ديفيد هيوم استقوا هذه المعلومة أو الفكرة، إذ أنَّه لم يتكلَّم عن علَّةٍ أولى أو مُسببٍ قائمٍ بذاته، بل قال بالاستمرارية ودون انفصال، كما تقدَّم آنفًا. إذًا ففكرة الله أو الخالق حسب التوصيف الديني والإيماني غير مشمولة في هذا المبدأ، بل على العكس تمامًا، لأنَّ مبدأ السَّببية يشترط، لزامًا، أنَّ يكون لكل سببٍ مُسبب، أو بلغة دينية (لكل موجودٍ واجد) وحيث أنَّ الله موجود، فلابد، لزامًا أن يكون له واجد أو مُوجِد، وإلا فإنَّه ليس موجودًا، أو في أفضل أحواله، ليس قائمًا بذاته كما يزعمون.

إنَّ المؤمنين يفترضون وجود خالقٍ عاقلٍ وواعٍ لهذا الكون، وهو افتراض يحتاج إلى دليل، ويفترضون أنَّه مُتعالٍ على القوانين الفيزائية، وهذا يحتاج إلى دليل، ويفترضون أنَّه قائمٌ بذاته دون مُسبب، وهذا أيضًا يحتاج إلى دليل، ويفترضون كذلك أنَّه غير مادي، وهو افتراض يحتاج إلى دليل، بل ما هو ثابتٌ الآن أنَّ الكون، بكل ما فيه، ليس فيه وجود لما هو غير مادي بصورةٍ مُستقلةٍ عن المادةٍ، وهم يٍريدوننا أنَّ نصدِّق أنَّ هذا الشيء غير المادي له وجودٌ مُستقلٌ عن المادة، ويؤثر عليها سلبًا وإيجابيًا، بل ويتسبب في وجودها! وفوق كل ذلك، فإنَّهم يزعمون بإمكانية التثبت من وجود هذا الخالق بصورة علمية ومادية، ولا أدري كيف لا يكون الخالق ماديًا إذا كان بالإمكان التثبت من وجوده بطريقة علمية ومادية! وختامًا أقول: الإيمان مسألةٌ شخصيةٌ تمامًا، ولك مطلق الحريَّة في أن تُؤمن بما تشاء، وقتما تشاء، وكيفما تشاء، ولكن لا تتلاعب بالعلم كما تتلاعب بنصوصك الدينية. لا تُفسر العلم حسب أهوائك الإيمانية كما تفعل بنصوصك، فإنَّك بذلك تُسيء إلى إلهكَ قبل أيَّ شيء آخر، وتضعه في تصادمٍ مباشرٍ مع العلم، والعلم مُتجدد على الدوام وليس ثابتًا، فمن باب التوقير لإلهك وتقديسه أن تجعله بعيدًا عن حرب العلوم، فتلك حربٌ لا يملك إلهك طاقةً لها ولا عتاد.


--------------
المصادر:

(1) الوكبيديا
(2) المصدر
(3) المصدر السابق
(4) المصدر السابق
(5) المصدر
نقلا عن الحوار المتمدن