نظريات فلسفية
 
 


هل يدل النظام على وجود مُنظم؟


يعتقد البعض ان وجود نظام يدل على وجود مُنظم. السيارة كنظام، احدى الامثلة التي يقدمونها للدلالة على صحة برهانهم المنطقي، انطلاقا من اننا نعلم أن السيارة لها مُنظم، وقياساً على ذلك، بنظرهم، يدل النظام على وجود مُنظم، على العموم. وهناك أمثلة شهيرة أخرى مثل ان الكرسي يدل على النجار وأن البعر يدل على البعير، فهل الامر كذلك حقاً!

ماهو البرهان المنطقي؟
البرهان المنطقي هو الاستدلالات العقلية حسب آليات لغوية وذهنية متفق عليها، تعصم الذهن عن الانحراف عن ماهو متفق عليه، غايته كشف حقيقة إدعاء أو فرضية، بالحجة التجريدية، بواسطة تركيبات لغوية وحسب رؤية ذهنية لتصور العالم. والبرهان المنطقي يختلف عن البرهان الموضوعي.

كان ارسطوطاليس اول من كتب في المنطق، غير ان المنطق الاغريقي، على الرغم من تقدمه فكريا، اوصلنا مرات عديدة الى استنتاجات خاطئة، مثلا القول ان الذباب من الخل او من الروث، وان المواد الاساسية هي خمسة: التراب والنار والماء والهواء والضوء. ذلك لاينفي ان المنطق الاغريقي ايضا اوصلنا الى اكتشافات مذهلة بعضها انطلاقا من الصدفة المحضة مثل الاعتقاد بضرورة وجود قارة في الجانب الاخر من الكرة الارضية اطلق عليها "استراليا" وصدقت.

اليوم يعتمد العلم على المنهج العلمي، حيث المنطق أصبح احد فروعه، انطلاقا من المعطيات الموضوعية، في حين لازالت التيارات الدينية تقدم حججها انطلاقا من " المنطق العقلي والبناء اللغوي"، وبعيدا عن الموضوعية العلمية، بل وحتى رافضين لها.

مثلا لو وضعت كفك الايمن في ماء بارد وكفك الايسر في ماء دافئ، ثم اخرجتهم، فما هو الاستنتاج " المنطقي" الذي ستصل اليه عن حرارة الجو، هل هو بارد ام دافئ؟ ان الاستنتاج الاصح هو ان الاحاسيس ذاتية غير موضوعية، ولذلك هي تخدعنا ولاتشكل اساسا صالحا للاستنتاج المنطقي. على العكس يعتمد البرهان الموضوعي على اجهزة القياس، خارج احاسيسنا، لتقديم معطيات موضوعية.

ونعود الان الى مثال السيارة، (والكرسي)، هل حقا ان السيارة هي " منظومة"، حتى يمكن مقارنتها بنظام الطبيعة؟

عندما ننظر الى البحر، سنجد منظومة مغلقة لاتعتمد على احد من خارجها، اي ان السبب والنتيجة في دورة مغلقة. الاسماك في البحر تعيش وتتكاثر وتأكل بدون تتدخل من خارج المنظومة، ولو قام احدنا مثلا بصيد بضعة اسماك ونقلها الى حوض مائي في بيته، فسيكون مجبرا على ان يكون "جزء من المنظومة" الجديدة حتى تستمر الاسماك بالحياة. بذلك، نحن نعلم ان حوض الاسماك يحتاج الى " مُنظم" لان الحوض وحده لايستطيع إبقاء الاسماك على قيد الحياة. بمعنى اخر المنظومة ناقصة بدون الانسان، ليكون الانسان جزء من المنظومة وليس "خالقها" فقط. الامر نفسه بالنسبة للسيارة. ان السيارة بدون الانسان هي منظومة ناقصة، لاحياة فيها، ولاتتم فيها السبب والنتيجة في دورة مغلقة، ولذلك نعلم ان هناك مكون ناقص في هذه المنظومة، هو الذي يدل على ان للسيارة صانع، والامر ليس كذلك بالنسبة للطبيعة.

المنظومة هي اصغر عدد من المكونات، مع بعضها قادرة على القيام بجميع الوظائف الحيوية، واي غياب لواحدة من المكونات تؤدي الى تعطيل عمل المجموعة تماما. وفي مثال السيارة سيكون من المستحيل على السيارة العمل كمنظومة بدون الانسان، ولذلك فالانسان جزء من هذه المنظومة، وغيابه يلغي وجود "المنظومة" كمنظومة، ليجعلها مجرد قطع مرتبطة ببعضها، وهذا الذي يدل على فاعل، والامر ليس كذلك مع الطبيعة.

دعونا نعتبر ان الانسان تمكن من اختراع انسان آلي، ذكي، قادر على تصليح نفسه وعلى بناء روبوتات جديدة بدون تتدخل الانسان، وبالتالي اصبح لدينا نظام قادر على القيام بدورة كاملة بدون تتدخل خارجي، اليس هذا دليل على ان " للنظام مُنظم"؟

ان النظام، في الطبيعة، هو نتاج تطور افقي وعامودي. نحن نعلم ان الحيوانات والانسان انحدرت عن " موديلات" سابقة لها، وبالتالي فهي نتاج تطور عامودي، بالذات بسبب آلية مترابطة بيلوجيا وفيزيائياً تجعل وجودها ممكنا. على العكس سنجد ان الروبوتات معزولة زمنيا، وبالتالي ليست امتداد للتاريخ الطبيعي. كما ان وجودها فيزيائيا، يتناقض مع فيزياء المواد التي تتكون منها، من حيث ان فلزات الحديد مثلا لاتتحول الى حديد صافي ضمن آلية طبيعية، وبالتالي معزولة عن الروبوتات، كمنتوج نهائي، فكيف نتجت مكونات الروبوتات، طبيعيا، وليست جزء من دورة طبيعية مستقلة؟ لهذا السبب من السهل معرفة ان الروبوتات تحتاج الى " خالق"، في حين ان الطبيعة لاتحتاج.

لنقارن بين خلية وسيارة. الخلية تملك مكونات تامة تسمح لها القيام بوظائفها وإعادة انتاج نفسها بدون تدخل خارجي، انها لاتعطينا اية فرصة للاعتقاد بوجود احد لتبرير وجودها. ولو ازلنا الحمض النووي ستتوقف الخلية عن القيام بوظائفها. الانسان بالنسبة للسيارة هو الحمض النووي، ولذلك تدل السيارة على وجود الانسان. هنا يجب ان ينبري احد ليقول ومن اين اتت الخلية الاولى؟
وأن المقصود من مثال السيارة هو للمقارنة مع الخلية الاولى وحدها وليس الخلية على الاطلاق.
عندما نقول ان الخلية، كنظام، لاتحتاج الى مُنظم، ليس فقط من خلال استقلالية السبب والنتيجة داخل الخلية وانما ايضا بفضل ارتباط ذلك بعوامل الارض مثل الاشعة الكونية والهواء والرطوبة ودرجة حموضة البيئة والحرارة والضغط والعوامل الكيميائية والفيزيائية. ولو كان نشوء الخلية معزولة عن الاسباب على الارض، لكان بإمكان الخلية ان تعيش في كل مكان كوني على الاطلاق، وعندها سيكون ذلك برهانا على وجود مُنظم، من حيث انه وجود لاعلاقة له بأسباب، تماما كما لو نعثر على روبوت على القمر. سيكون ذلك وجود بلا اسباب وهو الدال على وجود مُوجد، الامر الذي لاينطبق على الخلية او الطبيعة وبالتالي لادلالة على وجود مُنظم او موجد.

عدا عن ذلك، فأن صناعة الروبوتات والسيارات، ليست عملية " خلق نظام" وانما إعادة ترتيب النظام الموجود، تماما مثل حوض الاسماك في البيت، حيث نعيد ترتيب ظروف البحر، اقتباسا من البحر، ولانخلق بحراً جديدا. أي اننا نقلد النظام الموجود ولانخلق نظاما، فالنظام لايُخلق الانسان يدرس خصائص المعادن ويختار الموجود منها ، المناسب لتحقيق غرض محدد .فينتزع المعدن من نظامه، من المنظومة الطبيعية المتكاملة، ليضعه في منظومة ناقصة، هو جزء منها ولكنه لاينجح ابدا في خلق نظام جديد، لان الحديد على الدوام جزء من نظام دورته القديمة، وفي النهاية يعود اليها، مهما عارض الانسان، ليبقى "النظام الجديد" عملية معزولة. لذلك، نرى ان من علائم النظام الطبيعي انه لايحتاج الى مُنظم، فهو مغلق في دورته، كامل المكونات، ولاغاية له، وقادر على تجديد وتنظيم نفسه آليا في حدود تكامل مكوناته، بدون حاجة الى تتدخل خارجي. في حين ان انتزاع عناصر وإعادة ترتيبها، بطريقة مبتسرة ومنعزلة عن الآلية الطبيعية، هي التي تحتاج الى " مُنظم" والمُنظم هنا بالضرورة جزء من هذا النظام المبتسر، إذ لايمكن "للنظام الاصطناعي" ان يعمل اصلا بغياب " المُنظم"، وبالتالي مثال السيارة ليس دليل على حاجة النظام الى مُنظم، وانما دليل على ان دلالة حاجة النظام الى المُنظم، جرى استمدادها من كون المُنظم جزء من النظام وليس معزول عنه. " المُنظم" في المثال هو جزء من المنظومة وليس خارجها، وبالتالي فالمثال لايتطابق على مايسعى المنطق العقلي على البرهنة عليه. لكل ذلك الامثلة المطروحة لاتشابه العملية الطبيعية على الاطلاق، ولاتزيد عن كونها مغالطة عقلية.

هل يمكن للنظام ان يوجد بمعزل عن المادة؟
أن محاولة البرهنة على أن "النظام دليل على المُنظم" يعني بالضرورة افتراض ان النظام والكيانات المطلوب تنظيمها شيئان مختلفان. تماما مثل مثال السيارة، نجد ان التصور أن الانسان يقوم بتنظيم مكونات السيارة في نظام قابل للعمل، وبذلك يكون الانسان هو المُنظم. غير اننا نعلم ان الكون بكامله يقوم على مكونات ذرية، وأن خصائص المادة في أصغر اشكالها هي التي حددت شكل العالم، أي النظام الكوني. لذلك التساؤل، ليس فيما إذا كانت مكونات العالم قد نشأت قبل نشوء النظام، حتى احتاجت الى مُنظم، وإنما فيما إذا كان النظام منفصل عن وجود مكونات العالم حتى يحتاج الى مُنظم.

مثال: نعلم ان الالكترون هو شحنة سالبة، وهذا بالذات الذي يحدد مكانه في النظام. وإذا كان الالكترون هو الشحنة، فكيف يمكن " تنظيمه" بعد كينونته، على الرغم من ان كينونته بذاتها هي التي حددت موقعه في النظام؟ بمعنى اخر، هل يمكن للالكترون ان يكون بدون شحنة، التي تحدد نظامه، ومع ذلك هو إلكترون؟ إن افتقاد الالكترون للشحنة يلغي انه الكترون اساسا، وبالتالي: بدون نظام، كماهية، لايوجد الكترون اصلا. بمعنى اخر افتقاد الاشياء للنظام في ماهيتها هو انعدام الوجود نفسه، الذي يفترض المنطق الديني انه يحتاج الى مُنظم.
من هنا فأن النظام هو ماهية الاشياء وليس شئ مضاف لضبط الوجود، ولايمكن ان يحتاج الى مُنظم، لعدم انفصال النظام عن ماهية الوجود نفسها. فما لايوجد بدون نظام لايمكن تنظيمه، ولن يحتاج الى مُنظم.

وهنا نطرح ايضا تساؤل اخر: ماهو سبب وجودنا؟
ماهو سبب وجود الكون؟
وللرد على هذه التساؤلات الشائعة اقدم لكم المسألة التالية: ماهو سبب وجود الحلقة في السلسلة؟
كل الحلقات لها القيمة نفسها في السلسلة، وليس هناك سبب لوجود الحلقة الا من خلال وجود السلسلة نفسها، فبدون الحلقات لاوجود للسلسلة. ولذلك فأن الحلقة هي ماهية السلسلة والوجود ذاته، ولاسبب اخر الا في الوجود. وتماما مثل السلسلة يتكون الوجود من حلقات متعددة، تتجسد فيها الطاقة بمختلف الاشكال. مجموع هذه الاشكال يعبر عن سلسلة الوجود اللامتناهية، بدون سبب من خارج ماهيتها.