نقد الاعجاز العلمي
 
 


 نقد الاعجاز البلاغي


قول الطباطبائي صاحب الميزان في تصوير التحدي القرآني للبشر:

«وقد تحدى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وان لا اله الا هو فهل أنتم مسلمون)والآية مكية .. وفيها التحدي بالنظم والبلاغة فان ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ، فالتاريخ لا يرتاب أن العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم والمتأخرة عنهم..»([1])

ويقول صاحب تفسير «المنار» في بيان المعجزة البلاغية للقرآن:

«الوجه الثاني: بلاغته التي تقاصرت عنها بلاغة سائر البلغاء قبله وفي عصر تنزيله وفيما بعده، ولم يختلف أحد من أهل البيان في هذا، وانما أورد بعض المخالفين بعض الشبه على كون بلاغة كل سورة من قصار سوره بلغت حدّ الاعجاز فيه. والقائلون به لا يحصرون اعجاز كل سورة فيه، ويتحقق التحدي عندهم باعجاز بعض السور القصيرة بغيره، كاخبار الغيب في سورة الكوثر التي هي أقصر سورة، على أن مسيلمة تصدى لمعارضتها بمحاكاة فواصلها، فجاء بخزي كان حجة على عجزه وصحة اعجازها...»([2])

* * *



ونلاحظ عليه:

1 ـ إن الآية محل الشاهد لا إشارة فيها للتحدي البلاغي كما يدعى، وانما هو مجرد تحدٍّ لأن يأتوا بعشر سور مثله، ولا دليل على أنّها مثله في خصوص البلاغة والفصاحة، وقول العلامة أنّه هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ هو أول الكلام، فحتى على فرض أن العرب يومئذ كانوا قد بلغوا من البلاغة مبلغاً، إلاّ أنّه مجرد شأن ظاهر كما يقول، وهو مبني على خلفية ذهنية ومسبوقات فكرية على أن العرب مهروا في البلاغة والفصاحة، في حين أن هذا المعنى مجرد ادعاء، فلكل لغة وقوم بلاغتهم وفصاحتهم وشعراؤهم وادباؤهم، فمن قال بأن العرب وشعراءهم أبلغ من الفرس أو الفرنسيين في لغتهم وأدبهم وشعرهم؟

فنحن امام قضية يستحيل الحكم فيها لصالح أحد الأقوام والثقافات البشرية، لأن مقاييس بلاغة كل لغة وثقافة مختصة بتلك اللغة لا تتعداها إلى غيرها، فالأدباء العرب يرجحون الأدب العربي الجاهلي من حيث البلاغة والفصاحة، والأدباء الفرس يرون في شعر حافظ وسعدي وبهار (ملك الشعراء) أنّه أبلغ من جميع الأشعار، وهكذا ترى كل امة في أدبائها وشعرائها ذلك.

2 ـ إن القرآن نفسه يكذّب هذا الإدعاء بالتحدي البلاغي، لأنه يتحدى الانس والجن قاطبة ويقول:

(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً([3])).

ومعلوم أن الأقوام البشرية لا تتكلم العربية بأجمعها، بل أن العرب لا يشكلون إلاّ جماعة صغيرة ونسبة قليلة جداً من الذين يتكلمون باللغات غير العربية، فاذا أضفنا الجن اليهم ازدادت نسبة الطرف المقابل كثيراً، ولا يعقل أن يتحدى الله سبحانه كل هؤلاء بأن يأتوا بمثل هذا الكتاب العربي في بلاغته وهم لا يفهمون من بلاغته شيئاً، ولو طلب منهم الإتيان بكتاب مثله بلغتهم لأمكن أن يدّعوا بأن كتابهم أفصح وأبلغ، ولا معيار في البين يمكن التحاكم إليه لتشخيص الفائز في هذه المسابقة.

فالمفروض في المقام أن يتحدى القبائل العربية فقط لا الإنس والجن.

3 ـ إذا كان معنى المعجز كون العرب لا يستطيعون الإتيان بمثله في البلاغة، فنهج البلاغة للإمام علي(عليه السلام) كذلك، فالعلماء وأهل الأدب والبلاغة يصفون هذا الكتاب أنّه: «فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق» ومحل الشاهد هو الجملة الأولى، فلو فرضنا أن كلام الإمام علي(عليه السلام) فوق كلام البشر من جهة البلاغة، فيصح تسميته بالمعجزة على التعريف المذكور، ولم يبق فرق حينئذ بينه وبين القرآن من هذه الجهة إلاّ من حيث التحدي، أي أن الإمام لو كان قد تحدى العرب على أن يأتوا بمثله لما استطاعوا، فثبت أن مجرد الإتيان بكتاب بليغ لا يستطيع الآخرون على الإتيان بمثله يمكن أن يصدر من البشر ولا يختص ذلك بالله تعالى. فاذا استطاع الإمام علي أن يأتي بكتاب أعجز جميع العرب أن يأتوا بمثله، فالنبي الذي هو أبلغ وأفصح من الإمام علي بإمكانه أن يأتي أيضاً بكتاب تعجز العرب جميعاً عن الإتيان بمثله، وبعبارة اُخرى: أنّه كما عجزت العرب عن الإتيان بمثل نهج البلاغة وهو كلام بشري، فكذلك عجزوا أيضاً عن الإتيان بكتاب مثل القرآن الذي جاء به محمد(صلى الله عليه وآله)، وعليه فما المانع من أن يكون هذا الكتاب، وهو القرآن، كلام بشري أيضاً؟

4 ـ لماذا لا يمكن القول ـ مع تفريغ الذهن من المسبوقات العقائدية ـ أن نهج البلاغة في بعض موارده أبلغ من بعض آيات القرآن، فمع مقارنة بسيطة بين بعض الآيات من القرآن الكريم وفقرات من نهج البلاغة يتضح هذا المعنى جلياً وعلى سبيل المثال نختار من «نهج البلاغة» قوله (عليه السلام):

«فيا عجبا!! بينا هو ـ ابو بكر ـ يستقيلها في حياته اذ عقدها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم وإن اسلس لها تقحّم، فمني الناس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماس وتلون واعتراض. فصبرت على طول المدة وشدة المحنة»([4])

أو قوله (عليه السلام) في الموعظة:

«أما بعد، فان الدنيا أدبرت وآذنت بوداع، وإن الاخرة قد اقبلت واشرفت باطلاع، الا وإن اليوم المضمار وغداً السباق، والسبقة الجنة والغاية النار، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته، الا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه... الا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، الا وانه من لا ينفعه الحق يضره الباطل. ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال إلى الردى...»([5])

ومنها قوله (عليه السلام) في «دعاء الصباح»:

«اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوّار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأجّجه، يا من دلّ على ذاته بذاته، وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملائمة كيفياته، يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون وعلم بما كان قبل أن يكون، يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني إلى ما منحني به من مننه وإحسانه، وكفّ اكفّ السوء عني بيده وسلطانه...»([6])

ثم لنضع هذه العبارات إلى جانب سورة قرآنية للمقارنة البلاغية، ولتكن هذه السورة:

«لايلاف قريش، ايلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا ربّ هذا البيت. الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»

أو سورة النصر:

«إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجاً، فسبح بحمد ربّك واستغفره إنه كان توابا».

فمع مقارنة سريعة بين الطائفتين من المقاطع الادبية والبلاغية يتضح لنا جلّي الحال وأن الاعجاز البلاغي للقرآن ليس سوى أدعاء فارغ يتشبث به من لم يعِ حقيقته ويتحركون في اثبات أرجحية الآيات المذكورة على مقاطع نهج البلاغة من موقع التعصب والحساسية المذهبية، ولكن لو تقدمنا في مسألة التحكيم بين هذه النصوص إلى غير المسلمين من الادباء العرب مثل: جرجي زيدان، جورج جرداق، جبران خليل جبران (رحمهم الله) والذين لا يخفى على كل باحث فضلهم وأثرهم المشكور على الثقافة العربية والاسلامية، فماذا تتصورون نتيجة التحكيم؟

غاية ما يتوقع من نتيجة التحكيم هو القول بالتساوي، وحتى على فرض أن تكون الآيات أقوى على مستوى البلاغة والفصاحة، فان هذا الامتياز للآيات لا يكون بشكل فاضح وسافر بحيث يمكن أن يعدّ معجزة، ومن مقومات الاعجاز أن يكون بشكل سافر إلى درجة لا يمكن قياسه ومقارنته بفعل البشر، كاحياء عيسى للموتى، أو انقلاب العصا إلى ثعبان حقيقي بحيث أهوى السحرة أنفسهم إلى السجود بمجرد رؤيته. أما لو كان الاختلاف طفيفاً بحيث يتردد فيه بعض الناس ويحملونه على نبوغ مدعي النبوة وأعلميته بالنسبة إلى سائر الناس فلا يصح ادعاء الاعجاز، وما نحن فيه من هذا القبيل، فالافضلية البلاغية للآيات ـ لو سلمت ـ لا تكون بمستوى أن يقال أنّها معجزة بالنسبة إلى عبارات النهج. نعم قد تكون معجزة فيما إذا قورنت بكلام ركيك وسخيف مثلما أوردوا من آيات قرآن مسيلمة «الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل. له ذنب قصير وخرطوم طويل...».

وأعجب ما يقال: إن «نهج البلاغة» كلام معصوم ومسترفد من منهل الوحي والنبوة، فهو معجز من هذه الجهة أيضاً، ولذا لا يصح مقارنة المعجز بالمعجز، وهذه ـ كماترى ـ حيلة العاجز، لأن المقصود هو مقارنة القرآن بكلام البشر أياً كان، والإمام علي (عليه السلام)بشر، وكلامه كلام بشر، والقرآن تحدى جميع البشر ـ بما فيهم الإمام علي ـ على أن يأتوا بمثله، والعرف والعقل المنصف والوجدان المحايد يشهدون على أن عبارات نهج البلاغة المذكورة مثل الآيات في البلاغة، والاختلاف الطفيف لو سلّم، لا يعدّ دليلاً قاطعاً على الاعجاز كما تقدم، بل يقال أن هذا أفضل من ذاك.

والسرّ في ذلك أن القرآن جاء (تبياناً) ولتفهيم السواد من الناس وهدايتهم، ولذلك كانت الآيات القرآنية أسهل مؤونة وأوضح معنى من عبارات نهج البلاغة، ولم يكن غرض القرآن من أول الأمر التنافس مع بلغاء العرب وادبائهم كما توهم العلامة وكثير من العلماء والمفسرين، غاية الأمر أن القرآن بما أنّه كلام الله فلابد أن يكون بليغاً وخالياً من الخطأ البلاغي، ولكن أن يكون أبلغ من غيره بالضرورة فهو أول الكلام.

5 ـ على فرض أن عبارات نهج البلاغة وكلمات النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين(عليهم السلام) لا تناظر القرآن الكريم في بلاغته، ولكننا نفتقد إلى الميزان الذي نزن بلاغة الكتب والقصائد الأدبية المعاصرة للقرآن، ومن ثم اجراء مقايسة بينها وبين القرآن، لأن الأدباء الذين يفترض كونهم حكماً في مثل هذه المقارنة الأدبية إن كانوا من غير المسلمين لم تسمع حجتهم فيما لو حكموا لصالح تلك الكتب والقصائد الشعرية، وان كانوا من المسلمين فعقيدتهم تفترض عليهم التحيّز لصالح القرآن وتبرير كل ما يوهم ضعفاً بلاغياً بتخريجات وذرائع مختلفة ليحفظوا للقرآن تفوقه البلاغي كما هو المشاهد في منهج العلماء والمفسرين في عملية المقارنة بين القرآن وبين غيره من الكتب، فالملاحظ أنهم يقارنون بين آيات القرآن وآيات يدّعون أنّها من مسيلمة الكذاب في قرآنه المزعوم «الفيل ما الفيل، له خرطوم طويل..» ويسخرون من سخافة هذا الكلام بالنسبة إلى القرآن الكريم، في حين أن الأجدر بهم مقارنة القرآن بنهج البلاغة و«تحف العقول لآل الرسول» الذي يجمع بين دفتيه درر وجواهر من كلمات المعصومين(عليهم السلام) هي آية في البلاغة والفصاحة، لا أن يخلقوا كلاماً تافهاً وينسبونه إلى المنافس للقرآن ثم يجلسون ليتفكّهوا على سخافة ذلك الكلام وركاكته!!

وعلى أية حال نحن أمام اشكالية معيارية خاصة في هذه المقارنة، لأن هؤلاء المحكّمين يعتبرون القرآن معجزة في البلاغة في مرحلة سابقة بل هو الميزان للفصاحة والبلاغة، وحينئذ لا يوجد ميزان ومعيار خارج دائرة المتسابقين ليقاس به درجة كل واحد من أفراد حلبة السباق.

6 ـ على فرض أن القرآن تحدى العرب بالبلاغة، إلاّ أن نظرة تاريخية سريعة للموقف في ذلك الزمان يشير إلى عدم تحقق الفرصة للمشركين للموافقة على هذا التحدي وقبوله، وحينئذ يبقى التحدي القرآني البلاغي مجرد شعار واطروحة تفتقد الميدان العملي لترجمتها على أرض الواقع، المشركون عاشوا لمدة عشر سنوات (فترة وجودة النبي في مكة منذ الاعلان عن الدعوة إلى زمان الهجرة) لا يتصورون أن هذا الدين الجديد قد يبلغ به الخطر إلى أن يهدد وجودهم وكيانهم بين القبائل، فما هو إلاّانحراف جزئي عن مسيرة قريش في عبادة الاوثان وسلوك شاذ لدى فئة قليلة من الفقراء والعبيد يمكن معالجته بأدوات الارعاب والقهر والتعذيب. فلم يشعروا بالخطر الجدّي على دينهم وكيانهم حتى يهتموا للإتيان بكتاب نظير القرآن في البلاغة، وخاصة إذا علمنا أنّ أول آيات التحدّي نزلت في سورة الاسراء وهي من السور المكّية التي نزلت قبل الهجرة بسنة أو سنتين، وسائر آيات التحدّي نزلت في المدينة، ولما أحسّ المشركون بالخطر وهاجر النبي إلى المدينة انشغلوا بالحروب والقتال مع أنصار هذا الدين الجديد وكانت المواجهة بينهما قد أخذت طابعاً عسكرياً وميدانياً، والغلبة لمن يغلب خصمه في ميدان القتال لا في البلاغة، واستمر الحال على هذا المنوال عشر سنوات اُخرى تقريباً حتى دخل المشركون وعلى رأسهم قريش في الإسلام جميعاً، وحينئذ أغلق باب التحدي عملياً، لأن أحد المسلمين مهما كان بليغاً لا يتجرأ على منازلة القرآن وقبول تحديه بل ولا يفكر في مثل هذا الأمر لأن مصالحه ستتعرض حتماً إلى الخطر، وأهون ما يصير إليه أن تضرب عنقه بتهمة الإرتداد وتكذيب القرآن.

7 ـ إن مثل هذه المسابقات لا تقبل التحدي لمجموعة من الأفراد فضلاً عن جميع العرب وبالتعاون فيما بينهم، أي أن هذا التحدي يقوم على أساس فردي لا جماعي، وعلى سبيل المثال نلاحظ في المسابقات الرياضية أن بعض المسابقات يقبل التحدي الجماعي وبعضها لا يقبل، فالمصارعة ورفع الاثقال تقبل التحدي الجماعي بأن يتحدى شخص قوي عشرة من الأشخاص أن يتعاونوا فيما بينهم على مصارعته، أو على رفع الثقل الذي يرفعه لوحده، وأما في مثل السباحة أو العدو فالأمر يختلف، فالمتحدي هنا لا يتحدى المتسابقين بأجمعهم وبالتعاون فيما بينهم، بل يتحدى كل واحد على حدة، لأنه لا معنى للتعاون بين السابحين أو العدّائين ضد شخص واحد، فكل منهم يريد السبق والفوز بالجائزة، وحينئذ لابد وأن يكون أحدهم هو السابق.

بعد هذا نقول: إن التحدي البلاغي هو من النوع الثاني لا الأول، فليس بامكان بلغاء العرب أن يتفقوا على الإتيان بقصيدة موحّدة لمعارضة القرآن، لأن فن البلاغة والشعر لا يقبل اشتراك الكثيرين على نص واحد، فكل شاعر له قريحته ومزاجه وذوقه الشعري والأدبي، والقصيدة الرائعة لابد وأن تكون من نسيج شخص واحد، وعلى هذا لا معنى لأن يتحدى القرآن جميع البشر بالتحدي من النمط الأول ويقول «ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً»، ولابد وأن يكون النزال في هذه المسابقة على شكل فردي، وحينئذ لابد وأن يكون الفائز أحد المتسابقين ولا يمنع من أن يكون أحد افراد البشر، ولا عجب في ذلك ولا معجزة، فقد يأتي أحد العدّائين ويسجّل رقماً قياسياً لا يستطيع أحد من البشر أن يصل إليه أو يسبقه، أو يحمل ثقلاً لا يستطيع أحد من الناس أن يحمله على انفراد، ومعه هل يمكنه أن يدعي قيامه بمعجزة ويتحدى الآخرين على هذا الأساس؟!

8 ـ سلّمنا أن القرآن معجزة بلاغية ولم يستطع العرب أن يأتوا بمثله، إلاّأن ذلك لا ينفعنا من قريب أو بعيد، لأن القضية سوف تكون تاريخية فحسب، ولا يمتد ذلك التحدي القرآني ليشملنا نحن العرب فضلاً عن غيرنا، لاختلاف الانساق البلاغية ومناهج الفصاحة والبلاغة في هذا الزمان عن زمن نزول القرآن بحيث إن الأساليب البلاغية في عصر نزول القرآن أصبحت قديمة ومرفوضة في الأدب العربي الحديث، فلو أن الأدباء المعاصرين لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن لم يكن دليلاً على ضعفهم الأدبي والبلاغي، بل لأنهم لم يمارسوا مثل هذا الأسلوب الأدبي القديم.

قد يقال: يكفي في إثبات معجزة القرآن البلاغية وكونه حجة علينا وعلى جميع الأقوام البشرية أنّه تحدى العرب في تلك الفترة الزمنية وعجزوا عن الإتيان بمثله، فثبت أنّه من الله تعالى لا من البشر.

فنقول: بأن هذا الكلام يساوي بين القرآن وبين معجزات الأنبياء السالفة كعصا موسى واحياء الموتى لعيسى، ويجعله معجزة تاريخية محضة، في حين أن علماء الإسلام في ردّهم على أرباب الأديان السابقة وأبطال مدّعاهم يتمسّكون بهذه الحجة وأن المعجزات المذكورة للأنبياء الماضين مثل موسى وعيسى قد أصبحت في ذمة التاريخ وزالت بزوال أصحابها، في حين أن معجزة الإسلام باقية وحيّة إلى يومنا هذا، وهذا المعنى لا ينسجم مع الإدعاء المذكور.

9 ـ المفروض أن تكون المعجزة الإلهية متماشية مع ما هو سائد في ذلك المجتمع وأن يكون التحدي في الأمور التي يرتضيها الطرف المقابل ومستعد للمبارزة وترجمتها على أرض الواقع العلمي بأن يكون له رموز وافراد تتوفر فيهم اللياقة الكافية والمهارة المتميّزة لقبول التحدي، في حين أن هذا المعنى غير متوفر في تحدي القرآن البلاغي للعرب، لأن العرب يومئذ كانوا شعراء فقط، وقد جاءهم القرآن بما لم يألفوا مثله ولم تكن لهم سابقة في هذا الميدان الأدبي إذ لم يكن في قريش ممن يعرف القراءة والكتابة سوى سبعة نفر، والنثر الأدبي يعتمد اشدّ الاعتماد على الكتابة والممارسة على الورق وليس كالشعر الذي يعتمد على القريحة فقط، وكان الأجدر بالقرآن فيما لو قصد التحدي البلاغي لهم أن يأتيهم على صورة شعر كما كان الشعر هو السائد، لا أن يأتيهم بشيء لا يعرفونه أو غير متمرسّين عليه.

10 ـ لو سلمنا كل ذلك، وقبلنا أن القرآن معجزة شاملة وخالدة وفوق طاقة البشر، إلاّ أنّه يبقى شيء واحد، وهو أنّه كيف يمكن إثبات أن هذه المعجزة وهذا الكلام إنما هو من الله تعالى؟ فالعقل غاية ما يمكن أن يقوله في هذا الصدد أن هذا الكلام بهذا السبك البلاغي المعجز لا يمكن أن يكون من محمد(صلى الله عليه وآله) ولا أحد من البشر، بل هو صادر حتماً من قوة غيبية فوق طاقة البشر، ولكن هل أن هذه القوة الغيبية هي الله تعالى، أو الملائكة، أو الجن، أو مخلوقات من عالم آخر؟ العقل ليس له طريق إلى الكشف عن الجواب الصحيح، فتبقى العهدة حينئذ على الوجدان، وهذا هو ما سنفصله فيما بعد.

قد يقال: إن الله تعالى سوف يقوم بفضح كل ما هو خارق للعادة إذا كان فيه اضلالاً للعباد وكذباً على الله، والاّ كان تركه والحال هذه اغراءً بالجهل وامضاءً للباطل، وذلك محال على الله تعالى ومخالف لمقتضى حكمته.

فنقول: إنّه تقدم في الفصل الاول ما يدحض هذا الاشكال وانه لا يقبح على الله تعالى ذلك وخاصة في هذا المورد بالذات، لأن القرآن الكريم لا يعدّ اظلالاً للعباد واغراءً لهم بالجهل والباطل، فلماذا يتصدى الله تعالى لفضح المتحدث به؟ وبعبارة اخرى: إن القرآن ليس كتاب ضلال حتى يستدعي أن يقوم الله تعالى بمقتضى قاعدة اللطف بالكشف عن هذا الزيف والدجل، بل هو كتاب نافع جداً للبشرية على مستوى الدعوة إلى الله والاخلاق والقيم الانسانية.

هذا أولاً، وثانياً: إن الواقع التاريخي يكذب هذا الادعاء، فكم من المنحرفين وأهل البدع والرياضات قد ضلّوا وأضلّوا جماً غفيراً من الناس ولم يتصد الله تعالى لمنعهم من اغواء الناس واضلالهم، بل ترك الامر لعقول الناس ووجدانهم ليتحركوا من موقع المسؤولية والعقل لا من موقع الاهواء والاوهام.

يقول السيد المرتضى في ردّه على من ذهب إلى أن حكمة الله تقتضي المنع من الاغراء بالباطل من قبل المدّعين والمنحرفين: «وهذا غير صحيح، لأن الذي يمنعه أن يفعل الله تعالى الاستفساد، فأما أن يمنع منه فليس بواجب، لأن هذا يوجب أن يمنع الله تعالى كل ذي شبهة من شبهته، وأن لا يمكّن المتعبدين المنخرقين من شيء دخلت منه شبهة على أحد.

وقد علمنا أن المنع من الشبهات وفعل القبائح في دار التكليف غير واجب، وليس يجب إذا كان تعالى لا يستفسد أن يمنع من الاستفساد، كما لا يجب إذا لم يفعل القبيح أن يمنع منه في دار التكليف...

ثم يقال للمعلّق بهذا: أليس قد ضلّ بزرادشت وماني والحلاج ومن جرى مجراهم من المنخرقين والملتمسين جماعة وفسدت بهم اديانهم، فألا منعهم الله من هذا الاستفساد إن كان المنع منه واجباً؟»([7]).

وعلى أية حال: فهذا الاشكال الاخير على مقولة الاعجاز البلاغي هو ما ذهب اليه السيد المرتضى علم الهدى في «الذخيرة» حيث قال:

«وقد بيّنا في كتابنا في جهة اعجاز القرآن أن من لم يقل في جهته ما اخترناه من الصرفة يلزمه سؤالان لا جواب عنهما إلاّ لمن ذهب إلى الصرفة:

(السؤال الأول) أن يقال: ما أنكرتم أن يكون القرآن من فعل بعض الجنّ ألقاه إلى مدّعي النبوة، وخرق به عادتنا، وقصد بنا إلى الاضلال لنا والتلبيس علينا. وليس يمكن أن يدعي الاحاطة بمنبع فصاحة الجن وأنّها لا يجوز أن يتجاوز عن فصاحة العرب. ومع هذا التجويز لا يحصل الثقة بأن الله تعالى هو المؤيد بالقرآن لرسوله (صلى الله عليه وآله).

وقد يمكن ايراد معنى هذا السؤال على وجه آخر، فيقال: إن محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يدّع في القرآن أنّه كلامه، وانما ذكر أن ملكاً هبط به اليه، وقد يجوز أن يكون ذلك الملك كاذباً على ربه، وأن يكون القرآن الذي نزل به من كلامه لا من كلام خالقه، فان عادة الملائكة في الفصاحة ممّا لا نعرفه، وعصمة الملائكة قبل العلم بصحّة القرآن والنبوة لا يمكن معرفتها، فالسؤال متوجه على ما ترويه»([8])

ولهذا السبب ذهب السيد المرتضى والشيخ الطوسي والمفيد وجمع من المعتزلة إلى مذهب الصرفة وأن الاعجاز القرآني يتمثل في أن الله تعالى صرف العرب عن الإتيان بمثل القرآن وحال دون ذلك تكويناً، والاّ فالقرآن الكريم لا يعدّ معجزة بلاغية بحدّ ذاته بحيث يعجز البشر عن الإتيان بمثله.



القول بالصَّرفة

وفي تقريره لهذا القول يقول السيد المرتضى (قدس سره): «في جهة دلالة القرآن على النبوة:

اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إن وجه دلالة القرآن على النبوة أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته، وسلبهم العلم الذي به يتمكنون من مماثلته في نظمه وفصاحته، ولو لا ذلك لعارضوا.

وإلى هذا الوجه أذهب، وله نصرت في كتابي المعروف بالموضح عن جهة اعجاز القرآن، وقد حكي عن ابي اسحق النظام القول بالصَّرفة من غير تحقيق لكيفيتها وكلام في نصرتها... .

ثم قال: فان قيل: بيّنوا كيفية مذهبكم في الصرفة

قلنا: الذي نذهب اليه أن الله تعالى صرف العرب عن أن يأتوا من الكلام بما يساوي أو يضاهي القرآن في فصاحته وطريقته ونظمه، بأن سلب كل من رام المعارضة العلوم التي يتأتى ذلك بها، فان العلوم التي بها يمكن ذلك ضرورية من فعله تعالى فينا بمجرى العادة».([9])

ثم يورد (قدس سره) بعض اشكالاته على من يقول بوجوه اُخرى من الاعجاز القرآني ومنها ما تقدم آنفاً من أن العقل بعد تسليمه أن هذا القرآن ليس من النبي (صلى الله عليه وآله) لا يأبى أن يكون من الجن أو الملائكة، والمطلوب من الاعجاز اثبات أن هذا الكتاب هو كلام الله تعالى، فالدليل قاصر عن اثبات المدعى.

ولكن سيأتي أن القول بالصرفة كذلك قاصر عن اثبات المدعى، وليس لاثبات ذلك سوى استخدام منهج «العقل الوجداني» لمعرفة حقيقة الاعجاز القرآني من خلال التفصيل بين «المعجزة المنصوبة» و «المعجزة المنسوبة» كما سيتبيّن في الفصل الاخير.



مناقشة القول بالصرفة

هذا وقد تصدى غير واحد من العلماء والمفسرين إلى دحض هذه المقولة واثبات أن القرآن معجز من حيث الفصاحة والبلاغة لا من حيث القول بالصرفة، ولكنك سترى أن اجوبتهم وردودهم لا تقوم على شيء من البرهان العقلي والمنطقي، ولم يأتوا بحجة مقنعة لابطال مذهب الصرفة المذكور.



كلام الشيخ السبحاني

ونبدأ في استعراض ما ذكر لابطال الصرفة بما قرره الشيخ السبحاني في «الالهيات» في هذا المجال حيث قال:

«والحق أنّها (نظرية الصرفة) ليست بنظرية قيّمة قابلة للاعتماد، وقد اورد عليها وجوه من النقاش والاشكال نكتفي بذكر ثلاثة منها:

الاول: ان المتبادر من آيات التحدّي ان القرآن في ذاته متعال، حائز أرقى الميزات وكمال المعجزات حتى يصح ان يقال في حقه بانه لو اجتمع الجن والانس الخ، وإلى هذا الوجه يشير الخطابي بقوله: «ان قوله سبحانه: «قل لئن اجتمعت الانس والجن» الآية: يشهد بخلاف هذه النظرية، لانها تشير إلى امر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، وما فسرت به الصرفة لا يلائم هذه الصفة».([10])

الثاني: لو كان عجز العرب عن المقابلة لطارىء مباغت ابطل قواهم البيانية، لاثر عنهم انهم حاولوا المعارضة، ففوجئوا بما ليس في حسبانهم، ولكان ذلك مثار عجب لهم، ولأعلنوا ذلك في الناس، ليلتمسوا العذر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته. وقد أشار إلى هذا الوجه علي بن عيسى الرماني في «نكت الإعجاز» كما اشار اليه الإمام يحيى بن حمزة العلوي.([11])

الثالث: لو كان الوجه في اعجاز القرآن هو الصرفة كما زعموا، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، ولما ظهر منهم التعجب لبلاغته وحسن فصاحته كما اثر عن الوليد بن المغيرة، فان المعلوم من حال كل بليغ فصيح سمع القرآن يتلى عليه، انه يدهش عقله ويحير لبّه وما ذاك الا لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف وحسن مواضع التصريف في كل موعظة وحكاية كل قصة، فلو كان كما زعمه اهل الصرفة لم يكن للتعجب من فصاحته وجه، فلمّا علمنا بالضرورة اعجابهم بالبلاغة، دلَّ على فساد هذه المقالة».([12])

وأنت خبير بما في هذا البيان من الخلل والقصور، فالتحدي للانس والجن لا ينافي أن الله تعالى قد صرفهم عن الإتيان بمثله وسلبهم المقدرة عن مجاراة بلاغته وفصاحته.

والتبادر المدعى في جوابه الاول لا يكون له شأن الاّ في دائرة البحث اللغوي والبلاغي لا في دائرة البرهان العقلي والمنطقي.

اما ما ذكره ثانياً من أن الصرف الالهي لو كان لاثر عنهم ذلك ولكان مثار عجب لهم، فهو من غريب الكلام، فأي ملازمة بين أن يصرف الله تعالى المنتحلين والمحرّفين عن المساس بآيات القرآن من موقع التحريف والعبث بآياته وسوره على مستوى الزيادة والنقصان، وبين أن ينتبهوا إلى أن الله قد سلبهم القدرة وصرفهم عن ممارسة التحريف لكتاب الله؟ فما وقع للعرب في دائرة التحدي القرآني وعجزهم عن الإتيان بمثله لصارف الهي لا يلازم بالضرورة علمهم بوجود هذا الصارف الغيبي.

واما الثالث من بيانه فهو ثالثة الاثافي، وكأن تعجب الوليد بن المغيرة من بلاغة القرآن يكفي شاهداً على هذا الادعاء العظيم وأن هذا الكتاب هو كلام الله تعالى!! وما اكثر ما تعجب اهل البلاغة والفصاحة من خطب الإمام علي (عليه السلام) واستعظموا بلاغتها ودقة معانيها كما مرّ علينا آنفاً، الاّ أنّه لم يدع أحد أنّه كلام الله، وما اكثر ما نتعجب نحن من مصنوعات البشر وما وصل اليه الإنسان في دائرة التقدم العلمي والتكنولوجي ولا يلازم ذلك أن نرتفع في صانع هذه الادوات والمصنوعات إلى مستوى الآلهة!!

هذا والعجيب من الشيخ السبحاني واضرابه أنهم لم يتعرضوا لدليل القائلين بالصرفة بالذكر ولم يوردوا له جواباً. وكان الأحرى بهم التحرك نحو حلّ ذلك الاشكال الذي دعا اولئك الاساطين من اهل المعرفة من علماء الشيعة والمعتزلة إلى سلوك مذهب الصرفة، وهو اشكال صدور القرآن من الجن أو الملائكة، ولا أظن أحداً يقدر على الخروج بمخلص منه الاّ بالقول بالصرفة، أو بما انتهينا اليه من الفصل بين المعجزة المنصوبة والمنسوبة واستخدام منهج العقل الوجداني في اثبات الاعجاز القرآني.



كلام السيد الخوئي:

وأعجب مما ذكر في ردّ القول بالصرفة هو ما أورده السيد الخوئي في «البيان»، حيث قال:

«وهذا القول ـ أي القول بالصرفة ـ في غاية الضعف:

أولاً: لأن الصرفة التي يقولون بها، إن كان معناها أن الله قادر على أن يُقدر بشراً على أن يأتي بمثل القرآن، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر، ولم يؤتها لأحد منهم فهو معنى صحيح، ولكنه لا يختص بالقرآن، بل هو جار في جميع المعجزات!! (ثم ماذا؟ فعلى فرض انه جار في جميع المعجزات فهل يبطل القول بالصرفة؟)

وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوابمثل القرآن. ولكن الله صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان، لأن كثيراً من الناس قد تصدّوا لمعارضة القرآن، فلم يستطيعوا ذلك. واعترفوا بالعجز. (فنفس عجزهم وعدم استطاعتهم يدل على الصرفة، وكأن السيد تصور أن القول بالصرفة يعني صرفهم عن اصل التصدي والمعارضة).

ثانياً: لأنه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر ويطالبهم بالاتيان بمثل القرآن، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر لتكثر الدواعي اليه»([13]).

وهذا أعجب من سابقه، لأن العرب لم يكونوا في صدد الاتصال بعالم الغيب والإتيان بكتاب من الله للبشر حتى يقال هذا الكلام، بل كان ديدنهم الشعر، ومعلوم أن الشعر ابلغ من النثر، ومعه لا حاجة لهم إلى الإتيان بنثر بليغ يوازي القرآن الكريم في بلاغته، وقد تقدم أن القرآن بمجرده وبغض النظر عن كونه كلام الله لا يعد معجزة بلاغية، وبالامكان العثور على بعض النصوص الادبية وخاصة من نهج البلاغة هي أبلغ من بعض آيات القرآن الكريم، الاّ أنّه تبقى العذوبة والحلاوة في القرآن متميزة عن غيره، وليس ذلك لبلاغته كما يتوهم، بل لكونه من الله تعالى وصادر من اعماق وجدان الإنسان، لأن الله ليس منفصلاً عن خلقه، بل هو أقرب اليهم من حبل الوريد ويمثل بعداً وجودياً من ابعاد وجود الإنسان.

والسبب الذي دعا هؤلاء العلماء إلى التمسك بمثل هذه الطحالب لردّ القول بالصرفة ـ مع كونهم اساطين الفكر والاستدلال في دائرة الفقه والاصول ـ هو اعتقادهم المسبق بكون القرآن معجزة، لتصريح القرآن بذلك، ولمّا لم يجدوا في التحدي القرآني بما يناسب ذلك الزمان سوى عنصر الفصاحة والبلاغة، توهموا أن الاعجاز القرآني يتمثل في هذه الدائرة واصروا على كون القرآن معجزة على مستوى البلاغة والفصاحة، ومن ذلك جاءت كلماتهم بعيدة عن افق البرهان المنطقي وكانت أشبه بالخطابيات والاستحسانات من حيث انطلاقهم في الدفاع عن هذه المفردة العقائدية من موقع الدفاع عن العقيدة والخوف لا من موقع الانصاف والتجرد من المسبوقات الدينية والعقائد الموروثة، وتصوروا أن انكار المعجزة البلاغية للقرآن سيوقعهم تحت ضغط تحديات المخالفين ويجردهم من الدليل على نسبة هذا الكتاب إلى الله تعالى، أي أنهم سلكوا في عملية اثبات أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى من قناة الاعجاز وأن القرآن معجزة، وبما أنّه معجزة فهو من الله، ولكن سيأتي في المنهج المختار أنّه لا حاجة لسلوك هذا المسلك فحتى لو لم يكن القرآن معجزة فهو من الله، وبما انه من الله فهو معجزة، لا انه معجزة فهو من الله.



الصحيح في ردّ القول بالصَّرفة

والصحيح في مقام الردّ على مذهب الصرفة هو أن نقول بأنه لا لزوم إلى الصرفة اساساً، لأن البشر عموماً، فضلاً عن العرب، يستحيل عليهم بمقتضى كونهم بشراً أن يأتوا بكلام يخالف مقتضاهم ويماثل كلام الله تعالى، أي أن كلام البشر يتباين بالذات مع كلام الله تعالى، لا لأجل البلاغة والفصاحة، ولا الاخبار بالمغيبات، ولا شيء آخر، وقد وردت الاشارة إلى هذا المعنى في الاية الشريفة: (فان لم تفعلوا ولن تفعلوا)([14]) وكلمة «لن» اشارة إلى هذا المحال والتباين الذاتي بين الكلامين.

وعليه فالعرب غير قادرين على الإتيان بمثل القرآن لأنه كلام الله وكل افعال الله معجزة، والبشر لا يقدرون على الإتيان بأي شيء يماثل ما يصدر عن الذات المقدسة مهما كان تافهاً، فلا حاجة بعدها إلى اعمال القدرة الإلهية لصرف العرب عن الإتيان بمثله. ولكن هذا المعنى يتوقف اولاً على اثبات أن هذا القرآن هو كلام الله، ومن ثم الاعتراف بكونه معجزاً للبشر، وهو ما سيأتي الحديث عنه في الفصل الأخير.

* * *


[1] - الطباطبائي ـ الميزان ـ ج 1 ـ ص 68.

[2] - الإمام محمد رشيد رضا ـ تفسير المنار ـ ج 1 ـ ص 168.

[3] - سورة الأسراء / 88.

[4] - نهج البلاغة ـ الخطبة 3.

[5] - نهج البلاغة ـ الخطبة 28.

[6] - مفاتيح الجنان ـ دعاء الصباح.

[7] - السيد المرتضى ـ الذخيرة ـ ص 386 ـ تحقيق احمد الحسيني ـ ط جماعة المدرسين.

[8] - المصدر السابق، ص385.

[9] - المصدر السابق ـ ص 378 ـ 380 ـ بتلخيص.

[10] - بيان اعجاز القرآن: 21.

[11] - لاحظ مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ـ 2 / 314.

[12] - الشيخ السبحاني ـ الالهيات ـ ص 460 ـ 461.

[13] - الإمام الخوئي ـ البيان ـ ص 83 ـ ط دار الزهراء ـ بيروت.

[14] - البقرة: 24.