نقد الاعجاز العلمي
 
 


الحجر الاسود وهراء زغلول النجار




يقول الدكتور زغلول النجار: الحجر الأسود الذى قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه حجر من السماء، ومن أحجار الجنة ...... نبى الله إبراهيم طلب من إسماعيل عليها السلام أن يبحث له عن حجر ليكون بداية الطواف عندما شرعا فى رفع القواعد من البيت لبناء الكعبة من جديد، وأخذ إسماعيل يبحث ولم يجد. خاصة وأن مكة مقامة على كتلة هائلة من الصخور الجرانيتية النارية المتحولة، والتى حينما تتداخل تشكل مساحة كبيرة جدا ،وأغلب جسم الكعبة مبنى من هذه الصخور، فلما تعب إسماعيل رجع لأبيه وقال لم أجد حجرا مختلفا نجعله بداية الطواف فقال له إبراهيم "( لقد أتانى به من هو خير منك ، أتانى به جبريل عليه السلام "


المستشرقون والحجرالأسود

حينما علم المستشرقون بهذا الأمر أرادوا البحث عن ثغرة يهاجمون بها الإسلام فقالوا إن المسلمين لا يعلمون شيئا، وقالوا إن الحجر الأسود ماهو إلى حجر بازلت أسود موجود فى الطريق مابين المدينة، ومكة وجرفه السيل وقطعه إلى خارج مكة، وعثر عليه إبراهيم عليه السلام ، ووضعه بداية للطواف ، وأرادوا أن يثبتوا صدقا كلامهم فأرسلوا أحد علماء الجمعية البريطانية التابعة لجامعة كمبردج ودرس اللغة العربية، وذهب إلى المغرب ، ومنها إلى مصر للحج مع حجاجها، وركب الباخرة، وكان الحجاج المصريون يتخطفونه ليكرموه ، ويطعموه فتأثر بذلك كثيرا ثم تأثر ثانية عندما رأى قبر الرسول ، والمدينة المنورة، وتأثر أكثر، وأكثر حينما رأى الكعبة من على مشارف مكة، وكان ذلك فى القرن التاسع عشر وقال ( لقد هزنى ذلك المنظر كثيرا من الأعماق ) ولكنه كان مصمما على إنجاز مهمته التى جاء من أجلها، ودخل الكعبة وفى غفلة الحراسة ولم تكن شديدة مثل هذه الأيام ، وكسر قطعة من الحجر الأسود، وذهب بها إلى جدة واحتفل به سفير بريطانيا فى السعودية احتفال الأبطال فهو من وجهة نظرهم بطل أتى بالدليل على بطلان كلام محمد صلى الله عليه وسلم بان الحجر الأسود من السماء، ووصل إلى بريطانيا، وأودع قطعة الحجر الأسود فى متحف التاريخ الطبيعى بلندن ليقوم بتحليله واثبتوا أنه (نيزك ) من نوع فريد فوقع الرجل مغشيا عليه وكتب كتابا من اجمل الكتب وسماه (رحلة إلى مكة) من جزأين وصف في الجزء الأول عداءه للإسلام وإصراره على هزيمة المسلمين وفى الجزء الثانى وصف خضوعه لله سبحانه وتعالى بسبب ان الحجر الأسود من أحجار السماء.

الرد على هذا الخرط

نرى ان زغلول لم يذكر اسم هذا الشخص، ولكن اقرب الاشخاص لهذا الوصف هو السير ريتشارد فرانسيس، Richard Francis Burton, والذي بالفعل قام برحلة الى مكة وكتب كتابا عنها، ولكن ليس بالاسم الذي تفضل به زغلول وانما اسم الكتاب هو Personal Narrative of a Pilgrimage to Al-Medinah and Meccah. وزغلول لايخطأ فقط في ذكر اسماء مصادره وانما ايضا في محتوياتها، فعند تصفح الكتاب لن تجد به اي شئ مما ذكره زغلول. ويمكن العودة الى الويكبيديا لقراءة سيرة حياة ريتشارد فرانسيس ولن تجد ابدا، في اي مكان، انه اعلن اسلامه.

إضغط لتكبير الصورة
حصوات من بقايا الحجر الاسود
يدعي زغلول النجار ان ريتشارد فرانسيس اودع قطعة من الحجر الاسود في متحف التاريخ الطبيعي البريطاني بعد عودته من رحلته الى مكة، غير ان متحف التاريخ الطبيعي تأسس عام 1881 في حين ان بورتون قام برحلته بين عامي 1851-1853 وكتب كتابه في عام 1855، فكيف يمكنه ان يسجل في الكتاب انه سلم قطعة الى متحف التاريخ الطبيعي الذي لم يكن قد تأسس اصلا عند كتابة الكتاب؟

قام بورتون بوصف الحجر الاسود ولكنه لم يذكر شيئا عن انه قد اخذ قطعة منه، فكيف استنتج زغلول ان بورتون سرق قطعة من الحجر الاسود لمجرد انه وصفه في كتابه؟

وزغلول لايقدم لنا مصادره التي يستند عليها ان قطعة الحجر الاسود الزعومة قد جرى تحليلها في عام 1855 او حتى انه كان بالامكان القيام بمثل هذه التحليلات في ذلك الوقت. ان زغلول يكذب بكل صفاقة عالما انه بين قطيع من الغنم.

ويدعي زغلول ان الحجر الاسود نيزك هابط من السماء، وهو إدعاء يمكن بسهولة البرهنة على صحته من كذبه اليوم، فلماذا لاترسل قطعة من الحجر الاسود للتحليل طالما ان زغلول على ثقة من إدعائه؟ ان الاقرب للحقيقة ان الحجر الاسود هو حجر بركاني من الاحجار البركانية المتناثرة قرب الكعبة وعلى طول طريق القوافل في الصحراء، بين مكة ودمشق، إذ ان البراكين والاحجار السوداء تملئ المنطقة ولازالت.

كما ان الحجر الاسود، الذي وضعه النبي محمد في ثوبه ليتوزع شرف حمله على كبار قريش فضا للنزاع بينهم، اصبح اليوم لايزيد عن بضعة حصوات ملصقة الى جانب بعضها، ولم يعد هناك حجرا اسودا اساسا، وإنما بقاياه، ولا احد يجرؤ ان يخبرنا متى وكيف ضاع الحجر الاسود ولم تبقى الا ثمان بحصات منه.

يكتب عماد  سمير عوض في مقال بعنوان " الدكتور زغلول النجار ونكبة العقل العربي" قائلا: جاء الضابط والمستكشف والرحالة ريتشارد فرانسيس بيرتون الى مكة فى الوقت الذى ذكره متنكرا فى هيئة حاج أفغانى، لكن ما عدا ذلك من المعلومات مما ذكره به كثير من الباطل وعلاقته بالواقع لا تخرج عن كونها فبركة سينمائية ولى للحقائق..
1- الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية لم تستأجره و انما هو الذى عرض الفكرة أن يذهب فى رحلة استكشافية الى شبه الجزيرة العربية..
2- لم يكن الهدف من رحلته الكشف عن الحجر الأسود كما ادعى العلامة، بل اننا لا نبالغ عندما نقول ان الحجر الأسود لا علاقة له برحلة هذا المستكشف، بل الهدف كما يقول هو فى كتابه مجموعة أشياء أغلبها استكشافى فى المقام الأول ( راجع المصدر الأول ص 1 حتى ص 5 )
3- لم يقم الرحالة البريطانى بسرقة جزء من الحجر الأسود كما ادعى الدكتور زغلول النجار، حدوتة السرقة جزء من الفبركة الدرامية التى أراد سيادته أن يلعب بها على أوتار مشاعر القارىء، ولتفاصيل تجربته مع الحجر الأسود راجع المصدر الثانى من ص 300 حتى ص 303.
4- علق الرحالة البريطانى على الحجر الأسود "بينما كننا نقبل الحجر تفحصته بدقة، و ابتعدت وأنا مقتنع أنه من أحجار النيازك، لكن الملفت للنظر أن أغلب الرحالة أجمعوا على أنه من الأحجار البركانية"(المصدر الثانى ص 169)، و فى موضع آخر "لن أتعرض هنا للأصل الخرافى للحجر الأسود، بعض الاعتقدات بخصوص هذا الحجر حقا منافية للعقل(absurd) " (مصدر 2 ص 300)، و فى نفس الصفحة أضاف "أرى أنه حجر نيزك مألوف"، و هو هنا يورد رأيه أن الحجر مجرد نيزك معتاد(common areolite) أى من أحجار السماء كما ذكر الدكتور زغلول، لكنه لم يذكرها بالانبهار الذى حاول الدكتور زغلول ان يمرره للقارىء، عندما ألمح ان الحجر به شيئا اعجازيا الهيا، الرحالة البريطانى لم يقل هذا ولم يشعر بهذا.
5 - لم يذكر سيادته من الذى قام بدراسة العينة التى ادعى أنها مسروقة، و هل الجمعية الجغرافية الملكية لديها معامل لتحليل الأحجار؟ و ما هو التركيب الكيميائى والمعدنى الخاص الذى تميزت به تلك العينة التى يتحدث عنها؟ هل معنى ذلك أن هذا التركيب المعدنى لا يوجد مثيل له فى الكون؟
6- نظرا لأن الرحالة لم يكتشف أن الحجر الأسود من أحجار السماء كما ادعى الدكتور زغلول النجار، فهو لم يعلن اسلامه، والقبر الذى دفن فيه فى لندن فى مدافن الكاثوليك بمورتليك (mortlake) يحمل صليبا ( المصدر الأول ص 1 - المصدر الثالث ص 362)، و موضوع ديانة الرحالة الانجليزى أمر محير جدا فشل الكثيرون فى الجزم به، لكنه بالتأكيد ليس بالسذاجة التى صوره بها الدكتور، ولمزيد من التفاصيل عن حياة الرحالة وديانته راجع المصدر الثالث.
7- الكتاب الذى نقل فيه ريتشارد بيرتون تفاصيل رحلته اسمه "A Personal Narrative of Pilgrimage to Al-Madinah and Meccah"، و ليس كما ذكر العلامة (AJourneyToMecca) و بما أنه عالم و حامل لدرجة الدكتوراة، فهو بالتأكيد يعرف قيمة اسم أى مرجع يذكره أى باحث فى أى عمل يقوم به، و الفرق بين الاثنين واضح لا يحتاج لقوة ملاحظة!
 
والملفت للنظر هنا أنه وقع فى هذه الأخطاء فى فقرة صغيرة لا تقارن بحجم ما يكتب أسبوعيا، وهو من هو، على الأقل اذا نظرنا له كحامل لدرجة الدكتوراة، فماذا لو تخيلنا أن تلميذا فى الصف الخامس الابتدائى كتب فقرة بنفس المساحة و أخطأ عددا مماثلا من الأخطاء المعلوماتية، هل سينجح و يتم نقله للصف السادس الابتدائى؟

وفي هذا المجال لابد من ذكر قصة جميلة ذكرها الدكتور أحمد صبحى منصور فى احدى مقالاته، ستلقي بعض الضوء على المبادئ التي ينطلق منها مرتزقة الاعجاز من امثال زغلول النجار:
فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق وهو يأكل الطعام، وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت" لدى ارباب الطبقة العليا، ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال له العتابى ساخرا: "وهل اولئك ناس؟انهم بقر"، فاحتج صديق العتابى وزمجر، فقال له العتابى: "سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )، فتدافع اليه الناس واجتمعوا حوله، واقبل يحدثهم يقول: روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله. (صلى الله عليه وسلم)قال. وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون، وسيطر على المستمعين، اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا، واذا أومأ برأسه يسارا التفتوا يسارا،
الى أن قال لهم... وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله عليه وسلم قال : اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت... فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى انفه، واصبح منظرهم جميعا مضحكا، فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال: ألم اقل لك انهم بقر؟

المصادر :
1-A Personal Narrative of Pilgrimage to Al-Madinah and Meccah volume I
 Francis Richard Burton
Dover Publications
سرد شخصى لرحلة حج الى المدينة و مكة - الجزء الأول
2- A Personal Narrative of Pilgrimage to Al-Madinah and Meccah volume II
 Francis Richard Burton
Dover Publications
سرد شخصى لرحلة حج الى المدينة و مكة - الجزء الثانى
3- Captain Sir Francis Richard Burton - A Biography
Edward Price
 Da Capo Press- New York
كابتن سير ريتشارد فرانسيس بيرتون - قصة حياته