نقد الاعجاز العلمي
 
 


 يمسك السماء ان تقع



لم أقرأ فى القرآن آية - ولا أعتقد ان هنالك آية - تقول بأن الله قد رفع الأرض و علقها فى الفضاء بلا عمد بالرغم من أن أبسط المعلومات التى نتلقاها في المدارس الإبتدائية، فى مادة العلوم، هى أن الأرض ليست فقط مرفوعة فى الفضاء بلا عمد، بل أنها أيضا تسبح فى هذا الفضاء و تقطع ملايين الكيلومترات فى رحلتها السنوية حول الشمس منذ أربعة بلايين سنة او تزيد!  فلماذا يذكر القرآن أن السماء مرفوعة بلا عمد بدلا عن الأرض؟  
و لماذا يصور القرآن الأرض بأنها ممتدة و مبسوطة كالفراش تحت هذه السماء؟
أغلبنا يدرك أن سقف معارف أعراب الجزيرة، وانسان زمن ظهور الاسلام على العموم ، كانت محدودة فى هذا الموضوع  و لم تتعدى أفق مداركه البصرية. فحينما كان ينظر الى السماء، كان يراها كأنها سقف مرفوع فوق رأسه فيبحث عن الأعمدة و الركائز فلا يراها، و يمشى مسافات و يقطع السهوب و الوديان و البحار و البلدان، فلا يراها!  و هذا ما جعل الإنسان يظن بأن وراء ذلك قوة خارقة، و فسرتها الأديان، وبالخصوص الإسلام، بأنها معجزة من معجزات الله الذى رفعها بلا عمد و زينها بالنجوم كى يضرب بها الشياطين الذين يبلغ بهم الجرأة و الوقاحة الى محاولة تسلق السماء لإستراق السمع!  و علاوة على ذلك، فإن هذه السماء (السقف)ايضا تنزل بالمطر!  و هذه هى بعض من هذه الآيات التى تتحدث عن رفع السماء بلا عمد:
-  (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..)-الرعد-الآية 2 -
- (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...)-لقمان-الآية 10 -
- (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بإذنه..)- الحج 65 -

الملاحظ هنا فى هذه الآيات، ذات المعانى البدائية البسيطة، بأنها تتحدث عن سقف فوق رؤوسنا و لا علاقة لها عن قريب او بعيد بموضوع المجرات التى يحاول الدجالون إعطاء الآيات أعلاه معانى لم تقصدها إطلاقا، و لم يخطر على بال النبى محمد نفسه بها، و الدليل على ذلك أحاديثه و الروايات التى تفسر هذه الآيات بتفاسير ساذجة لا تتعدى خداع البصر وتطابق التفسيرات مع مفايهم العرب في ذلك الوقت التي انعكست في كتاب " ابهى المواكب شرح أرجوزة الكواكب"، حيث نجد ان العرب لم يكونوا يفرقون بين نجم او كوكب او شهب، كلها تعني الشئ نفسه لديهم !
فإذا كانت السماء ، فى نظر هؤلاء الماهرين بالدجل، تعني المجرات بما فيها بلايين النجوم و الكواكب، فكيف ستسقط كل هذه المجرات على الأرض بحسب الآية ( وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ)-أعلاه- فى الوقت الذى نعلم جميعا مدى ضآلة حجم الأرض مقارنة الى حجم كل هذه المجرات؟
لامفر من ان المقصود بالسماء فى الآية ( و يمسك السماء ان تقع على الأرض) هو ( السقف الازرق) الذى كان النبى محمد ، وجميع بشر عصره، يعتقدون انهم يرونه فوق رأسهم منتصبا بلا عمد، ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ-سورة الطور-الآية5)، كذلك ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون- سورة الأنبياء-الآية 32 ) و كان يرى فى ذلك معجزة!

هذه المعضلة لاحظها عبد الدائم الكحيل، المختص بدجل الاعجاز العلمي في القرآن، وحاول الالتفاف عنها بالادعاء ان المقصود بذلك هو سقوط النيازك على الارض كسقوطها على القمر، بحجة ان رأى موقع ناسا يستخدم تعبير The Sky is Falling لوصف تساقط النيازك على القمر. بالطبع لايقدم عبد الكحيل اي رابط لدعم صحة ادعائه، على فجاجته. ويبدو ان الله، في رأي عبد الكحيل، يصف الامور بالاسقاط او على طريقة التشبيه الشعري، بما يجعلنا نتساءل، الا ينفي ذلك جميع الاعجازات العلمية من حيث انها ممكنة ان تكون من قبيل التشبيهات الشعرية وليست الخبر في ذاته، بما يطعن في غالبية المعاني التي يقدمها القرآن؟
وفي اية قرآنية اخرى نجد انه لايستخدم التشبيه عندما يتعلق الامر بسقوط الاحجار على الارض، فيقول:
(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: 32].
فلماذا يستخدمها باشكال مختلفة، هل بغرض خلق الالتباس والظن او سوء الظن؟

من الطبيعي ان الصورة التي يقدمها القرآن تعكس تصورات شخص لايعرف ان الأرض ايضا مرفوعة فى الفضاء، بدون عمد تماما مثل بقية " السماء" وكجزء منها، و تسير حول الشمس -بفعل الجاذبية التى لم يعرفها هو و لا غيره من البشر آنذاك- و لو كان يعرف هذه الحقيقة العلمية كما نعرفها اليوم لما تردد فى وضع بضع آيات فيها كأن يقول مثلا، (و الأرض رفعناها و سيرناها حول الشمس لعلكم تتقون، عندها لكان اعجازا مذهلا)!.

إذن تحميل هذه الآيات بمعان غير تلك التى قصدها القرآن، والتي فهما الناس والتي لاتتعارض في شكلها مع السقف المعرفي لزمن محمد، عملية غير مجدية إذ ليس فقط تزوير واحتيال ولاتتطابق مع تعريف الاعجاز الذي وضعه السيوطي والذي يقول ان :"الاعجاز شئ خارق للعادة مملوء بالتحدي خالي من المعارضة"، وانما ايضا يعطي الانطباع ان النص البلاغي يحتاج الى تحسين وتتدخل من الانسان لمساعدته تارة بالتفسير وتارة بالتأويل. عدا عن ذلك، فإن ما نراه فى تفاسير الآيات و مايصلنا عن النبى محمد او عن أصحابه تتطابق تماما مع شكل النص والشقف المعرفي لعصر محمد ومنطق سير الامور، بما يطعن بإمكانية تحويله الى أعجاز قسرا لتحقيق مصالح شيوخ و كتاب هذا العصر، على اعتبارهم كهنوت من المرتزقة، ضاربين بعرض الحائط شكل النص وتطابقه مع الحديث واقوال الصحابة وتطابق المعنى اللغوي المعروض مع معاجم اللغة العربية، ليصبح التأويل هو الاعجاز وليس النص. غير ان ذلك يتعارض مباشرة مع تعريف الاعجاز وهذا الامر لايشير اليه احد.

اليوم نعلم بأن السماء ( السقف حسب تصورات عصر محمد) ما هى إلا إعادة إنعكاس أشعة الشمس الساقطة على مياه المحيطات و البحار من خلال طبقات الهواء فيبدو الاتموسفير مثل سقف أزرق.

و الأرض بعد ذلك كروية (بيضوية) بينما يذكر القرآن بأنها مسطحة، مستوية و ممددة كالفراش، والآيات فيها جاءت بعدة صيغ و كلها تعنى البسط و المد، مثل:
- (و الأرض و ما طحاها )-سورة الشمس-الآية 6
- (و الى الأرض كيف سطحت )-سورة الغاشية-الآية 20 
- (و الأرض بعد ذلك دحاها)-سورة النازعات-الآية 30

و قد تفنن الدجالون فى تفسير كلمة (دحاها) و قالوا بأنها تعنى بيضة النعامة، و بما ان القرآن يذكر بأن الله قد دحا الأرض، إذن هذا يعنى أن الأرض بيضوية و ليس كروية مثلما زعم الكفار، مستغلين فى ذلك بساطة تفكير المسلم العادى الخامل الفكر الذى يعتمد فى حياته الروحية على فتاوى و تعاليم الكهنة المشعوذين، و قالوا أن تكنولوجيا و علوم الغرب لم تكتشف بيضوية الأرض إلا مؤخرا و ذلك بعد قرون طويلة من الإعتقاد بأنها كروية الشكل، بينما هذه الحقيقة العلمية قد ذكرت فى القرآن قبل ذلك بأربعة عشر قرون!
و هكذا نجحوا في نشر هذه الكذبة بين عامة المسلمين كالنار فى الهشيم و بالخصوص بين المسلمين غير الناطقين بالعربية، الذين تعلموا القرآن عن نسخة مترجمة او ترجمة التفاسير كما يدعوا، فتجد هؤلاء يجادلونك بغير علم و فهم بعد ترجمة تلك المزاعم الى لغتهم الأصلية او الى اللغة الإنكليزية التى يتقنونها.
و يجادلونك فيها و كأنها حقيقة ربانية لا سبيل الى دحضها دون ان يدركوا طبعا المعنى الحقيقى لكلمة (دحا) لكونهم لا يعرفون العربية كى يبحثوا فى القواميس العربية عن معناها، أو يرجعوا الى التفاسير(كالطبرى و القرطبى و إبن كثير) و يقرؤوا فيها عن المعنى الحقيقى للآية (و الأرض دحاها) و على لسان النبى محمد او أصحابه مثل إبن عباس، و أبو ذر، و قتادة..الخ.  و نجد فى تفسير الطبرى المعنى التالى للآية:
( عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الأَرْض , وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا , وَلَمْ يَدْحُهَا , ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات , ثُمَّ دَحَا اْلأرض بَعْد ذَلِكَ , فَأَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا.. لأَنَّ الدَّحْو إِنَّمَا هُوَ الْبَسْط فِي كَلام الْعَرَب). و يستطرد الطبرى ليلقى لنا المزيد من الضوء على معنى كلمة (دحاها):  ( عَنْ قَتَادَة { وَالأَرْض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا } : أَيْ بَسَطَهَا . 28130 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف , قَالَ : ثَنَا رَوَّاد , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ السُّدِّيّ ( دَحَاهَا ) قَالَ : بَسَطَهَا . 28131 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان : دَحَاهَا : بَسَطَهَا).

هكذا فهم ابناء اللغة العربية الاصليين لمعنى كلمة دحاها، فهل نجادلهم بها، ان نضطر الى الالتفاف على معناها الاصلي لتركيب مانريده منها وتصحيح النص، خالقين بذلك الاعجاز " لاحقا" وليس سابقا، وهو امر بذاته يطعن في الاعجاز؟
فهل بعد كل هذه الأدلة الدامغة ما زال اصحاب ماكنة تزيف و تحريف معانى القرآن مصرين على ان الآية تشير الى بيضوية الأرض؟   ألم يحن لهم الأوان بعد إنفضاح هذه الكذبة الساذجة ان يقدموا الإعتذار لضحاياهم من البسطاء؟ أم أن ضحاياهم بالأحرى يستمتعون بهذا النوع من الدجل و الشعوذة، و لا يريدون ان يعرفوا الحقيقة المرة؟