نقد الاعجاز العلمي
 
 


 الاخوة بالرضاعة هل لها تبرير؟



أشكر جميع القراء الذين علقوا على مقالي الأخير عن الأسئلة التي لم يتطرق لها المسلمون، وقد رددت على أغلب تلك العتليقات ما عدا ثلاثة أو أربعة تعليقات سوف أرد عليها في هذا المقال، بعضها بالتفصيل لأنها كما يبدو قد خلقت بعض التشويش على بعض القراء. ولكني سوف أبدأ أولاً بقارئين طلبا مني كتابة مقالات إضافية لتوضيح موضوع الرضاع والحليب.
أبدأ بالقارئة العزيزة فينوس صفوري وهي تقول (انتم ياسادة ياشيوخ وكهنة الأمة المنكوبة تضحكون على انفسكم وعلينا وعلى كل الناس وجعلتم من بدوي مختل عقلياً يدمر هذي الامةويرجعها ألى عصور الظلام. أستاذ كامل أرجو منك سيدي الكريم أن تُخصص موضوع خاص عن مايُسمى الأعجاز العلمي في القرءان) انتهى. وبعد شكري للسيدة فينوس أقول لها إني قد كتبت من عدة سنوات فصلاً كاملاً عن الأخطاء العلمية في القرآن، في كتابي "قراءة نقدية للإسلام". وهذا الفصل يُثبت أن كل شيء يمت للعلم بصلة وتحدث عنه القرآن، كان حديث القرآن خاطئاً، فليس هناك إعجاز علمي أو لغوي في القرآن، وإنما الإعجاز يعشعش في عقول خاوية يلفها ظلام القرون الحجرية، ويشرف عليها ويبرمجها انتهازيون يلهثون خلف البترودولار السعودي، من أمثال الشيخ الزنداني وزغلول النجار.
السيد خالد حسن يقول (اتمنى يا دكتور ان تكتب مقالة تبين ان تحريم الاخوة من الرضاعة ليس له اي سبب علمي ..حيث بعض المسلمين يظنون ان هناك بعض الخلايا الجذعية موجودة في حليب المرضعة ينتقل للرضيع ... و شكرا) انتهى. وبعد شكري للسيد خالد أقول له بأني بصدد تفنيد هذه المزاعم في هذا المقال المفصل. كما أشكر السيد خالد على ردوده على السيد "مسلم" الذي حاول جاهداً جعل حليب سهلة بنت سهيل يسيل من ثديها عدة سنوات حتى ترضع سالماً
أما السيد العربي الجزائري فيقول (لقد تعلمت منك الكثير و الكثير و أطلب منك رأيك فيما قال الأخ مسلم في تعاليقه رقم 112 و 113 و 114) انتهى. وبعد شكري للسيد العربي الجزائري أؤكد له أني سوف أرد على التعقيبين بالتفصيل، والتعقيب رغم 114 هو نفس التعقيب رقم 113 مكرر، ربما لأنه أعجب أحد المشرفين بموقع الحوار المتمدن.
والآن ننتقل إلى تعقيبات السيد "مسلم" الذي أظن أن اسمه محمد نصار، والذي كتب في تعليقه الأول، وتحت عنوان "كلام خاطيء"، يقول الآتي (بخصوص رضاع الكبير فسهيلة لم تكن عاقر بل انجبت ولد اسمه محمد وهو ابن أبي حذيفة زوجها. أما عن ادرار اللبن فيحدث لبعض النساء ولا تكون حامل او مرضع وخاصة ان سهيلة سبق لها الرضاعة من قبل فمحمد ابنها ولد غالبا قبل الهجرة بعام وحرم التبني عام 4 هجرية يعني الفرق بين ولادتها وارضاع سالم 4 سنوات تقريبا منها على الأقل سنتين ارضاع محمد ابنها ولا يوجد ما يمنع انها كانت ترضع بعد فصال ابنها محمد كعادة العرب قديما
-عن الواقدي عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن أبيه قال: كانت تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام فكان بعد يدخل عليها وهي حاسر رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهلة.-
وهذه ترجمة محمد بن ابي حذيفة
http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=16891) انتهى.
وبما أن هذا الرد المغتضب يحتوي على عدة جُمل مغلوطة، فسوف أرد علي كل جملة بالتفصيل.
(سهلة لم تكن عاقراً بل أنجبت ولد اسمه محمد وهو ابن أبي حذيفة زوجها).
هناك كلمات في اللغة العامية متفق على معانيها، ولكن هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة أن التعريف في اللغة العامية هو نفس التعريف في اللغة الفصحى. كلمة عاقر مشتقة من عقر أي قطع عرقوب الشاة أو البعير بحيث يظل البعير في مكانه لا يبرحه. فكلمة عاقر تعني في العامية المرأة التي لا تلد، ولا يحدد التعريف عمرها. فقد تلد المرأة طفلاً وهي صغيرة في سن السادسة عشرة مثلاً، ثم يصيبها العقر فلا تلد بعد ذلك، أي تبرح في مكانها بلا ولادة إلى أن تموت. فرغم أنها ولدت طفلاً وهي صغيرة، فهي عاقر في عقدها الثالث أو الرابع. بينما المرأة التي لم تلد إطلاقاً وبلغت من العمر عتياً ولا يمكن لها أن تلد، تُسمى "عقيمة" مثل الآلات الجراحية التي نعقمها ونقتل كل المكروبات بها، يكون الزمن قد عقّم تلك المرأة الكبيرة وأخلى رحمها من احتمال الولادة. وفي الحالة الأولى يسمي الإنكليز المرأة التي ولدت مولوداً واحداً ثم توقف الحمل عندها Infertile أي غير خصبة، أي عاقراً أي بوراً، كالحقل الذي يُترك بغير زراعة لعدة سنوات ثم ربما يُزرع مرة أخرى وينتج محصولا. بينما المرأة التي كبرت ولم تلد إطلاقاً تُسمى عقيمة كما يقول القرآن (لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أويزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما) (سورة الشورى، 49-50). فالعقيمة لم ولن تلد إطلاقاً، بينما العاقر يمكن أن تكون قد ولدت طفلاً في صغرها. فسهيلة بنت سهل، كما يخبرنا التاريخ الإسلامي، ولدت محمداً في الحبشة ثم تبنت سالماً في المدينة، ولم يذكر التاريخ الإسلامي أنها ولدت غير سالم. فهي إذاً infertile أو عاقر.
ثم يستمر "مسلم" فيقول (أما عن ادرار اللبن فيحدث لبعض النساء ولا تكون حامل او مرضع) انتهى. هذا لا يحدث إطلاقاً يا سيد "مسلم" إلا إذا كانت المرأة تعاني من ورم في الغدة النخامية، يسمى prolactinoma. وهذه حالة شاذة لا يقاس بها. ولا يسعني هنا إلا أن أقول لك، كما قال الشاعر:
يا باري القوس برياً ليس يحسنه **** لا تفسد القوسَ إعط القوسَ باريها
ثم يقول السيد "مسلم" (وخاصة ان سهيلة سبق لها الرضاعة من قبل فمحمد ابنها ولد غالبا قبل الهجرة بعام وحرم التبني عام 4 هجرية يعني الفرق بين ولادتها وارضاع سالم 4 سنوات تقريبا منها على الأقل سنتين ارضاع محمد ابنها ولا يوجد ما يمنع انها كانت ترضع بعد فصال ابنها محمد كعادة العرب قديما) انتهى
كلام هلامي الغرض منه الالتفاف حول خطأ تاريخي. ومع أن التاريخ الإسلامي لا يُعتد به لأنه كُتب بعد حوالي مائتي سنة من التاريخ المزعوم لوفاة محمد، إلا أننا لا بد لنا هنا أن نستعين به لنرد على الكاتب. سهلة بنت سهيل هاجرت إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهي تمت حوالي العام 614-615م، ومحمد لم يهاجر إلى يثرب إلا عام 622م. ومحمد ولد في الحبشة كما يقول أسد الغابة في تعريف الصحابة، حرف الميم (ولد بأرض الحبشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه سهلة بنت سهيل بن عمرو العامرية. وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان. ولما قتل أبوه أبو حذيفة، أخذ عثمان بن عفان محمداً إليه فكفله إلى أن كبر ثم سار إلى مصر فصار من أشد الناس تأليباً على عثمان). ورجع أبو حذيفة من الحبشة بعد هجرة محمد إلى يثرب واشترك مع محمد في موقعة بدر عام 2 هجري. وبما أن بدر كانت حوالي سنة 624م وهجرة الحبشة كانت عام 614 أو 615، وبما أن محمد بن أبي حذيفة ولد في الحبشة، فلا بد أن عمره كان بين 2 و 10 سنوات. وبما أن التاريخ الإسلامي لم يهتم بكتابة تاريخ الأشياء ولم يخبرنا متى ولد محمد في الحبشة، يصبح التخمين هو الملجأ الوحيد لنا. ولا بد أن سهلة بنت سهيل تبنت سالم بعد رجوعها إلى المدينة، وكبر عندها ولم ترضعه وابنها صغير، وإلا لقالت لمحمد قد أرضعته صغيراً. وبما أن التبني حُرم بعد موقعة الأحزاب في العام الخامس الهجري، فلا بد أن سهلة ذهبت لتستفتي محمداً ربما في العام السادس أو السابع أو حتى الثامن الهجرى لأن سالماً كان قد كبر وقتها. ولما كان ابنها محمد قد ولد بالحبشة، ولا يخبرنا التاريخ الإسلامي أنها ولدت بعد محمد طفلاً، فيجوز لنا أن نفترض أنها لم تكن مرضعاً وقتها لأن ابنها قد تعدي مرحلة الرضاعة. ولا يُحتمل أنها كانت مرضعة لأطفال آخرين لأن الرضاعة كانت تقوم بها نساء البادية بهدف تعليم الصبيان أخلاق ولغة البادية، وسهلة كانت تعيش في يثرب. فإذاً لا مناص من أنها كانت غير ذات حليب وقت رضاعة سالم.
ثم ينتقل بنا السيد "مسلم" إلى الرضاعة نفسها وكيفيتها، فيقول (ولان الرضاعة تحرم ما يحرمه النسب فإن الشيوخ قالوا بحرمة بنوك اللبن. وليس مجرد رضعة أو مصة تحرم بل لابد من 5 الرضعات كاملات مشبعات متفرقات أي في أوقات متفرقة) انتهى.
وهذا دأب الإسلاميين: التوكيد على رأي واحد وكأنه هو الرأي الأوحد ولا غيره يهم المسلمين. فهو هنا يقول ليس مجرد رضعة أو مصة تحرّم الرجل على المرأة، بينما نجد أساطين الفقه الإسلامي من أمثال مالك بن أنس يقولون ({ كتاب الرضاع } { ما جاء في حرمة الرضاعة } [ قلت ] لعبد الرحمن بن القاسم أتحرم المصة والمصتان في قول مالك (قال) نعم) (المدونة للإمام مالك، ص 405). و(عن مسلمة بن على عن رجال عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أم الفضل بنت الحارث قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحرم من الرضاعة قال المصة والمصتان) (نفس المصدر). وعن الإمام مالك كذلك (عن ثور بن زيد الدؤلى عن عبد الله بن عباس أنه سئل كم يحرم من الرضاعة فقال إذا كان في الحولين مصة واحدة تحرم وما كان بعد الحولين من الرضاعة لا يحرم) (نفس المصدر، ص 406). فالذي يتحدث عن الإسلام لا يجوز له أن يجزم على شيء حتى إن كان شيخاً ملتحياً لأن الإسلام وقرآنه ما هو إلا سيوبرماركت تختار منه ما يحلو لك.
ثم ينتقل بنا السيد "مسلم" إلى مقال في صحيفة الإندبندنت الإنكليزية يتحدث فيه عالم استرالي باسم Mark Cregan عن وجود خلايا جزعية في حليب المرأة المرضعة.وكعادة الإسلاميين، لم يكن النقل من المقال نزيهاً وتجاهل السيد "مسلم" آراء بقية العلماء الذين ذكرهم المقال. أولاً: هناك عدة حقائق يجب أن نعرفها عن المقالات العلمية.
1- هناك باحثون يعملون في شركات تصنيع الأدوية أو تدفع لهم تلك الشركات أموالاً طائلة ليكتبوا بحوثأ عن أدوية معينة، يظهر فيما بعد أنها بحوث غير نزيهة ويُعرض أصحابها على المجالس الطبية في البلاد الغربية لتحاسبهم. وهناك عدة مئات من العلماء يخضعون لمثل هذه المجالس التأديبية كل عام في أوربا وأمريكا
2- هناك باحثون يعملون في جمعيات الضغط السياسي Pressure Groups هدفهم الوصول إلى شياسة معينة عن طريق إجبار الحكومة بواسطة أبحاث غير نزيهة
3- كل الترقيات في الجامعات الآن تخضع إلى عدد الأوراق العلمية المنشورة بواسطة الكاتب، ولهذا يضطر عدد كبير من مدرسي الجامعات إلى تأليف أبحاث لا ترقى إلى مستوى البحث العلمي
ولهذه الأسباب فإن أبحاثاً كثيرة تختفي بعد نشرها بمدة بسيطة إذا لم يستطع عدد آخر من الباحثين تكرار التجربة والخروج بنفس النتيجة. وإذا علمنا أن العالم الاسترالي يعمل في مؤسسة تجارية سويسرية تهتم بإنتاج الوسائل أو المعدات التي تساعد الطفل، عرفنا أنه يجب علينا الحذر قبل أن نتحمس مثل هذا البحث، خاصة أن الخلايا الجذعية قد وجدت من قبل في لبن الأبقار.
والخلايا الجذعية تتواجد في عدة أعضاء في الجسم، منها نخاع العظام والكبد وحبل السرة، والثدي. وإذا كانت الخلايا توجد بالثدي فلا بد أن بعض تلك الخلايا ينزل من الغدد مع الحليب. ولكن مثل هذه الخلايا التي يرضعها الرضيع لا أثر لها عليه لأن حامض المعدة، ومن بعده إفرازات النكرياس تهضمها كما تهضم البروتينات في الحليب وتحولها إلى أمينو أسد، ثم تنتقل من الإمعاء إلى الكبد عن طريق الحبل الوريدي
Portal Vein فتهضمها الكبد بواسطة الإنزايمات وتحولها إلى سكر. وقد أبدى العلماء البريطانيون تحفظهم حيال البحث الذي هلل له السيد "مسلم" ، فقالوا في نفس المقال في الإندبندنت:
British scientists gave a cautious welcome to Dr Cregan s discovery, warning that just because stem cells exist in breast milk did not mean that they could be used to develop a therapy – the ultimate goal of stem cell research. Chris Mason, professor of regenerative medicine at University College London, said: "It may give us some insight into specific breast diseases and is potentially valuable when it comes to drug discovery and drug development but it is fanciful to think it could provide routine therapies."
فأمل العلماء الوحيد مستقبلاً هو جمع هذه الخلايا الجذعية من لبن المرأة أو لبن البقرة أو غيرها، وزراعتها في المختبر لإنتاج أدوية معينة تفيد في علاج بعض الأمراض الوراثية. أما إذا شرب الطفل هذه الخلايا مع الحليب، فسوف تتحول إلى جلكوز مع بقية الطعام، ولن تؤثر على نمو الطفل أو جيناته. وليس هناك أي سبب علمي لجعل الحليب يحرّم الزواج بين رجل وامرأة.
ثم يتحفنا السيد مسلم بهذه الحكمة (والعلم من طبيعته النسبية والتراكمية وبحوره واسعة وكل يوم يحدث اكتشاف جديد فالعلم لا يعرف الحقائق النهائية الثابتة في كل مكان وزمان وقد يأتي اليوم الذي يثبت أن هذه الرضعات تؤثر في الجينات الوراثية كما يؤثر النسب فمن كان يتخيل ان هناك ميكانيكا بخلاف ميكانيكا نيوتن ومن كان يتخيل ان هناك هندسة لااقليدية وحتى يأتي ذلك اليوم ولعله قريب يبقى الايمان المجمل الذي تم التوصل اليه بالعقل وأثبته العلم هو الاصل.) انتهى
فإذا كان العلم لا يعرف الجمود والتقوقع لماذا تصرون على الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وكلاهما جامد جمود الصخور ولا يتزعزع عن القرن السابع الميلادي؟