نقد الاعجاز العلمي
 
 


 اعجاز  عرق يوسف، يطعن في المصدر


إعجاز قد يطعن في المصدر


أنا شخصيا مصاب بجفاف مزمن ودائم في العينين .. البعض نصحني بالتقليل من القراءة والكتابة، والبعض الآخر بمحاولة الرمش بشكل أسرع، في حين لايصدقني الأطباء حين أخبرهم بمعاناتي من جفافها حتى أثناء نومي وإغلاق جفنيَ.. وفي النهاية لم يبق أمامي غير حمل قطرة في جيبي أرطب بها عيني في غفلة من الناس.. وبمرور الأيام أصبحت خبيرا بأنواع القطرات ومراهم ماقبل النوم وأعرف ماهو الجديد منها من خلال دردشتي مع "الصيادلة" .. ورغم شكي الكبير فيما يسمى "القطرة القرآنية" إلا أنني كنت على استعداد لتجربتها لو ظهرت فعلا وأثبت أصحابها صحة موقفهم بتصنيعها وتوزيعها في الصيدليات !!

... وأول مرة اقرأ فيها عن (القطرة القرآنية) كانت في العدد الاول من مجلة الإعجاز القرآني (التي مازالت بحوزتي وصدرت في صفر1416 من رابطة العالم الاسلامي) .. وأول موضوع شدني فيها هو ادعاء اكتشاف مادة كيميائية في عرق الانسان تعالج "المياه البيضاء". وصاحب الاكتشاف هو الدكتور عبدالباسط محمد سيد الذي بدأ بحثه من قصة يوسف حين قال لأخوته {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فأرتد بصيرا.. فمن خلال هاتين الآيتين اكتشف الدكتور عبد الباسط مادة في عرق الانسان تدعى "جواندين" تزيل المياه البيضاء وتعيد الانسان بصيرا. وقد حضّر هذه المادة في قطرة خاصة (دعاها القطرة القرآنية) وأخذ عليها براءة اختراع من أمريكا حسب قوله!!

.. وفي الوهلة الأولى تحمست لهذا الموضوع وفكرت بالكتابة عنه . إلا أن حماسي خف شيئا فشيئا وتولدت لدي بعض الشكوك والأسئلة الحائرة . ثم بالصدفة وجدت نفس الموضوع في المجلة العربية (في عدد رمضان 1416) وهذه المرة قرأته بعين الناقد (لا المتحمس) فتوصلت إلى قناعة بأن الموضوع برمته احتيال علمي (بدليل أنها لم تظهر أو تسوق خارج هاتين المجلتين)..

فلو كان في العرق مادة تزيل "المياه البيضاء" لاكتفى كل إنسان بعرقه الخاص، ولما ظهر هذا المرض أصلا لأن عرق الانسان كثيرا مايدخل عينيه في يوم قائض!!

ثانيا : كيف نصدق أن قميص يوسف ظل مبللا بالعرق (ولم يجف) رغم أن العير سافرت به طويلا من مصر الى فلسطين في صحراء جافة حارقة!!

ثالثا : عودة يعقوب بصيرا معجزة ربانية ليس للعرق دخل فيها (وإلا سيخرج علينا بعد فترة من يدعي أن في عرق إبراهيم مادة مضادة للحريق جعلت النار حوله تصبح بردا وسلاما)!!

رابعا : ومن قال أصلا أن يعقوب كان مصابا ب"المياه البيضاء"؟! .. الدكتور عبد الباسط استنتج ذلك من قوله تعالى {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) في حين أن ابيضاض العين تعبير قديم استعملته العرب للإشارة للعمى!!

خامسا : وحتى لو أصرينا على وجود تفسير مادي لما حدث ؛ فسنجد أن الأقرب الى حالة يعقوب هو "العمى العصبي" الذي يأتي فجأة بعد كارثة شخصية وقد ينتهي فجأة بعد خبر سعيد (والخبر السعيد هنا هو رائحة يوسف التي أكدت لوالده بقاءه حيا) أما المياه البيضاء فحالة تتراكم خلال أعوام طويلة ولا تحدث (فجأة) بسبب الحزن!!

وأخيرا : بقيت مشكلة براءة الاختراع؟ .. ولكن من الملاحظ أنه لايوجد في كلا المجلتين أي إشارة تؤكد صدور هذه البراءة (كرقم أو تاريخ أو مكان إصدار) الأمر الذي صعب علي مهمة البحث عنها في الإرشيف الإلكتروني لمكتب البراءات في واشنطن (Patent office) حيث لم أجد شيئا بهذا الخصوص!!

(ويبدو ان سبب الامتناع عن الانتاج والحصول على براءة يشابه اعلان الشيخ عبد المجيد الزنداندي، مؤسس جامعة الايمان ومؤسس الهيئة العالمية للاعجاز العلمي، عن إكتشافه لعلاج مرض الايدز والذي لم يرى النور ابدا لان الزيداني قلق من سرقة اختراعه حتى ولو سجل براءة اختراعه، حيث يبرر الامر انه علم ان تسجيل البراءة تستدعي تقديم تفاصيل المحتويات وهذا مالايريده ويبغي ان يبقى سره الخاص، على الرغم من انه يقول ان فكرة الدواء من القرآن نفسه، فهو يفضل موت الناس على كشف السر الذي اعلنه الله في قرآنه، والذي لو وضحه للعالمين لكان سببا لمزيد من الاحترام للقرآن، ولكنه فضل ان لايفعل)

.. وهذه (القطرة القرآنية) مجرد نموذج لادعاءات كثيرة نبهتني شخصيا إلى عدم الخوض في ادعاءات إعجازية من هذا النوع .. فهذه القطرة مثلا تبدو نموذجا رائعا للاعجاز القرآني وأجيزت من قبل هيئة الاعجاز في الرابطة وتم الحديث عنها في مجلتين رصينتين. ولكن الحقيقة هي أن القرآن ليس كتاب طب أو فيزياء وعلوم (ومن الإهانة النظر إليه كذلك) .. فالعلوم البشرية في حالة حركة وتبدل دائمين وعلماؤها في حالة تضاد وخلاف لا تنتهي، في حين يتضمن القرآن مبادئ وتوجيهات وأخلاق مطلقة لا يغيرها الواقع أو توالي القرون .. وبالتالي؛ تصبح محاولة الاستعانة به لتأكيد آرائنا الشخصية نوعا من التحجيم والاحتكار والتدليس (والأكثر خطورة) فتح الباب للآخرين لتكذيبه والطعن فيه...