نقد الاعجاز العلمي
 
 


 التدليس اللغوي عند العرب


جواد البشيتي
2011 / 9 / 12

 

بقليلٍ من الجهد الذهني، يُمْكِنكَ العثور على "المعنى الذي تريد"، أو تُحبِّذ، في أيِّ قولٍ، أو نصٍّ، مع أنَّ "النصَّ"، في معناه، هو الكلام الذي لا يَحْتَمِل إلاَّ معنىً واحداً، أو لا يَحْتَمِل "التأويل"؛ فلا اجتهاد مع النصِّ.

"العبارة"، أو "الجُمْلَة"، ومهما استبهم معناها، واستغلق وأشْكل، على الناس، ولو كانوا من ذوي الألباب، يظلُّ لها سلطان على الفهم والتفسير، فتَعْصِمنا عن مجاوزة الحدِّ، صعوداً أو نزولاً، وتَحُول بيننا وبين أنْ نفهمها ونُفسِّرها كما تسمح لنا "الليبرالية الفنِّية" بفهم وتفسير "الخطوط" و"الألوان" في لوحات بيكاسو، مثلاً، أي بما يوافِق، أو يرضي، الإحساس والشعور.

لقد شقَّ علينا "الاختراع" و"الاكتشاف"، في دنيا العِلْم، فولَّيْنا عقولنا شطر "النصوص" و"الأقوال"، نتوفَّر على اكتشاف واختراع معانٍ جديدة لها، تَجُبُّ ما قبلها، فلم نَعْرِف من المشتغلين بـ "الكلامية"، "مكتشِفاً"، أو "مخترِعاً"، يقول بتكامُل وتصالُح واجتماع المعاني (قديمها وحديثها) فالمعنى الجديد، "المُكْتَشَف"، أو "المُخْتَرَع"، يجب أن يكون "نفياً خالصاً" لكل معنى قديم، ولو ما زال يؤثِّر تأثيراً قوياً في عقول وسلوك الناس، وكأنَّه جاء إليهم ليقول لهم إنَّ كل فهمكم القديم كان خاطئاً، لا أساس له من الصِّحة، وإنَّ عليكم، من ثمَّ، أن تأخذوا بهذا الفهم الجديد الذي جئتكم به!

أحدهم، أي أحد "المُكْتَشِفين (أو "المُخْتَرِعين") الكلاميين" الجُدُد، أراد أن يَظْهَر لنا على أنَّه حرب لا هوادة فيها على الخرافات والأوهام، ومخلِّص لعقولنا من براثنها، فتحدَّى كل مشايخ الأزهر، وغيرهم، أن يأتوا بما يدحض "اكتشافه" أنَّ "النفَّاثات في العُقَد" لا تعني "السِحْر" وإنَّما "السموم التي تنفثها الأفاعي والعقارب في العُقَد التي هي (على ما تمخَّض عنه جبله من التأويل) بيوت الناس وبساتينهم".

هذا الشيخ، "المُجدِّد"، المُصْلِح"، "المُنوِّر"، استمرأ واستطاب لعبة "التدليس اللغوي"، فتوسَّع وتعمَّق في "الاكتشاف" حتى كاد أن يُفْهِم الناس أنَّ جُلَّ فهمهم القديم لم يكن إلاَّ خرافةً ووهماً وباطلاً، فبلبل بما "اكتشف" العقول والنفوس، مع أنَّه، وعلى ما زعم، أراد أن يكون الدواء لهذا الداء، أي البلبلة.

ربَّما لا تقفون في "اكتشافه" على ما يستحق النقاش والنظر والتأمُّل؛ ولكن أليس من الأهمية بمكان أنْ نمنع أمثاله وأشباهه، وهُمْ كُثْر، من التمادي في لعبة "التدليس اللغوي"، التي لم تأتِ إلاَّ بما يضر؟!

نقول له، ولو لم يَحْتَج الأمر إلى ما يشبه الدليل أو البرهان، إنَّ "الراقي" يَنْفُث في العُقْدة"، وإنَّ "شرَّ السواحر من النساء يعقدن عقداً في خيوط، وينفثن عليها" هو وحده "المعنى الحقيقي" الواضح الجلي، والذي لا يحتاج إلى تأويل، لـ "ومِنْ شرِّ النفَّاثات في العُقَد"، فَلِمَ كلُّ هذا الاستنفاد للجهد والوقت في لعبة "التدليس اللغوي"، التي عسَّرت علينا فَهْم المعاني وتمثُّلها، ونأت عن أبصارنا وبصائرنا بما كان في متناولها؟!

"الزمان يتمطَّى بملل فوق صخرة ليِّنة.. لقد قرَّر أنْ يضاجع الريح فوق جبال الملح.. ".

يكفي أنْ نقرأ هذا المقطع مِنْ "قصيدة" حتى نشعر أنْ لا مناص لنا من الإجابة عن السؤال اللغوي الآتي: "هل لكلِّ عبارة معنى؟".

قَرَأْتُ أنَّ شخصاً أراد أنْ يَسْخَر من شُعراء "الشِعر الحديث"، أو من بعضهم، فأرسل "قصيدة"، منها المقطع المذكور، إلى مجلة أدبية "رصينة"، ظانَّاً أنَّ المجلة لن تكترث لها؛ لكنَّه فوجئ، أوَّلاً، بنشرها، ثمَّ فوجئ بالإعجاب والاستحسان اللذين حظيت بهما، فالنقَّاد الأدبيون تسابقوا في اكتشاف ما انطوت عليه "القصيدة" من معانٍ فلسفية وفكرية عميقة!

صاحبنا لم يكن يتوقَّع أنْ يلقى الغثاء اللغوي الذي أرسله كل هذا الاهتمام والاستحسان والإعجاب؛ ولكن يبدو أنَّ شيوع "التعقيد اللغوي"، أي تأليف الكلام على وجه يعسر فهمه، قد جعل لكل كلام مستغلَق، غير مفهوم، سلطانا على الناس، فيقومون، عَبْرَ "إعطاء الكلام دلالة مُعَيَّنَة"، أي عَبْرَ "التأويل"، باكتشاف معانٍ في النص لا وجود لها البتَّة في العلاقة بين "الدَّال"، أي الكلمة أو اللفظ، و"المدلول"، أي المعنى.

في هذه الطريقة في تأليف الكلام، نزاول ضرباً من ضروب الغش أو التدليس اللغوي، فنُسْقِط على "النص" معنىً لا وجود له البتَّة، ولا يمكن أنْ يكون موجوداً، في "ذات النص"، وكأنَّ الكاتب من هذا النمط يبحث عن "النجاح" في العبارة المستغلَقة غير المفهومة، أي في العبارة التي تَخْرِق قانون "التواضع اللغوي"، وتُقَوِّض العلاقة بين "الدَّال" و"المدلول".

ومن ضروب الغش أو التدليس اللغوي، أيضاً، أنْ تُدْخِل في الكلمة "معنىً غريبا"، أي معنىً يقوِّض العلاقة المتواضَع عليها بين "الدَّال" و"المدلول"، في سبيل أنْ تُسقِط على "النص" التفسير الذي تريد.

"المؤوِّلون" قرَّروا أنْ يُفْهَم "التأويل" على أنَّه "التفسير" المتأتي من اجتياز المعنى الواضح للكلمة، أو للكلام، إلى المعنى الذي يريده، ويحتاج إليه، "المؤوِّل".

"الكلمة" هي "الدَّال"، أمَّا "معنى" الكلمة فهو "المدلول". وإنَّ لكل دالٍ مدلوله، الذي إمَّا أنْ يكون حقيقياً، وإمَّا أنْ يكون مجازياً، فلنتحرَّ المعنى الحقيقي، ولنستوفِ شروط استعمال الكلمة في معناها المجازي، فبهذه الطريقة فحسب تكون الكتابة "أرقى أشكال التفكير"، وتستقيم العلاقة بين "النص" و"التفسير"، بين "الكلمة" و"المعنى".

حتى في "العالم السياسي" ننغمس في لعبة "التدليس اللغوي"، فنأتي بقولٍ لزعيمٍ، لا أثر فيه لعظَمَة الفكر، فنَمْخُر فيه كالسفينة تمخر في عباب البحر، لنكتشف، أو لنكشف للرعية، ما حواه من "عَظَمَة فكرية"، وكأنَّه الإلياذة لهوميروس (الذي يُشكُّ في وجوده)!

ألا يكفي "الأمَّة" أنَّها أضاعت مئات السنين من عمرها وهي تُنْشئ وتطوِّر "صناعة الكلام" ليَكْثُر فينا، ويتكاثر، ونحن في مستهل الألفية الثالثة، أولئك الذين لا عمل يؤدُّون، ولا غاية ينشدون، سوى إنتاج مزيدٍ من "البضائع الكلامية الفاسدة المغشوشة"، وكأنْ ليس من استعمال لـ "المجاهر الإلكترونية" عندنا إلاَّ استعمالها في رؤية ما دَقَّ وخفي من "معانٍ عظيمة" في أقوالٍ لأناسٍ تَعْظُم في عيونهم الصغائر، ولا تَصْغُر في عيونهم العظائم؟!

"إدِّعاء العَظَمَة" في كل شيء إنَّما هو مرض شرقي مُزْمِن، فقلَّما عرفنا نحن الشرقيين حاكِماً لا يَظْهَر لنا على أنَّه بدر البدور، لم تَلِد مثله النساء بعد، له أُفْق يسع كل شيء ولا يسعه شيء، يُحدِّثكَ حديث العالِم؛ ولكن في كل ما يصلح دليلاً على جهله.

بعضهم قد تعوزه القدرة على أن يُعظِّم نفسه بنفسه، فيُخْتَرَع من هذه "الحاجة" جمهور من "العلماء"، الذين يتوفَّرون على اكتشاف كل أوجه "العَظَمة الفكرية" في كل قول يقول، أو ينتحل، مؤلِّفين "اللجان"، وعاقدين "المؤتمرات"، لابتناء ما يشبه "الفكر الجديد" من حجارة أقواله!

هؤلاء هم الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويخترعون "المعاني العظيمة" لكلام "العظماء"، وكأنَّ التدليس اللغوي هو كل متاعهم الفكري.. وكأنَّ تعليم الناس حُسْن الفهم والتفسير ليس في منزلة الرهص الحضاري!