نقد الاعجاز العلمي
 
 


 هل يمكن الشهادة بالاعجاز؟


ديفيد هيوم رائع جداً، رائع في تحليله للمعجزات، المناقشة التي وضعها تدل على عبقرية كبيرة، لانه اكتشف شيئاً قبل اوانه، قبل ان يكون عندنا رياضيات يمكن ان نستخدمها لدراسة صدق الاخبار بحصول الخوارق. فقبل ان نبدأ باثبات كلام هيوم رياضياً، دعنا ننظر الى ما قاله هيوم بخصوص المعجزات:

"...لاتوجد شهادة كافية لاثبات حصول معجزة، الا اذا كانت الشهادة من النوع الذي يكون كذبه اكبر اعجازاً من الحقيقة التي تسعى الى اثباتها."

سنأتي الى ما يقصد هيوم لاحقاً، دعنا في البداية نثبت هذه الجملة رياضياً (1):

لنفرض ان M تمثل حصول معجزة حصلت في زمان ومكان معينين ولكن ذاك هو: L
ولنفرض ان K تمثل معرفتنا بان هناك شاهد مثل W كان موجوداً عند L وقام بالاخبار (او الشهادة) بحصول M في L.
ولنفرض ان T تمثل الشهادة التي قدمها الشاهد W بحصول M في L.

باستخدام هذه الترميزات يمكننا ان نكتب الاحتمالات التالية:

P(M)..o تمثل الاحتمال اللامشروط بحصول معجزة مثل M
P(M|T)..o تمثل الاحتمال المشروط بحصول المعجزة M نظراً لوصول الشهادة T الينا.
P(T|M)..o تمثل الاحتمال المشروط بان تقدم شهادة T في حال حصول معجزة مثل M.
P(T|~M)..o تمثل الاحتمال المشروط بحصول شهادة زور، اي ان المعجزة لم تحصل ومع هذا توفرت شهادة بحصولها.

الان، بحسب مبرهنة بيز:

صورة مرسلة

والتي نستطيع ان نفتح المقام فيها بالصورة التالية:

صورة مرسلة

الان سنضع فرضيات من صالح المؤمنين بحصول المعجزات حتى لانظلمهم.

فلنفرض اولاً ان الشاهد الذي يشهد بالمعجزة ثقة جداً بل في الحقيقة ثقة 100% وكل ما ينطق به صحيح 100% (هل هناك اكثر من هكذا فرض في صالح المؤمن بالمعجزة؟). هذا يعني ان:

P(T|M)=1

ايضا بما ان المعجزة هي شيء نادر الحصول جداً جداً فان:

P(M)<<1
P(T|~M)<<1
P(~M)=1

ومن ثم نستطيع اعادة المعادلة اعلاه كالتالي:

صورة مرسلة

سنعتبر ان المعجزة تثبت اذا كان:

P(M|T) > 0.5

وباعادة ترتيب الحدود، ينتج عندنا:

صورة مرسلة

وهو المطلوب اثباته 

ماذا يعني كلام هيوم؟

1- احتمال ان يقوم شاهد بالاخبار الكاذب بحصول معجزة (من بين كل احتمالات تفسير حدث ما) هي دائماً اكبر من احتمال حصول المعجزة نفسها. بكلام اخر ان احتمال ان يكون الشاهد قد كذب او اخطأ في شهادته بحصول معجزة هو اكبر من احتمال حصول المعجزة نفسها. وبالتالي فانه من المنطقي اكثر (من وجهة نظر احتمالية) ان تقول ان الشهادة كاذبة من ان تقول لقد حصلت المعجزة لان احتمال كذب الشهادة اكبر دائما من احتمال حصول المعجزة.

2- كل الادلة والشهادات على حصول كل المعجزات عبر التاريخ اذا جمعت سوية فانها غير قادرة على الوصول الى درجة الاقناع بصدق حصول ولو معجزة واحدة.

3- كل الشهادات المتواترة من مصادر مستقلة اذا جمعت سوية فانها غير قادرة على الوصول الى درجة قبول بصدق حصول المعجزة. لكي ترى ذلك فاعتبر ان هناك n من الطرق لرواية حصول معجزة معينة، فاننا نستطيع ان نكتب:

صورة مرسلة

حينما تزداد n وتصبح ما لانهاية فان احتمال صدق المعجزة يصبح 100% ويمكن ان تكون n عدد محدود (ليس لانهائي) بحيث ينتج ان المعجزة مقبول بدرجة معينة. لكن اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المعجزة شيء نادر (لنفرض ان احتمال حصول معجزة هو واحد بالمليون) فان عدد الطرق المستقلة الواجبة للتصديق بحصول معجزة لابد ان يكون بالملايين. ولم يحصل في التاريخ ان وردتنا مثل هكذا شهادات مستقلة. اضف الى هذا هو انه لاتوجد شهادات مستقلة تماماً بحسب الفرض المقدم بالمعادلة السابقة، لان ما يسمى تواتر عند بعض اهل الاديان هو في الحقيقة اخبار او شهادة من رجل واحد بحصول التواتر. وهذا الرجل هو كاتب او مدون او راوي الحديث. وسيكون من الاكثر احتمالا ان يكون صاحبنا قد اخطأ في الخبر من ان تكون المعجزة قد حصلت.

لكن مع هذا فان هيوم يلتفت الى هذه الامر ويقول ما معناه، انه لو كانت هناك معجزة اخبر عنها بمثل هذه الكثافة فانها لن تكون حدث نادر بل ستكون حدث عادي لايستحق ان يوضع في رف المعجزات بل في رف قوانين الطبيعة.

شكراً لقراءة الموضوع 

++++++++++++++++

1 - Rodney D. Holder
Hume on Miracles: Bayesian Interpretation, Multiple Testimony, and the Existence of God
Brit J Philos Sci 1998 49: 49-65.

ديفيد هيوم كتب تحليل جيد للمعجزات وخلص منه الى الاستنتاج بانه لايمكن ان توجد هناك شهادات يثبت منها حصول معجزة. ومع ان هيوم لم يكمل افكاره بهذا الشأن الا ان التحليل الذي قدمه كشف عن نقاط مهمة لصحة النقل الروائي مما لم يهتم به الدينيون وقد تم اثباته رياضياً فيما بعد باستخدام مبرهنة بيز bayes theorem فقبل ان نبدأ الموضوع دعنا ننظر الى تحليل هيوم للمعجزات.

المعجزات لديفيد هيوم

نشر هيوم تحليله للمعجزات Of Miracles في القسم العاشر من كتابه An Enquiry concerning Human Understanding وقد ابتدأ الامر بالحديث عن حجة تنقض كل "مخارق الانبياء" ومع ان هيوم لم يوضح لنا تماما حججه بالتفصيل ولكن ما يمكن ان نفهمه من السياق هو التالي:

يعرف هيوم المعجزة (او الاعجوبة) على انها: ظاهرة تخرق قوانين الطبيعة. وقوانين الطبيعة هي تلك التي نعرفها بخبرتنا العملية والتي شهد على تكررها الاف وربما ملايين البشر. مثلاً: نحن نعرف انه ليس من المعجز ان يموت الانسان فجأة مع ان هذا الامر نادر الحصول لكوننا رأينا امثلة على تكرر هذه الظاهرة بما يكفي من المرات لاستنتاج ان هذه الظاهرة طبيعية الحصول. ولكن ان يعود شخص من الموت الى الحياة هو امر عجيب لاننا لم نسجل ولم نر ولم نختبر حصول مثل هذا الامر في اي زمن وفي اي مكان.

ويتحدث هيوم عن الطريقة العقلانية التي يتوجب على ذي العقل السليم اتباعها لاختبار فرضيتين مختلفتين لمعرفة الصادق منها من الكاذب. وهذه الطريقة هي: توزين الادلة. فالفرضية التي تكون مؤيدة بادلة اكثر تكون اكثر صحة من غيرها ويتوجب على العقلاني ان يميل نحوها. والادلة هنا تشمل عدد الشهود ومدى موثوقيتهم وما الى ذلك.

وبناءاً على هذا الاساس فان هيوم استنتج انه لايمكن ان تحصل معجزة لان المعجزة حدث وحيد ومهما كان عدد الشهود الذين يشهدون بصدق حصولها فان عدد الشهود الذين يشهدون بعدم حصولها اكبر. وحتى اذا فرضنا ان عدد الشهود الذين يشهدون بصدق حصول المعجزة قد بلغ من الكبر ومن الثقة حداً كبيراً بحيث لايمكن لنا ان نطعن بصدقهم فان هذا يجعل ما شهدو به ظاهرة طبيعية وليس معجزة لان الظاهرة الطبيعية هي ما يشهد على حصولها واختبار حدوثها عدد كبير من الناس. وهكذا فان مدعي حصول المعجزة باصراره على حصولها فان ينفي حصولها ويناقض نفسه بنفسه.

اليس هذا ذكياً؟ نعم! ولكن ما يهمني هو تلميح هيوم الى امر مهم جداً. وهو ان احتمال صدق حصول حدث لايعتمد فقط على مدى ثقة ودقة النقل ولكن يعتمد ايضا على احتمال حصول الحدث نفسه.


يعبر هيوم عن هذا بمثال (بتصرف مني): لنفرض ان شخص جاءك واخبرك بان رجلاً قد عاد من الموت بعدما تم صلبه. فانت اما ان تفكر ان هذا الرجل مخادع (او قد تعرض للخداع) او انه قد اخبر بالحقيقة. وبما ان احتمال ان يكون شخص ما مخادعاً اكبر من احتمال ان يعود شخص من الموت. فانت ستميل نحو الاحتمال الاكبر وهو ان الشخص مخادع او مخدوع.

لكن هناك عامل نسى هيوم اضافته في قضية احتمال حصول الحدث وهذا عرفناه من مبرهنة بيز. فلنطبق هذا على القرآن.


احتمال ان يكون القرآن معجز بالاعتماد على مبرهنة بيز

حسناً لا اريد ان ادخل في رياضيات معقدة ومملة بالنسبة لكم ولهذا ساعتمد على اسهل صيغة لبيز (وتجدها في ويكيبديا). وسأكتبها هكذا:

P(h|e) = P(e|h) P(h)/P(e).....1

حيث:

h تمثل كون الفرض صادق وهو في حالتنا يتمثل بان القرآن معجزة.
e تمثل صدق الادلة وهي في حالتنا العجز عن الاتيان بمثيل.

فما تقول المعادلة اعلاه هو: احتمال ان يكون القرآن معجزاً علماً انه قد تحقق عجز الناس عن الاتيان بمثله يعتمد على ثلاث عوامل:

1- oP(e|h)o  ماهو احتمال ان يعجز الناس عن الاتيان بمثيل علماً بان القرآن كان معجزاً. هذه القيمة تتراوح بين 0 و 1. والقيمة 1 تمثل يقين كلي بصدق الاحتمال. وسنفرض ان قيمة هذا الرقم هو 1 وهذا من جانب المسلمين.

2- oP(h)o ماهو احتمال ان يكون هناك كتاب معجزة؟ لاحظ ان هذا هو الاحتمال الذي وضعه هيوم. فيجب لصدق الرواية ان ننظر الى احتمال حصول الحدث ايضا وليس مجرد صدق الرواة. طيب ماهو احتمال ان يكون هناك كتاب معجزة؟ حسناً هذا يساوي 1 مقسوماً على كل الكتب التي كتبتها البشرية. انا لا اعرف كم كتاب كتبتها البشرية لحد الان ولكني وجدت ان موقع كتب جوجل قد احصى 168,178,719 كتاب في عام 2009. وكتب العالم اكبر من هذا الرقم ولهذا فان قيمة هذا الاحتمال ستكون اصغر من:
1/168,178,719= 0.000000006 (تقريبا) او 6*10-9

3- oP(e)o ماهو احتمال ان يعجز البشر عن الاتيان بكتاب مثيل، هذا الرقم هو ما نسى هيوم ان يحسبه ولسوء حظ المسلمين فان هذا الرقم قريب من واحد (فحتى يثبت ان القرآن معجزة لابد ان يكون الاتيان بكتاب مثيل ومشابه لكتاب اخر هو امر اعتيادي بحيث تكون القاعدة هي ان نستطيع ان نقلد اي كتاب ونكتب مثل اي كاتب مهما كان. وهذا حتى يكون عجزنا عن الاتيان بالقرآن هو امر عجيب ومخالف للعادة التي اعتدناها، فالعادة هي اننا نقلد كل كتاب ولكن لماذا لانستطيع مع هذا الكتاب فقط؟ لابد ان هذا الكتاب عجيب!). طبعا عجزنا عن الاتيان بكتاب مثيل سافرضه = 1 لاننا لحد الان لم نر كتاب يماثل كتاب اخر فلم يكتب احد مثل المعلقات او مثل البيان والتبيين او مثل المدينة الفاضلة او مثل كتب شكسبير او جبران ولم يكتب احد مثل الف ليلة وليلة ولا مثل الالياذة ولا مثل كليلة ودمنة.

فالنتيجة هي ان احتمال ان يكون القرآن معجز هو اقل من 0.000000006. او بكلام اخر اقل من واحد بالمليون بالمئة! نعم! هذا هو احتمال صدق دعوى محمد ورياضياً ايضاً.