نقد الاعجاز العلمي
 
 


 تاريخ الاعجاز العددي



تعود بدايات ظهور " الإعجاز الرقمي " في العصر الحديث إلى التركي بديع الزمان سعيد النورسي المنوفي 1960 للهجرة في" رسائل النور" حيث حوت رسائله إحصاءات لألفاظ قرآنية و معدّل تكرارها في الآيات , و علاقتها فيما بينها, و تحدّث عن التناسق اللفظي كدلالة اعجازية في القرآن و أشار إلى أسرار حروف القرآن الكريم . يورد النورسي في (المكتوبات 247/2) ما يلي :" بيَّن السابقون من أهل الحقيقة ما في كلمات القرآن من الوجوه العددية و العلاقات و الأواصر و الارتباطات التي تربطها مع سائر جمله و آياته و لاسيما علماء حروف القرآن, فقد أوغلوا كثيرا في هذا الموضوع و أثبتوا بدلائل: أن في كل حرف من القرآن الكريم أسرارا دقيقة تسع صحيفة كاملة من البيان و التوضيح""1"
ثم كتب عبد الرزاق نوفل المتوفى 1984 سلسلة من خمسة كتب تناول فيها موضوعة الإعجاز العددي هي على التوالي :"كتاب الله و العلم الحديث" 1956

"الإسلام دين و دنيا"1959 " عالم الجن و الملائكة" 1968" الإعجاز العددي للقرآن الكريم" 1976 " معجزة الأرقام و الترقيم في القرآن الكريم"1982

وقدّم نوفل في كتبه كذلك إحصاءات لتكرار بعض الكلمات المترادفة أو المتضادة المعنى , و استنتج أن تكرار ها يكون بشكل متساوي أو يخضع لعلاقة رياضية معينة.

و في عام 1972 مع المصري المثير للجدل رشاد خليفة نصل إلى الحلقة الثالثة من سردنا للتاريخ المعاصر للإعجاز الرقمي , فقد نشر خليفة كتابات كثيرة حول ما أسماه " معجزة القرن العشرين" حيث نشر مقالا ً في مجلة "آخر ساعة" المصرية ""2" بعنوان :في أمريكا بالعقول الالكترونية يفسّرون القرآن الكريم" , و أصدر كذلكَ كتيّبا أسماه" عليها تسعة عشر" عام 1976 و جاب البلاد العربية مبشرا "بمعجزة القرآن الجديدة", ثم أصدر خلاصة اشتغاله لسنوات في كتابه " معجزة القرآن الكريم الحسابية " 1983. و يقوم كتاب رشاد خليفة على إعجاز الرقم 19 , كرقم أساس ناظم للعلاقات الرياضية المستَنتجة عبر دراستهِ للقرآن الكريم, و يتنبأ كذلك رشاد خليفة بموعد قيام الساعة استنادا إلى حسابات رياضية, و حدّدها بعام 1710 هـ الموافق للعام الميلادي 2280 م.

لعب رشاد خليفة دورا هاما في انتشار ظاهرة الإعجاز الرقمي و تسويقها حيث أنه استخدم في تسويقها البرمجيات و الكومبيوتر و ما قد يُضْفِيه ذلك من لبوس علمي.

بعد ذلك ادّعى رشاد خليفة أنه صاحب وحي استنادا إلى معجزة الرقم 19 في القرآن الكريم ,و نشر بيان النبوة 1988 , و قضى الرجل مقتولا ً في منزله في مدينة توسان الأمريكية 1990 . لقد قد جرى اتهامه على نطاق واسع في العالم العربي و الإسلامي بالبهائية و هي عقيدة دينية غير مُعْتَرَف بها, و تُوصف بالانحراف على نطاق واسع بين المسلمين.

و يعترف بسام الجرار أحد دعاة الإعجاز الرقمي بالدور السلبي الذي لعبه رشاد خليفة على ظاهرة الإعجاز الرقمي و تقبّل المسلمين لها " كان لبحث رشاد خليفة الملفق و المسلكة في ادعاء النبوة الأثر السلبي على قضية الإعجاز العددي, و كأن الذين سرّوا للبحث و أعجبوا به , أدركوا فيما بعد أنهم خدعوا فكانت لهم ردة فعل تجاه هذه القضية" "3"

أيا كان فقد جرى الاستفادة من الإعجاز العددي في الخطاب الدعوي الإسلامي ,كقرينة إضافية "ذات طابع موضوعي قابل للتجريب و حُجَّة على غير المسلمين"

فكتب الداعية المشهور مصطفى محمود " و هو من المؤيدين للدكتور رشاد خليفة موضوعين: الأول: باسم "كهيعص" في كتابه "حوار مع صديقي الملحد "مارس 1974 ص108-13. و الثاني:باسم "الحروف و الأعداد "في كتابه "من أسرار القرآن" ابريل 1976 ص61-68 ذكر فيهما بعض ما توصل إليه رشاد خليفة""4"

إن ردّات الفعل المعارضة لظاهرة رشاد خليفة أخذت ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الإجرائي : و تناول فيه المعارضون الحسابات العددية التي عرضها رشاد خليفة بالنقد و التخطئة , فهم يعترضون على الإعجاز العددي عند رشاد خليفة, و ليس الإعجاز العددي, فكتب السوري محمد صدقي البيك كتابه "معجزة القرآن العددية" ناقدا ً

و كتب الفلسطيني بسام جرار في الرد على خليفة كتابه"عجيبة تسعة عشر بين المسلمين و ضلالات المدّعين 1990" و الذي أعيد طباعته مع تنقيحات باسم " إعجاز الرقم 19 مقدمات تنتظر النتائج"1995.و قد تضمّن كذلك كتاب عاطف صليبي "أسرع الحاسبين" نقدا لطريقة إحصاء و معادلات رشاد خليفة الرياضية و وصفها بالتلفيق.

الاتجاه العقائدي: و تناول فيه المعارضون بالنقد و التخطئة "الانحرافات العقائدية عند رشاد خليفة و " إنكاره حجيّة السنة النبوية, و ادعاءه النبوة, و تنبؤه بموعد يوم القيامة , و انتسابه – وفقا لدعاوى خصومه- لمعسكر الفتن و مؤامرات الأعداء "البهائية "..الخ"

كما في فتوى ابن باز بخصوص رشاد خليفة: " يقوم بالدعوة على أساس بعيد عن الإسلام وينكر السنة وينتقص من منزلة الرسول ص ويحرف كلام الله بما يناسب مذهبه الباطل..لذا فقد رأيت من الواجب توضيح أمره وكشف حقيقته للمسلمين لئلا يغتر أحد بكلامه أو ينخدع بآرائه، وحتى يكون الجميع على معرفة بمكانة السنة المطهرة، فلا يخفى على كل مسلم أن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع، وقد أجمع على ذلك سلف الأمة وعلماؤها""5"

و كثيرا ما نجد كلا الاتجاهين السابقين عند نفس الكاتب و ذات الكتاب, كما في كتاب العراقي علاء الدين المدرّس "أقباس من الإعجاز العلمي في القرآن و السنة"2001 الذي قام "بكشف مغالطات رشاد خليفة الحسابية" و اعتبر دعواه:

" دعاية للعقائد البهائية و التشكيك في الإسلام و رسالته و جعل القرآن لدعم المذهب البهائي المشبوه" "6"

أما الاتجاه الثالث فهو يعترض على مشروعية الإعجاز الرقمي بحد ذاته , مستندا على أسس "شرعية" و يصنّفه ضمن البِدع و مستحدثات الدين: و هذا الاتجاه غالب عند رجال الدين المحافظين كما نجد في فتاوى الشيخ القرضاوي و كذلك فتوى ابن باز حيث يرى يوسف القرضاوي في معرض إجابته عن سؤال يخصّ الإعجاز الذي جاء به رشاد خليفة :" وتوهم بعض الناس أنه جاء بوجه جديد من وجوه الإعجاز القرآني، ونوه به من نوه، وكتب من كتب، وكنت من الذين لم يستريحوا لهذا النوع من الاستنباط الذي لا يستحق كل ما أثير حوله من ضجيج الإطراء، وأقصى ما يقال فيه إنه من " مُلَح العلم " وطرائفه، وليس من صلبه ولبابه" "7"

و في ذات السياق يكتب عبد الرحمن السحيم أيضا: "الكلام في الإعجاز العددي دحض مزلّـة ، و مزلق خطير ! والملاحظ فيه كثرة التكلّف ، والتعسّف للقول بموجبه . ففي هذا السؤال : مُقارنة السحر بالفتنة في الأعداد .. والفتنة في القرآن ليست مقصورة على السّحر ، بل تُطلَق على الكفر وعلى الفتن الصِّغار والكبار فمن إطلاق الفتنة على الكُفر قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وقوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ."8 "

و نتابع سرد مسيرة الإعجاز الرقمي ففي ثمانينات القرن الماضي صدر كتابان يتناولان الإعجاز الرقمي لاثنين من خريجي جامعة الأزهر في مصر الأول" معجزة القرن العشرين في كشف سباعية و ثلاثية القرآن الكريم" لابن خليفة عليوي 1983, و الكتاب الثاني" معجم الأرقام في القرآن الكريم" لمحمد السعيد الداودي 1987 ,و العمل الأخير ذو طابع توثيقي و تنسيقي لتسهيل البحث عن المعلومة.

و مع تنامي النفوذ الشعبي للتيارات الإسلامية " أو ما يُطلق عليه ب: حركة الصحوة" و طرحها لشعار أسلمة الحياة و العلوم ابتداء من أواخر الألفية الثانية , و كذلك مع ظهور الثورة المعلوماتية و الفضاء الرقمي , أخذت ظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم و ضمنا ً الإعجاز الرقمي في الانتشار لنجد "مراكز للدراسات و الأبحاث الاعجازية " و مواقع الكترونية يديرها كتاب مكرَّسون و متخصّصون في الإعجاز الرقمي.

فقد أسس الفلسطيني بسام جرار مركز نون " و هو "مركز متخصص في الدارسات و الأبحاث القرآنية, و من أولوياته الدراسات المتعلقة بالإعجاز العددي, و على الخصوص الإعجاز الرياضي لما له من الأهمية , فعالم العدد هو علم الحقائق""9"

و أصدر جرار سلسلة من الكتب هي على التوالي:"زوال إسرائيل 2022 نبوءة أم صدف قرآنية"1995- "إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم "1998- " و لتعلموا عدد السنين و الحساب "1999 – "الميزان 456,بحوث في العدد القرآني"2002.

و قد أُسِّس كذلك موقع الأرقام و هو موقع الكتروني جامع يضم مقالات و كتب و حوارات لعدد من الاعجازيين: أشهرهم: السوري عبد الدائم الكحيل الذي أصدر 11 كتابا في موضوعة الإعجاز القرآني جلها في الإعجاز العددي منها (معجزة القرآن 21- أسرار معجزة ألم- الموسوعة الرقمية- معجزة السبع المثاني- آفاق الإعجاز الرقمي-معجزة القرآن في عصر المعلوماتية- موسوعة أسس و ضوابط الإعجاز الرقمي.....)

و كذلك الأردني عبد الله جلغوم الذي أصدر ثلاث كتب تتناول الإعجاز الرقمي هي على التوالي (من روائع الإعجاز العددي في ترتيب القرآن الكريم-أسرار ترتيب القرآن للسور و الآيات من الناحية الرقمية- معجزة ترتيب سور و آيات القرآن الكريم) و يسعى جلغوم في كتبه الثلاثة للبرهنة على فرضية الترتيب التوقيفي للسور و الآيات في القرآن الكريم و أنّ هذا الترتيب ذو مصدر إلهي.

و في عام 1993 كتب العراقي أحمد إسماعيل "أنظمة رياضية في برمجة حروف القران الكريم" , و هو محاولة لتطبيق بعض العلاقات الرياضية على أعداد الحروف القرآنية.

يتبع

هوامش البحث:

أ د. محمد زكي محمد خضر- ضوابط الإعجاز العددي في القرآن الكريم. على الرابط: "1":

المشكاة



"2":مجلة آخر ساعة - العدد رقم 2149 الصادر بتاريخ 31/12/1972"

"3" بسام جرار "إرهاصات الإعجاز العددي في القرآن الكريم- نسخة الكترونية - "1998 ص15- عن موقع مركز نون

"4" هادي الذهبي - الذرية الخاتمة – نسخة الكترونية – بغداد –نيزك للطباعة و النشر –طبعة ثانية 2008- ص22- عن موقع الأرقام

"5": الموقع الرسمي بابن باز , على الرابط موقع الباز

"6" هادي الذهبي - الذرية الخاتمة – مرجع سابق - ص23

"7" موقع إسلام أون لاين- على الرابط:

اسلام اون لاين

"8" موقع صيد الفوائد- عبد الرحمن السحيم . سؤال عن الإعجاز العددي ، وتكرار بعض الكلمات في القرآن بعدد مُتساوٍ . فما مدى صحة ذلك ؟ على الرابط الفتوى

"9": بسام جرار - إرهاصات الإعجاز العددي – مرجع سابق – ص2