نقد الاعجاز العلمي
 
 


 بيت العنكبوت ليس الاوهن



منذ آلاف السنين والانسان يستعمل خيوط الحرير المنتجة عن طريق شرانق الحرير. حتى الان كان الحرير هو الخيط الوحيد الذي يتمتع بصفات فريدة ويمكن انتاجه بطريق صناعي. اليوم اصبح بامكان خيط العنكبوت ان ينافسه، بعد ان اكتشف الانسان ان خيط العنكبوت ليس هشا كما كان الاعتقاد سائدا، بل اقوى الخيوط على الاطلاق وافضلها.

خلال 400 مليون سنة تتطور خيط العنكبوت ليصبح في الكثير من المواصفات افضل من خيط الحرير او اي خيط على الاطلاق، فهو خفيف، طري، وقوي الى درجة لاينافسه بها اي خيط على الاطلاق، واضافة لذلك لايبقى كفائض في الطبيعة. وهذه هي المواصفات:
قوي كالحديد: اذا حسبنا على اساس النسبة الى الوزن، فأن خيوط العنكبوت اقوى بخمس مرات من الحديد.
طري مثل العلكة: يستطيع ان يستوعب اقوى الضربات القاتلة. لذلك يمكن ان يكون افضل المواد لصناعة الملابس المقاومة للطلقات
ناعم كالحرير: لذلك يوجد كل الامكانية لمنافسة الحرير واخراجه من سيطرته التاريخية.
قابل للتفسخ الطبيعي: مما يجعله غير ضار للطبيعة، اذ مع الزمن يذوب ويتفسخ، عوضا عن ان يبقى في الطبيعة مسببا مشاكل بيئية. لذلك سيفضل لصناعة شبكات الصيد، التي اذا فقدت لن تسبب مشاكل للحياة البحرية.

المشكلة فقط، ان العنكبوت غير مناسب لانتاج الخيوط كما هي الحال عند شرانق الحرير. العنكبوت يتميز بالعدوانية، ولايمكن جمعهم مع بعض من اجل القيام بالانتاج الصناعي الواسع، كما ان العنكبوت يقوم بانتاج كمية قليلة كل يوم، لايمكن استخدامها بشكل تجاري. من اجل حل هذه المشكلة لابد من تقليد عملية الانتاج البيلوجي عند العنكبوت.

حاول العلماء بضعة سنوات تقليد التركيب الكيميائي لخيط العنكبوت، ولكنهم فشلوا، لتعقيده الشديد الى ان تمكن مجموعة علماء كنديين من انتاج خيوط العنكبوت الصناعية لاول مرة عام 2002، وسمي بيوستييل (الصلب البيلوجي).

نجح العلماء في الحصول على الخيوط من خلال استغلال معرفتهم بكون البروتين الموجود عند الحيوانات اللبونة المسؤول عن انتاج الحليب، يتشابه مع البروتين الموجود عند العنكبوت المسؤول عن انتاج الخيوط. ومن خلال زرع بروتين العنكبوت في العنزة، تمكن العلماء من "حلب" السلسلة البروتينية في كميات كبيرة الى درجة امكن معها نسج الخيوط.

المميز لبروتين الخيوط العنكبوتية هو قدرتها على الطوفان على سطح الماء بالرغم من انها كريستالية. هذا يعني انه بالرغم من ان المادة الخيطية تحتوي على نسبة عالية من البروتين، لاتتداخل ببعضها كما هو الامر عند الانسان مثلا ، بل تنزلق على بعضها بدون اي مقاومة تقريبا، وبالتالي لايحتاج العنكبوت الى استهلاك المزيد من الطاقة من اجل جعل الخيط اطول او ارق.

التحول من مادة بروتينية الى خيوط قوية كالحديد، تحدث من خلال ان الكتلة البروتينية في طريقها الى حلمة الخروج، تضغط اكثر فأكثر من قبل المجرى الذي يقل قطره باستمرار، مما يجبر البنية الكيميائية على التشكل بجوار بعضها البعض، والعملية نفسها تجبر الذرات المائية على الانفصال عن الخيوط المتشكلة. بالضبط كما يجري عند تشكيل الخيوط الحديدية في المعامل.

لازال الخيط المصنوع بالطريقة "الصناعية" بعيدا عن صلابة وقوة الخيط الطبيعي، إلا ان الامر مسألة وقت الى حين "يتعلم" العلماء كيفية تحسين اساليبهم. وبالرغم ذلك نحصل الان على خيط لايجاريه اي خيط اخر. اذا تمكن العلماء من الوصول الى انتاج هذا الخيط بالكمية الضرورية، يمكن عندئذ من صناعة الملابس المضادة للطلقات، خيوط وشبكات الصيد التي "تذيب" نفسها عند الحاجة، وملابس فائقة الخفة. كل ذلك بفضل "حليب العنزة".

عن مجلة
Illustrerad vetenskap 2002 / 8

يصر البعض على اعجاز الاية التي تتكلم عن بيت العنكبوت، ويحاولون ايجاد مختلف السبل للخروج من معضلة الاكتشافات العلمية التي توصلت الى قوة خيوط العنكبوت. يعارض بعض المسلمين الاعتراف بقوة خيوط العنكبوت بسبب تقاطعه مع الاية القرآنية التي تقول " وإن آوهن البيوت لبيت العنكبوت"، وهو الامر الذي يدفعهم للبحث عن مختلف الحلول للرد على ماتوصل اليه العلم، وسنلقي نظرة على حججهم في هذا الشأن

حسب قولهم، يتجلى الإعجاز العلمي في الاشارة القرآنية الى الفعل بصيغة المؤنث في كلمة " اتخذت " ، وهي إشارة في غاية الدقة للدلالة على أن الأنثى ـ وليس الذكر ـ هي التي تقوم بضع نسيج البيت ، في حين كلمة "اتخذت " لاتدل اصلا على انثى العنكبوت، اذ ان كلمة عنكبوت بحد ذاتها كلمة يغلب عليها التأنيث في اللغة العربية، ونرى ذلك واضحا في قواميس اللغة العربية :
من لسان العرب: العنكبوت انثى وقد ُيَذكرها بعض العرب ولكن التأنيث اكثر.
وقال بن العربي: العنكب الذكر منها ، والعنكبة الانثى.
المصدر: القاموس

والعناكب يوجد منها حوالي 40 الف نوع، قسم منها لايبني شباكا على الاطلاق والعديد منها يقوم حتى الذكر ببناء شبكته ايضا، ويمكن القراءة عن ذلك في " العناكب". Spider
ولاحظ هنا انه ليس فقط العناكب الذكور من تنسج الشبكة ايضا الى جانب الاناث، بل ان اغلب الانواع لاتنسجها من اجل ان تكون بيتا وانما فخا لصيد طعامها. إلا ان انواع العناكب من الكثرة " 40 الف نوع" الى درجة ان بعض الانواع لاتنسج على الاطلاق اي شبكة لا ذكرها ولاانثاها، كما ان البعض منها تنسج اناثها فقط، وبالتالي هل كان القرآن يتكلم عن نوع معين من العناكب لم يتمكن من ذكر اسمه العلمي ام انه النوع الشائع للعامة فقط؟ في هذه الحالة سيكون الكلام ليس عن بيوت وانما عن شبكة صيد، وهي ذاتها الاكثر كفائة ومتانة

من جهة ثانية فإن القول ان " إن اوهن البيوت لبيت العنكبوت" هو تعبير مقارنة، فمع ماذا يقارن القرآن؟ ان اي مقارنة يجب ان تكون مع " جنسها".

ان محاولة للوي المعنى الى معنى اجتماعي " اسقاطي" على حياة الانسان، من خلال الادعاء بأن المقصود هو "التحلل الاجتماعي في بيت العنكبوت" او كما يعبر عنه البعض بالتعبير التالي:
إقتباس:
"وكذلك الإشارة إلى ظاهرة التفكك الأسري في بيت العنكبوت"
هو امر غير مقبول ويدلل على اسقاط المفسر من منظوره البشري. من جهة هناك الكثير من الحشرات التي لديها نمط حياة مشابه للنمط المقصود عند بعض انواع العناكب، وبالذات الانواع تقوم التي بأكل ذكرها كليا او جزئيا، بعد الجماع. كما ان هناك حشرات لاتعير صغارها اي اهتمام على الاطلاق مباشرة بعد وضع البيوض، مما يعني وجود " بيوت" اكثر وهنا في عالم الحشرات، الامر الذي يدل على ان المفسرين، عوضا عن الاعتراف بعدم قدرتهم على فهم المعنى، يتناطحون من اجل التنطع والكذب
. هذا عدا عن ان من غير الصحيح الادعاء ان اكل الذكر يدل على " وهن" الحياة العائلية لدى العناكب، بل يمكن رؤيتها بطريقة معاكسة تماما، حيث ان الذكر يضحي بنفسه من اجل تأمين وجبة بروتينية غذائية " لزوجته" لتتمكن من انتاج صغار معافيين واكثر عددا.

إدعاء ان البيوت مقصود بها وهن البناء الأسري و ليس وهن الخامة المستخدمة في بناء البيت و سندهم في هذا الكلام هو حقيقة أن الأنثى تقوم بأكل الذكر بعد القيام بالتلقيح، امر لايصمد على الاطلاق امام الحقائق.

الرد على هذا الإدعاء يتكون من شقين، أولهما: أن إفتراس الذكر ليست خاصية مقتصر على العناكب فقط، فهناك أنواعا من الجراد و العقارب و فرسة النبي تقوم بنفس الفعل مما يعني أن إستخدام القرآن لصيغة التفضيل "أوهن" خاطئ للغاية فبيت الجرادة و بيت العقرب و بيت فرسة النبي واهن مثل بيت العنكبوت و ربما أوهن.

الشق الثاني: أن عدد فصائل العنكبوت التي تمارس تلك العادة أقل من أربعين بينما عدد فصائل العنكبوت التي لا تمارسها أكثر من ثلاثة آلاف و خمسمائة, و حتى الفصائل المعروف عنها ممارسة إفتراس الذكر لا تقوم بذلك بصورة دائمة ففي معظم الأحيان يعيش الذكر لينكح يوما آخر, و بالتالي فإن عملية إفتراس الذكر تعتبر إستثناءا و ليست قاعدة ولا يصح وصف بيت العنكبوت بالوهن، على العموم، من أجل إستثناء إحتمال وقوعه حوالي 12/36000 أي حوالي 0.03%

ان البيت غزل منذ البدء ليكون كمينا وليس بيتا يحمي من حر او مطر، ومع ذلك يؤدي وظيفته بطريقة يحسد عليها اذ انه قوي للغاية الى درجة انه يتحمل اجساد حشرات كبيرة، ويقاوم محاولاتهم للافلات . وبالمقارنة مع بقية انواع الحبال فإن قوة تحمله تتجاوز قوة الحديد

من جهة اخرى نرى ان القدماء قد وضعوا تفسيرا دينيا لهذه الاية لاعلاقة لها بالعلم وليست في تضاد معها وهو التالي:
تفسير ابن كثير:

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ فِي اِتِّخَاذهمْ آلِهَة مِنْ دُون اللَّه يَرْجُونَ نَصْرهمْ وَرِزْقهمْ وَيَتَمَسَّكُونَ بِهِمْ فِي الشَّدَائِد فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَبَيْتِ الْعَنْكَبُوت فِي ضَعْفه وَوَهَنه فَلَيْسَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ مِنْ آلِهَتهمْ إِلَّا كَمَنْ يَتَمَسَّك بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوت فَإِنَّهُ لَا يُجْدِي عَنْهُ شَيْئًا فَلَوْ عَلِمُوا هَذَا الْحَال لَمَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْلِم الْمُؤْمِن قَلْبه لِلَّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُحْسِن الْعَمَل فِي اِتِّبَاع الشَّرْع فَإِنَّهُ مُتَمَسِّك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا اِنْفِصَام لَهَا لِقُوَّتِهَا وَثَبَاتهَا .

ومن تفسير الطبري:
مَثَل الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْآلِهَة وَالْأَوْثَان مِنْ دُون اللَّه أَوْلِيَاء يَرْجُونَ نَصْرهَا وَنَفْعهَا عِنْد حَاجَتهمْ إِلَيْهَا فِي ضَعْف اِحْتِيَالهمْ , وَقُبْح رِوَايَاتهمْ , وَسُوء اِخْتِيَارهمْ لِأَنْفُسِهِمْ , كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت فِي ضَعْفهَا , وَقِلَّة اِحْتِيَالهَا لِنَفْسِهَا , اِتَّخَذَتْ بَيْتًا لِنَفْسِهَا , كَيْمَا يُكِنّهَا , فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا شَيْئًا عِنْد حَاجَتهَا إِلَيْهِ , فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ حِين نَزَلَ بِهِمْ أَمْر اللَّه


ان التضاد يظهر فقط عندما يبدأ المتنطعون الدينيين بمحاولة تحميل النص اكثر مما يحتمل وتحويله الى اعجاز علمي، في محاولة للتمسح بثياب العلم واعطاء نفسهم هالة جديدة لايستحقونها