نظريات فلسفية
 
 


 يأجوج ومأجوج


المرحلة الثانية
وصلنا في المرحلة السابقة إلى وصول ذي القرنين إلى كوكب الزهرة، ولا ندري كيف وصل إليها من الأرض وهو متجهاً غرباً نحو مغرب الشمس، ولكنه وصل وعذّب بعض من بها من القوم. ويستمر كاتب المقال في سرده فيقول: " (ثم اتبع سببا . حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا )(الكهف 89,90). انطلق أيضاً بسرعة فائقة لكن هذه المرة باتجاه مطلع الشمس ...ولان كوكب الزهرة هو الوحيد من بين الكواكب السيارة التي تدور حول نفسها من الشرق إلى الغرب ، أي انه إذا انطلق نحو مغيب الشمس كما في المرة السابقة فسوف يرجع إلى الأرض بينما يريد هو الانطلاق إلى كوكب آخر وهو عطارد ...لذلك انطلق نحو الشرق (مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ). انتهى
ففي المرحلة الثانية أراد ذو القرنين أن يترك كوكب الزهرة ويتجه إلى مشرق الشمس. وبما أن الزهرة تدور من الشرق إلى الغرب، فإن شمسها تشرق في الغرب وتغيب في الشرق. ولذلك إذا أراد ذو القرنين مطلع الشمس وهو بالزهرة، عليه أن يتجه غرباً. وبما أن مدار الزهرة خارج مدار عطارد، فلذي القرنين فرصة واحدة فقط للوصول إلى عطارد، وهي أن يسافر من الزهرة عندما تكون الزهرة في موقع الساعة الثالثة من مدارها، لأن ذا القرنين متجهاً غرباً. وعندما وصل ذو القرنين إلى عطارد، وجد قوماً لم يجعل الله لهم من الشمس ستراً. ولا ندري أي ستر جعل لسكان الزهرة التي وصفنا حالة المناخ فيها.
ثم يستمر الكاتب فيقول: " فوجد قوم يمرون بطور بدائي يشبه الطور الذي مرت به الأرض قبل الزراعة وبناء المساكن فوجدهم شبه عراة ليسوا من العلم بشيء ". انتهى.
وإذا تفكرنا في المناخ على سطح عطارد، أقرب الكواكب إلى الشمس، لاتضح لنا عدم مصداقية هذا القول. فعطارد يبعد عن الشمس 58 مليون كيلومتراً، أي ثلث المسافة بين الأرض والشمس، ودرجة الحرارة في الوجه المقابل للشمس 427 درجة مئوية وفي النصف الآخر 183 درجة مئوية تحت الصفر. وهذه البرودة كافية لتجمد أي سائل فلا يمكن للإنسان أو الحيوان أن يعيش فيها، خاصةّ إذا عرفنا أن القوم بدائيين وأن الله لم يجعل لهم ستراً، أي ليس لديهم منازل، كما قال الكاتب. أما في الوجه المقابل للشمس فإن الحرارة كافية لتذيب أجسامهم. والكوكب كذلك ليس به ماء. فكيف عاش هؤلاء القوم البسطاء؟

المرحلة الثالثة
واستمر الكاتب في تتبع رحلة ذي القرنين فقال: " (ثم اتبع سببا . حتى إذا بلغ بين السدين)، سار ذو القرنين بنفس الاتجاه -نحو الكواكب الداخلية أي باتجاه الشمس -والمشرق والمغرب أمر يخص الكرات الأرضية وهو لا علاقة له بذلك ولذا لم يذكر القران هذه المرة المغرب والمطلع لانه حدد لنا اتجاهه (بنقطتين يمكن رسم مستقيم بينهما)، فلا ضرورة لكلام زائد ." انتهى
فبعد أن وصل ذو القرنين كوكب عطارد، فإذا سار شرقاً فسوف يصل الشمس ويذوب، وإذا سار غرباً فسوف يرجع إلى الزهرة، إلا إذا سار غرباً وعطارد كان في موقع الساعة الثالثة من مداره، فإنه سوف يسير نحو الشمس، وهذا ما أراده الكاتب عندما قال: " سار ذو القرنين بنفس الاتجاه -نحو الكواكب الداخلية أي باتجاه الشمس ". ثم قال الكاتب إن القرآن حدد لنا مسار ذي القرنين بنقطتين يمكن الوصل بينهما بخط. فأي نقطتين يقصد ؟ هل يقصد الشرق والغرب الذي إذا رسمناه في كل كوكب فلن تتقابل الخطوط لأن الكواكب تكون في أماكن مختلفة من مداراتها ؟ أم يقصد الشرق والغرب بالنسبة لكل مجرتنا الشمسية ؟ ففي هذه الحالة لا يمكن رسم خط بينهما لأن المجرة غير محدودة حتى نرسم خطاً بين شرقها وغربها. المهم أن ذا القرنين سائر في اتجاه الشمس، مع العلم أن عطارد هو أقرب الكواكب المعروفة إلى الشمس، فليس بعده كوكب.

ذو القرنين وبناء السد
وهنا تفنن الكاتب فقال: " (حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ). يقول العلامة النيلي : (هؤلاء درجة تطورهم أدنى من القوم السابقين وهم مساكين لا يحسنون حتى التعبير. فجعل تخلف اللغة دليلا على تدني معارفهم وهو أدق المقاييس إطلاقاً .لم يعرف القوم من هو ذو القرنين ، لذلك عرضوا عليه مطلبهم بسذاجة لمجرد انهم رأوه ). انتهى
ولا القرآن ولا كاتب المقال ولا العلامة النيلي أخبرنا أين هذا الموقع بين السدين الذي يعيش فيه قوم بسطاء لا يعرفون حتى الكلام. وهؤلاء القوم البسطاء الذين لا يحسنون الكلام، رؤوا ذا القرنين فلم يعرفوه ولكن رغم ذلك طلبوا منه أن يبني لهم سداً يقيهم من هجوم ياجوج وماجوج. كيف يا ترى شرحوا لذي القرنين مطلبهم وهم لا يجيدون حتى التخاطب بينهم. وكيف اتفقوا فيما بينهم أن السد هو أفضل وسيلة تقيهم شر ياجوج وماجوج؟ تذكرت، وأنا أقرأ هذه القصة، قصة " جلفر في بلاد الأقزام ". والغريب أن القرآن يقول عن هؤلاء البسطاء: " قالوا ياذا القرنين إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " ( الكهف 94). فيبدو أنهم عرفوا ذا القرنين، على عكس ما يقول العلامة النيلي. ثم أنهم قالوا له إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض، فهم أرادوا السد لأن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض، ولا بد أن مفهومهم للفساد في الأرض هو نفس مفهوم الإسلام للفساد، فهم لا بد أنهم عرفوا أن ذا القرنين رجلٌ صالح لا يحب الفساد في الأرض. ثم أنهم عرضوا عليه أجراً ليبني لهم السد، فلا بد أنهم كانوا يعرفون النقود والأجر وكانوا يبيعون ويشترون فيما بينهم. فهل هم فعلاً قوم بسطاء ؟ وكيف تفاهموا مع ذي القرنين وعرضوا عليه أجراً ليبني لهم السد وهم لا يحسنون التخاطب ؟
ثم استمر الكاتب في محاولة يائسة لتوضيح مكان سكن هؤلاء القوم البسطاء، فقال: " وبناءا على افتراضنا السابق فان هؤلاء القوم يعيشون في قمر صغير نسبيا يقع بين كوكبين في نقطة تعادل الجاذبية(بلغ بين السدين )، لان السد في التعبير القرآني هو الحاجز المانع عن الحركة وغير المرئي حيث استخدم ثلاث مرات فقط في القرآن الكريم ...مرتان هنا ومرة في سورة يس (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون )، وهذا المورد يفك رموز الموردين السابقين في قصتنا " انتهى
لا أدري كيف قرر الكاتب أنهم يعيشون في قمر صغير بين كوكبين. وذو القرنين كان قد ترك عطارد في طريقه إلى الشمس، وبذا ترك كل الكواكب المعروفة لنا خلفه، فاحتمال وجود أقمار صغيرة بالقرب من الشمس احتمال ضعيف. فلماذا لا يكون هؤلاء القوم في كوكب آخر ؟ وما ذا يقصد من قوله : قمر صغير بين كوكبين في نقطة تعادل الجاذبية ؟ فكل كوكب حوله أقمار عديدة تمسك بها جاذبيته، ما عدا الكوكب عطارد الذي ليس له أقمار. وبدهاء عظيم سمى الكاتب المكان الذي يعيش فيه هؤلاء البسطاء " نقطة تعادل الجاذبية " بين السدين. فليس هناك نقطة تعادل للجاذبية، فالجاذبية في أي كوكب تنقص وتتلاشى تدريجيا كلما ابتعدنا عن الكوكب حتى تنعدم بالمرة، وهذا ما يحدث لرواد الفضاء الذين يسافرون من الأرض، فإذا خرجوا من فضاء الأرض انعدمت الجاذبية وأمكنهم السباحة في هواء مركبتهم بعد أن تخلصوا من جاذبية الأرض وما زالوا بعيدين عن جاذبية القمر. وجاذبية القمر تعادل حوالي خمس جاذبية الأرض. فأين هذه النقطة التي تتعادل فيها الجاذبية بين الأرض والقمر؟ فليس هناك نقطة تعادل جاذبية بين الكواكب
واستمر الكاتب في محاولاته الالتفاف حول الحقيقة فقال: " بينما يعيش قوم يأجوج وماجوج في الكوكب الصغير القريب من الشمس وهذا الكوكب ذو مجال مغناطيسي شديد الوطأة (حيث تتساوى كثافته مع كثافة الأرض مع الفارق الكبير في الحجم)." انتهى
غريب أن يقرر الكاتب أن قوم ياجوج وماجوج يعيشون في كوكب صغير قرب الشمس، ومغناطيسيته تعادل مغناطيسية الأرض، ولا يسمي لنا هذا الكوكب الصغير. وأقرب كوكب للشمس معروف لنا هو كوكب عطارد، فكيف عرف الكاتب عن هذا الكوكب الصغير وعن مقدار مغناطيسيته؟
ويستمر الكاتب فيقول: " ومن هنا نستطيع القول ان هذا الكوكب كانت فيه الخطوط المغناطيسية تخرج من القطب الشمالي وتمتد إلى القطب الجنوبي للكوكب وفي القطب بالذات ينعدم تأثير القوة المغناطيسية وهذا هو المنفذ الوحيد لخروج ياجوج وماجوج ويؤيد ذلك طبيعتهم القائمة على سرعة الحركة وكما في البحث اللغوي التالي في اصل اسم ياجوج وماجوج :" انتهى
ويبدو أن هذا الكوكب لا يختلف عن الأرض إطلاقاً، فمغناطيسيته تساوي مغنطيسية الأرض، وتخرج هذه المغنطيسية من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وتنعدم المغنطيسية في القطب. ولكن لا نفهم لماذا يكون القطب هو المنفذ الوحيد لقوم ياجوج وماجوج، ونحن نستطيع أن ننفذ من الأرض في أي مكان شئنا، ومغنطيسية الأرض تساوي مغنطيسية هذا الكوكب المزعوم.

معنى كلمة ياجوج وماجوج
ثم عرّج الكاتب على معنى الاسمين: ياجوج وماجوج، فقال:
" البيضاوي في أنوار التنـزيل وأسرار التأويل في ياجوج وماجوج قال sad.gifوقيل انهما من الترك وقيل انهما اسمان أعجميان بدلالة منع الصرف ، ولكن الله عز وجل يقول في محكم كتابهsad.gifولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد).اذن ليس في القرآن ما هو أعجمي. اما اسم ياجوج فمشتق من (أج)أي أسرع وماجوج من (مج)اي تحدر أو انسل اي ان الأج والمج يعني المسرع والمنسل خفية ، وفي القاموس (أج اذا سرع)." انتهى
والتلاعب بمعاني الكلمات لا يخدم غرضاً، فالبيضاوي أصاب الحقيقة عندما قال إن الكلمتين أعجميتان، فالأصل مأخوذ من التلمود الذي يذكر " جوج " و " ماجوج "Gog and Magog . فتغيرت الكلمة الأولى في القرآن إلى " ياجوج ". أما الادعاء بأن الكلمة مشتقة من " أج " بمعنى " أسرع " فضحك على العقول. لأن تصريف كلمة " أج " يكون: أج،، يئج، أجاً ومأجوجاً وأجاجاً وليس ياجوجاً كما يحاول أن يوهمنا الكاتب. وكلمة " ماجوج " ليست من " مجّ " لأن تصريف مجّ يكون: مجّ، يمجُ مجاً ومجوجاً ومجاجاً، وليس ماجوجاً. ولسان العرب يقول في تعريف كلمة " أج " ما يلي: أجّ الرجلُ يئج أجيجاً: صوّت. الأج: الإسراع. والأجيج والأجاج شدة الحر. وماء أجاج: مالح. وجاء في الحديث: " إن الخلق عشرة أجزاء تسعة منها ياجوج وماجوج، وهما اسمان أعجميان، واشتقاق مثلهما من كلام العرب يخرج من أجّت النار ومن الماء الأجاج ". ويقول عن مجّ ما يلي: مجّ الشراب والشئ من فيه يمجه مجاً ومج به: رماه. وقال الشاعر يصف رجلاً مصاباً بداء الكلب:
يدعو ببرد الماء وهو بلاؤه وإنْ ما سقوه الماء مجّ وغرغرا
ومجّ بريقه: إذا لفظه. وفي حديث محمود بن الربيع: " عقلتُ من رسول الله (ص) مجّةً مجها في بئرٍ لنا ". والقاموس المحيط يقول: مجّ الماء من فيه: رماه. ومجاج النحل: العسل. وعندما جُرح النبي في غزوة أحُد ومصَّ مالك أبو أبى سَعِيدٍ الخُدْرىّ جرحَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى أنقاهُ، قال له: (( مُجَّهُ )) ( يعني الدم) قال: واللهِ لا أَمُجُّهُ أبداً، ثم أدبر، فقال النبى (ص): (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ منْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلَى هذَا )). فلم أجد في أي قاموس أن مجّ تعني تحدر أو انسل، كما ذكر الكاتب.
وقول الكاتب " ليس في القرآن ما هو أعجمي " قول جافى الحقيقة، فالقرآن ملئ بالكلمات الأعجمية مثل " تابوت " و " جهنم " و " الأحبار " و " المثاني " و " زقوم " و " سلسبيل " وغيرها كثير. والقرآن نفسه يقول: " أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء " وهذا يعني أن القرآن بما فيه من الأعجمي والعربي، شفاء للذين يؤمنون به. ولذلك استعمل القرآن حرف العطف " و " ليعطف العربي إلى الأعجمي، أي جمعهما مع بعض، ولم يستعمل حرف العطف " أو " الذي يفيد التخيير أو التقسيم، ليفصل بينهما.

إغلاق الفجوة المغناطيسية

ثم عاد الكاتب إلى حيلة التلاعب بالكلمات فقال: " ونعود لما قام به ذو القرنين فقد صحح طلب القوم لغويا فهم أرادوا سدا وهو اخبرهم بأنه سيجعل بينهم ردما!!! (قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما). والفرق واضح بينهما ، فالسد ولو كان غير مرئي ولكنه يشير في الخيال إلى ارتفاع طولي بينما الردم هو إغلاق فتحة ، وهذا بالضبط ما قام به ذو القرنين فقد ردم الفجوة المغناطيسية في الكوكب بان صنع مغناطيس عظيم في قطبه ... حيث قام ببناء مغناطيس شديد الفيض لتوصيل الفيض بين الصدفين " انتهى

يبدأ الكاتب بأن يقول صحح ذو القرنين لغة القوم وبنى لهم ردماً بدل السد. فكيف يصحح ذو القرنين لغة قوم لا يكادون يفقهون القول ولغتهم بدائية جداً. فقالوا لذي القرنين ابني لنا سداً، فقال لهم سأبني لكم ردماً لأن السد يختلف عن الردم. فهل من الممكن عقلاً أن يخاطب ذو القرنين قوماً بسطاء بمثل هذا المنطق ؟ ثم شطح الكاتب في تعريف السد باللغة القرآنية فقال: " فالسد ولو كان غير مرئي ولكنه يشير في الخيال إلى ارتفاع طولي بينما الردم هو إغلاق فتحة ". بينما يقول لسان العرب: " السد: إغلاق الخلل وردم الثلم. والسد: مصدر قولك سددت الشئ سداً. والسد: الجبل الحاجز. والسد: الردم والجبل، ومنه سد الروحاء وسد الصهباء وهما موضعان بين مكة والمدينة ". ويقول مختار الصحاح لأبي بكر الرازي: " ردم: ردم الثلمة سدها والردم أيضاً الاسم وهو السد. والسد: بالفتح هو الجبل الحاجز وقال بعضهم بالضم، من صنع الله وبالفتح من عمل بني آدم ". أما القاموس المحيط للفيروزآبادي فيقول: " السد: الجبل والحاجز، وبالضم مخلوقاً لله وبالفتح من فعلنا. وبالضم: السحاب الأسود. وسدود الوادي: حجارة وصخور تبقي الماء فيه زماناً ". فليس في اللغة العربية ما يقول إن السد غير مرئي وليس هناك ما يقول إن السد ذو ارتفاع طولي، فقد كان سد مأرب أطول أفقياً أكثر من طوله عمودياً، وكان مرئياً لكل القوم، وكذلك السد العالي بمصر. وليس من المعقول أن يكون عرب ما قبل الإسلام يعرفون موضع سد الروحاء ويتكلمون عنه، ثم يجئ القرآن فيقول لهم إن السد غير مرئي. وليس هناك في اللغة فرق بين الردم والسد كما قال الكاتب.

ثم قال الكاتب إن ذا القرنين سد الفجوة المغنطيسية في الكوكب الذي يعيش فيه هؤلاء القوم البسطاء، فقال: " وهذا بالضبط ما قام به ذو القرنين فقد ردم الفجوة المغناطيسية في الكوكب بان صنع مغناطيس عظيم في قطبه " ولكنه قال لنا قبل ذلك: " فان هؤلاء القوم يعيشون في قمر صغير نسبيا يقع بين كوكبين في نقطة تعادل الجاذبية " . فمن أين أتت هذه الفجوة المغنطيسية في قمرهم الصغير الذي نراه قد تحول فجأة إلى كوكب ؟ ولماذا لم تحدث فجوة مغناطيسية في بقية الكواكب مثل الأرض ؟ ومن أين عرف العلامة النيلي أن هذا الكوكب المجهول به فجوة مغناطيسية ؟

صناعة المغانيط
انتقل الكاتب إلى موضوع علمي بحت، هو صناعة المغنطيس، فقال: " سؤال علمي:كيف تصنع المغانيط الحديثة ؟
الجواب sad.gifبناء على نظرية الدايبولات الحديثة تكون ذرة الحديد هي أفضل المواد الفيرو مغناطيسية لانها تحتوي على أربع الكترونات لا ازدواجية في الطبقة الثالثة متشابهة في اتجاه البرم .وتصنع المغانيط الحديثة من خليط الفيرات وهي عبارة عن اوكسيدات الحديد مخلوطة مع اوكسيدات مواد فيرومغناطيسية اخرى كالنحاس إذ يأتي بالدرجة الثانية بعد الحديد بالقابلية على التمغنط حيث تطحن او تقطع هذه المواد إلى قطع صغيرة او تضغط ثم تحرق بالنار فنحصل على مغانيط قوية ذات خصائص فريدة ). انتهى
وهنا يدخل الكاتب في متاهات علمية، أما عن قصد لخدمة ما يرمي إليه، وأما عن عدم إلمام بالموضوع. فقوله إن النحاس يأتي بالدرجة الثانية بعد الحديد بالقابلية على التمغنط، قول أقل ما يوصف به أنه قول باطل أريد به باطل. فالمواد تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالنسبة لقبولها للمغنطة:
القسم الأول: المواد المحتوية على الكترونات أثنين Diamagnetic مثل الهيدروجين والأمونيا والنحاس والقرانيت، وهذه المواد يدفعها المغنطيس بعيداً عنه
القسم الثاني: Paramagnetic مثل الأوكسجين، الألومينيوم وكبريتات النحاس Copper sulphate ، وهذه المواد تنجذب إلى المغناطيس
القسم الثالث: المواد الفيروماغنطيسية مثل الحديد والنيكل والكوبالت والمانغنيز، والزنك، وهذه هي المواد التي تدخل في صناعة المغنطيس. ونلاحظ هنا أن النحاس ليس منها وهو أقل المواد مغنطسة. أما النحاس فإنه يُخلط مع الصفيح فيخرج منهما البرونز، وإذا خُلط مع الزنك يخرج منهما النحاس الأصفر Brass. وعندما يحرق النحاس بالنار فإنه يُعطي غازات حامض الكبريت السامة، فلو أحرق ذو القرنين كمية هائلة من النحاس ليصنع مغناطيساً يسد الفجوة في الكوكب المذكور، لاختنق جميع من بالكوكب من الغازات السامة.
ثم استمر الكاتب فقال: " لقد قام ذو القرنين بالعمل على هذا النحو تماما...(أأتوني زبر الحديد )، اي أأتوني بقطع الحديد المقطعة قطعا ، اي المسحوق سحقا وهذا هو سبب قوله (أعينوني بقوة )، فقد احتاج قوتهم لتقطيع الحديد لا لحمله لانه كما يبدو متوفرا بكثرة، ومن هنا يتضح بان قول المفسرين قطعا عظيمة من الحديد لا مؤيد له لأنهم اعتقدوا ان السد بني كما يبنى الجدار باستخدام قطع الحديد الكبيرة ورصت بالنحاس!!!" انتهى
ومرة أخرى يُحمّل الكاتب اللغة العربية ما لا تستطيع حمله، فهو يقول: " ...(أأتوني زبر الحديد )، اي أأتوني بقطع الحديد المقطعة قطعا، اي المسحوق سحقا " وتعالوا ننظر ما يقول لسان العرب عن الزَبْر. (الزبر: الحجارة. الزبر طئ البئر بالحجارة، يقال بئر مزبورة. ماله زبر: ماله رأي أو عقل. وأصل الزبر طئ البئر إذا طويت تماسكت واستحكمت. والزبر: الصبر، يقال: ماله زبر ولا صبر. والزبر: وضع البنيان بعضه على بعض. والزبر: الكتاب والجمع زبور مثل قِدر وقدور، ( وآتينا داود زبورا). والزبر: الاجتماع ويقال: زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله.) فلا ندري من أين أتى الكاتب بالتعريف الذي يقول الزبر هو الحديد المسحوق. فابن كثير يقول في تفسير هذه الآية: " الزبر جمع زبرة وهي القطعة منه، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة هي كاللبنة، يقال كل لبنة زنتها قنطار بالدمشقي أو تزيد." وكذلك قوله: " فقد احتاج قوتهم لتقطيع الحديد لا لحمله لانه كما يبدو متوفرا بكثرة " قول غريب، فمن أين بدا له أن الحديد متوفر بكثرة في هذا الكوكب الذي لا يعرف عنه أي شئ سوى أنه قريب من الشمس. فالكاتب لا يعرف حتى اسم الكوكب، فكيف بدا له أن الحديد متوفر به. والحديد حتى لو كان متوفراً فهو لا يتوفر في شكل حديد خالص ولكنه يكون في الحجارة، ولا بد من عملية تعدين لاستخراجه من الحجر، ولذلك قالت العرب: الزبر هو الحجارة.
ثم استمر الكاتب في رحلته الخيالية فقال: " فهو يقول أأتوني القطع المقطعة من الحديد لأحرقها واخلطها بالنحاس واصنع منها اكاسيد تكون مغانيط فريدة ، ولكي لا يضطر لنقل المغناطيس العظيم فقد وضع الحديد بنفس المكان والشكل المطلوب بحيث يساوي في فيضه المغناطيسي بين الصدفين (للكوكب) ثم احرقه إحراقاً شديدا ثم رمى فيه النحاس ". فالحديد لا يخلط بالنحاس لصنع المغنطيس، وحتى لو فعل ذلك ذو القرنين بقوة إلهية، فكم من الحديد احتاج ليبني مغناطيساً بالحجم الذي يصفه الكاتب ليسد الفجوة المغنطيسية في الكوكب ؟ وحتى لو توفر له الحديد والعمال من القوم البسطاء الذين لا يجيدون الكلام، كيف أحرق هذه الكمية الهائلة من الحديد ؟ فالنار تحتاج إلى أوكسجين، وكل الكواكب المعروفة ليس بها أوكسجين. ثم من أين أتى بالحطب وليس هناك أشجار على الكواكب ؟
وقال الكاتب: " فلم يقل يظهروا عليه لأنهم أول مرة رأوا الطريق مفتوحا الا هذا الشيء العجيب كحدوة الحصان ...انها تعني انهم لم يقدروا على خرق المجال كالعادة ، عندئذ عرفوا السبب هو ذلك الشيء الغريب (المغناطيس )فأرادوا تهديمه فما استطاعوا ". فما هو حجم هذا المغنطيس الذي في شكل حدوة الحصان ومنع قوم ياجوج وماجوج من المرور من تحته أو تفاديه والمرور من حوله ؟ لا بد أنه غطى الكوكب من قطب إلى قطب، وإلا كان في إمكان قوم ياجوج وماجوج السير حوله. فحتى لو سلمنا أن ذا القرنين بنى مثل هذا المغنطيس، كيف استطاع رفعه ليجعله سداً قائماً ؟ هل كان لديهم " كرينات " ضخمة لرفع مثل هذا الوزن ؟ وغريب أصلاً أن يختار ذو القرنين بناء سد من المغنطيس ليمنع ياجوج وماجوج من الدخول على هؤلاء القوم البسطاء الذين يعيشون في كوكب صغير في نقطة تعادل الجاذبية، بينما أخبرنا الكاتب سابقاً أن قوم ياجوج وماجوج معتادون على العيش في كوكب عالي المغنطة حينما قال: " بينما يعيش قوم يأجوج وماجوج في الكوكب الصغير القريب من الشمس وهذا الكوكب ذو مجال مغناطيسي شديد الوطأة ". فلا بد أنهم سوف يتغلبون على هذا المغنطيس الذي بناه ذو القرنين.
ويتضح من النقاش أعلاه أن ما كتبه العلامة النيلي ما هو إلا قصة علمية خيالية Science Fiction، تصلح أن تكون فيلماً ولكن لا تصلح كمادة لنقاش علمي. ثم بعد ذلك دخل الكاتب في محاولة إثبات أن قصة المهدي المنتظر حقيقة واقعة، وسوف لا أضيع وقت القارئ في مناقشتها



المصادر:
نادي الفكر العربي