نقد الاعجاز العلمي
 
 


 الجدل الديني والطبي والقانوني والاجتماعي


سامي الذيب هو مؤلف أوسع كتاب عن ختان الذكور ولإناث وعنوانه: ختان الذكور والإناث عند اليهود والمسيحيّين والمسلمين: الجدل الديني والطبّي والاجتماعي والقانوني. صدر الجزء الأول منه (الجدل الديني) عن دار رياض الريس باللغة العربية. ولكن رفضت هذه الدار نشر الجزء الثاني المتعلق بالجدل الطبي والاجتماعي والقانوني. ويمكن تحميل الكتاب بجزئية مجانا من موقعه كاملا مع الملاحق، أو مختصرا مع الملاحق، أو مختصرا دون ملاحق. وقد نشره أيضا بالإنكليزية والفرنسية كاملا ومختصرا.
ولسامي الذيب عدة كتب أهمها ترجمة فرنسية للقرآن بالتسلسل التاريخي مع إشارة للقراءات المختلفة والناسخ والمنسوخ والمراجع اليهودية والمسيحية. وقد انهى ترجمة ايطالية وترجمة انكليزية مماثلتين سوف تصدران قريبا، ويعد طبعة علمية جديدة للقرآن بالتسلسل التاريخي مع إشارة للقراءات المختلفة والناسخ والمنسوخ والمراجع اليهودية والمسيحية وغريب اللغة، وهذه الطبعة هي الأولى من نوعها في التاريخ ويمكن تحميل النسخة الأولية منها مجانا من موقعه. وله موقع الكتروني يتضمن أكثر كتاباته ومدونة غنية تتضمن عرض للمقالات اليومية التي تصدر عن الأديان عامة، والاسلام خاصة. وحوارنا يدور اليوم حول الختان وسوف نعود لاحقا الى مواضيع أخرى من تخصصه.

بداية هل يمكن أن تقدم نفسك لقراء موقع الأوان؟
اشكرك أولا على هذه الدعوة. انا منحدر من عائلة مزارعين مسيحيين في الزبابدة، قرب جنين، أتممت المدرسة الابتدائية في قريتي (1956-1961) قبل الالتحاق باكليريكية البطريركية اللاتينية في بيت جالا قرب بيت لحم (1961-1965). وقد غادرتها بعد أربع سنوات لدراسة مهنة الخياطة في المدرسة الفنية للإباء السالزيان في بيت لحم (1965-1968) ثم مارست الخياطة في جنين، وفي الوقت نفسه عملت لحساب اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وفي عام 1970 قدمت امتحان التوجيهي ادبي دراسة خاصة في جنين وحصلت على منحة للدراسة في فريبورغ - سويسرا. فحصلت فيها على شهادة الليسانس في القانون في نيسان 1974، ثم في يناير 1976 تخرجت في العلوم السياسية في جنيف وحصلت على الدكتوراه من فريبورغ عام 1979 وكان عنوان اطروحتي "تأثير الدين على النظام القانوني، الحالة في مصر، غير المسلمين في البلدان الإسلامية" وخلال اقامتي في مصر (1976-1977) لبحث الدكتوراه، التقيت بأربعين شخصية مصرية، واعتزم نشر هذه المقابلات في المستقبل القريب. عملت كموظف فدرالي في المعهد السويسري للقانون المقارن في لوزان من 1 تشرين الثاني 1980 إلى 31 ديسمبر 2009 بصفتي مسؤولا عن القانون العربي والإسلامي. وقد حررت ضمن عملي مئات من الاستشارات القانونية للسلطات السويسرية والأجنبية، والمحاكم والمحامين والشركات والأفراد في مجالات قانون الأسرة وقانون الميراث والقانون الجنائي والقانون التجاري. وقد أنشأت من خلال رحلاتي في البلدان العربية للمعهد السويسري للقانون المقارن أفضل مجموعة للقانون العربي والإسلامي في أوروبا الغربية. في مايو 2009، أنشأت مركز القانون العربي والإسلامي الذي يقدم استشارات قانونية، ومحاضرات وترجمات وابحاث ودروس في القانون العربي والشريعة الإسلامية. في يونيو 2009، حصلت على التأهيل للإشراف على البحوث (HDR) من جامعة بوردو، وفي فبراير 2010، حصلت على لقب "أستاذ جامعات" من المركز القومي الفرنسي للجامعات. هذا وادرس الشريعة الاسلامية والقانون العربي في عدة جامعات ايطالية وفرنسية وسويسرية. والقيت مئات المحاضرات في جامعات مختلفة. ولي أكثر من 30 كتابا ومئتي مقال في هذا المجال. وقد ترجمت القرآن الى الفرنسية وسوف تصدر لي قريبا ترجمة إيطالية وانكليزية واعد طبعة علمية جديدة للقران بالعربية بالتسلسل التاريخي مع إشارة للقراءات المختلفة والناسخ والمنسوخ والمراجع اليهودية والمسيحية وغريب اللغة، وهذه الطبعة هي الأولى من نوعها في التاريخ.
من يقرا صفحات كتابك "ختان الذكور والإناث عند اليهود والمسيحيين والمسلمين، الجدل الديني والطبي والاجتماعي والقانوني" والتي تقارب الـ 1000 صفحة، يخرج مبتهجا إن كان لم يرتكب هذا الفعل على أولاده ويخرج شاعرا بالإثم إن كان قد مارسه عليهم. وفي كلتا الحالتين يشعر القاري بلذة المعرفة كما عنونت الدكتورة نوال السعداوي مقدمة الكتاب. هل من كلمة عن هذا الجهد العظيم الذي بذلته في إنجاز هذا العمل الرائد؟
شغلني هذا الموضوع سبع سنين واستعملت له أكثر من 600 مرجع في خمس لغات. وقد شرفتني الدكتورة نوال السعداوي بكتابة مقدمته. وكما هو الأمر في كل كتبي، تطرح علي الحياة أسئلة فأحاول الرد عليها من خلال البحث ثم اقوم بنشر نتائج بحثي لعلها تفيد غيري. وانا عامة اقدم النصيحة للطلبة بأن يبحثوا في أمور تهمهم ولها علاقة بحياتهم حتى يستطيعون وضع كل جهدهم في البحث. فما هو علاقتي بهذا الموضوع رغم اني مسيحي وغير مختون؟ للإجابة على هذا السؤال اذكر لك قصة عشتها في صغري ورافقتني طوال عمري حتى سمحت لي الظروف في البحث في مضمونها.
حوالي عام 1954، وكان عمري خمس سنين، تم ختان اطفال جيراني المسلمين الذين يسكنون امام دارنا. وكما تعرف يصاحب مثل هذه العملية احتفالات توزع خلالها الحلوى على المارين. وقد حصلت أيضا على نصيبي منها ولكن دون ان افهم سببها لأنني كنت صغير ولا تمارس عائلتي الختان. والشيء الوحيد الذي استوقفني هو صراخ اطفال داخل البيت. لماذا يصرخون؟ هل لأنهم لم يحصلوا على حلوى؟ فقالوا لي لا، لأنه يتم ختانهم. لم افهم الجواب. فبقي هذا الحدث الغريب في مخيلتي طوال عمري: ناس يفرحون واطفال يصرخون من الألم. تناقض غريب ازعجني. كيف يمكنك ان تفرح بألم الغير، وخاصة اطفال ابرياء؟ هل وصلت قساوة البشر، وخاصة الأهل، الى هذه الدرجة؟ امر ما زلت استغربه ومن المؤكد اني سوف افارق الحياة دون أن اقبل بالتبريرات السخيفة التي يحاول البعض تقديمها.
في عام 1992، بينما كنت في جولة في مصر، وقع نظري على كتاب عنوانه «ختان الذكر وخفاض الأنثى من منظور إسلامي»، لمؤلّفه الدكتور عبد السلام عبد الرحيم السكّري، أستاذ بكلّية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر قسم دمنهور. تردّدت كثيراً قَبل أن أشتريه فعنوانه يعيد إلى ذاكرتي صراخ أطفال الجيران. وعلى الغلاف سكّيناً حادّاً أحمر اللون يمر بين طفل وطفلة يزيل الستار عمّا كنت أجهله من أسباب هذا الصراخ. ولكني تجلدت واشتريته. وبدلاً من قراءته خبأته في إحدى زوايا مكتبي بعيداً عن أنظاري. ولكن في عام 1993، طلبت منّي منظّمة (شمال جنوب 21) في جنيف أن أقدّم محاضرة في مؤتمرها عن حقوق الطفل الذي عقدته في جامعة جنيف يومي 30 و31 يناير عام 1993. فاقترحت عليها موضوعين من بينهما الختان. وقد وقع اختيار المنظّمة على هذا الموضوع الذي كنت أتخوّف منه وأجهله كل الجهل. وها هو الكتاب الذي خبأته في إحدى زوايا المكتب يقفز أمام عيناي. وكان لا مفر من قراءته والتمعّن في محتواه. فاكتشفت أن الختان لا يمارس في مصر على الذكور فقط بل أيضاً على الإناث. ثم انتقلت منه إلى مقالات وكتب بالعربيّة وبلغات أخرى أبحث فيها عمّا كنت أجهل. وقرّرت وضع ثمرة أبحاثي ضمن مقال قدّمته للمؤتمر بكل براءة. وقد دفعني الجو الجامعي الذي نُظم فيه المؤتمر إلى تجاهل أن هذا الموضوع يمس صميم المعتقدات الدينيّة كما إني لم أكن أعلم أن المنظّمة الداعية هي منظّمة ليبيّة. وما إن انتهيت من إلقاء المحاضرة حتّى انهالت علي الانتقادات من منظّمي المؤتمر، وكان بينهم مسلمون وصفوني بالإلحاد. أمّا الحاضرون فقد صفقوا لي واستغربوا الاتهام. فدافعت عن نفسي موضّحاً أن ما جاء في محاضرتي ليس تهجّماً على الديانات بل دفاعاً عن الأطفال الأبرياء. وتبيّن لي حين ذاك أن الدفاع عن حقوق الأطفال قد نسي تماماً من قِبَل المنظّمين عندما تعارضت هذه الحقوق مع مبادئ يظنّوها من صلب معتقداتهم الدينيّة. وقد شجّعتني تلك الانتقادات لكي أستمر في بحثي بخصوص الختان دفاعاً عن حق الأطفال. وأحسست في ضميري بأني مسؤول عنهم وكأني أحملهم على كتفي. فقمت بنشر مقالي بالفرنسيّة الذي ما لبث أن نُشر بالإنكليزيّة والإسبانيّة والألمانيّة والفنلنديّة في أكثر من عشر مجلاّت علميّة. وقد اكتشفت وما زلت أكتشف يومياً أن هناك معارضين ومؤيّدين جدد لموضوع الختان. وصُنِّفت بطبيعة الحال بين معارضي الختان. لا بل إن اليهود إتّهموني بمعاداة الساميّة حتّى على شبكة الانترنيت. ولكني لا أعير كبير اهتمام للاتهامات ما دام قصدي هو البحث عن الحقيقة.
هذا مشواري مع الختان وما زلت اكافح لإلغاء كل من ختان الذكور والاناث. فألفت كتابي عن الختان بالعربية أولا، ثم قمت باختصاره بالعربية. وترجمته الى الفرنسية في كتاب كبير ثم في كتاب مختصر، ثم نشرته بالإنكليزية. وقد حضرت عدة مؤتمرات حول هذا الموضوع وكتبت كثيرا من المقالات وأكرس ساعة له ضمن تدريسي في كل الجامعات التي اعلم فيها. أرى انه من واجبي ايقاظ ضمائر الناس ليسمعوا صراخ الأطفال كما سمعته صغيرا ويكفوا عن هذه الجريمة الشنعاء التي تخالف أبسط مبادئ الانسانية. أعرف ان هذا سوف يغيظ الكثيرين. ولكني لا احكم عليهم. فأنا اعتبرهم ضحايا عادة همجية فرضت عليهم من قرون طويلة ويصعب عليهم تغييرها. ولكن لا بد من تغييرها. فأرجو منهم ان يعذروني ان وصفت هذه العادة بالهمجية. فهي في نظري أكبر جريمة ضد الانسانية على وجه الأرض لأنها تعدي على أطفال ابرياء. ويجب ان نتسلح بالشجاعة لنعترف بالغلط مهما طال عليه الزمن ولنعود الى جادة السبيل والى الانسانية. الجاهل معذور الى ان يعلم. ولكن بعد ان يعلم فهو مسؤول عن هذه الجريمة.
تقول المنظمات الدولية ووسائل الإعلام بأن ختان الإناث عملية ضارة وتعدي على سلامة جسد الانثى بخلاف عملية الذكور التي تقتصر على قطع غلفة الذكر. فهي ليست عملية بتر على العكس من ختان الاناث. ما مدى صحة هذا الادعاء؟
في الواقع هناك فهم مغلوط ومنقوص لعملتي ختان الذكور والاناث. فكل من ختان الذكور له اشكال مختلفة يمكن تقسيمها الى اربع اشكال، منها الخفيف ومنها الخطير. ولذلك من الغلط مقارنة ختان الذكور وختان الاناث بصورة عامة دون معرفة اشكال هذه العملية. وهنا نعطي هذه الإشكال ليتمكن القارئ بالحكم عليها بذاته.
هناك اربع درجات لختان الذكور
الدرجة الأولى: يتم في هذه العمليّة بتر غلفة القضيب، جزئيّاً أو كلّياً. وقد تصل نسبة الجلدة المقطوعة من ربع إلى أكثر من نصف جلد الذكر حسب مهارة الخاتن وعادات الختان. ممّا يعني أن جلد ساق القضيب يكون مشدوداً عند الانتصاب إلى درجة التواء الساق في حالات القطع الكبير.
الدرجة الثانية: يتم في هذه العمليّة بتر غلفة القضيب وسلخ بطانتها وهي تجرى عند اليهود. ويطلق على المرحلة الأولى اسم «ميلا» وعلى المرحلة الثانية اسم «بيريا». ويتبع هذه المرحلة، حسب التعاليم اليهوديّة التقليديّة، مص الخاتن قضيب الطفل (بالعبريّة: مزيزا).
الدرجة الثالثة: يتم في هذه العمليّة سلخ جلد الذكر حتّى كيس الصفن أو حتّى الساق. وقد أعطى «فيلفرد تيسيجر» وصفاً لمثل هذه العمليّة في منطقة تهامة مضيفاً أن ابن سعود قد منعها لأنها من عوائد الوثنيّة. وقد تعرّضت لهذا النوع من الختان فتوى سعوديّة لابن باز نقتطف منها ما يلي: «والختان الشرعي هو قطع الغلفة الساترة لحشفة الذكر فقط. أمّا من يسلخ الجلد الذي يحيط بالذكر، أو يسلخ الذكر كلّه كما في بعض البلدان المتوحّشة ويزعمون جهلاً منهم أن هذا هو الختان المشروع، فما هو إلاّ تشريع من الشيطان زيّنه للجهّال، وتعذيب للمختون، ومخالفة للسُنّة المحمّديّة والشريعة الإسلاميّة التي جاءت باليسر والسهولة والمحافظة على النفس». ونشير هنا إلى أنه هناك عمليّة ختان سلخ مماثلة تتم عند قبائل «النمشي» شمال الكمرون في جو من الصخب والسكر.
الدرجة الرابعة: شق مجرى البول الخلفي لجعله يشبه فرج المرأة، كما يتم عند القبائل البدائيّة في أستراليا.
وهناك اربع درجات لختان الاناث
الدرجة الأولى: في هذه العلميّة يتم إزالة غلفة البظر أو جزء منها.
الدرجة الثانية: تشمل قطع البظر وغلفته.
الدرجة الثالثة: تشمل قطع البظر وغلفته، مع الشفرين الصغيرين أو جزء منهما.
الدرجة الرابعة: في هذه العمليّة يتم قطع البظر وغلفته والشفرين الصغيرين. ثم يلي ذلك شق الشفرين الكبيرين ويتم إخاطتهما معاً أو إبقائهما متماسين عن طريق ربط الرجلين معاً حتّى يلتئما مكوّنين غطاء من الجلد يغطّي فتحة البول والجانب الأكبر من المهبل. وتترك فتحة صغيرة في حجم رأس عود الثقاب أو طرف إصبع اليد الصغير لتسمح بنزول البول ودم الحيض.
وتقدّر نسبة النساء اللاتي يتعرّضن للدرجة الأولى والثانية والثالثة بين 80 % و85% من بين كل النساء المختونات، وللدرجة الرابعة بين 15% إلى 20%. وأكثر النساء في الصومال وجيبوتي مختونات حسب الدرجة الرابعة.
إذن ما يسمى الختان هو في الحقيقة بتر لأعضاء جنسية وبالتالي إساءة معاملة واضحة للإناث والذكور على حد سواء وعملية تعسفية ضد البراءة؟ ومع ذلك يستنكر أغلب الناس ختان البنات ويعتبرونه جريمة في حق الإناث وهو حقا فعل بربري مشين، في حين يتقبلون بأريحية غريبة ختان الذكور؟ بل لا تهتم حتى منظمات الصحة العالمية والأمم المتحدة بختان الذكور وتركز على ختان البنات فقط؟ لماذا هذا الكيل بمكيالين؟ ما سبب هذه النظرة المبتورة؟
لقد حاولتُ الاستفسار عن سر التفريق بين ختان الذكور والإناث وسكوت المنظّمات الدوليّة عن ختان الذكور. فطرحتُ عدداً من الأسئلة على السيّدة المغربيّة حليمة الورزازي، التي عيّنتها الأمم المتّحدة مقرّرة في موضوع التقاليد الضارّة. وهذا هو ردّها كما وصلني في 7 فبراير 1997 (مع تصرّف بسيط وضعته بين قوسين معكوفين للإيضاح):
1) هل تكافح الأمم المتّحدة ضد ختان الذكور والإناث أم فقط ضد أحدهما؟ وفي هذه الحالة أي منهما؟ ولماذا تهمل الآخر؟
الجواب: تعتبر الأمم المتّحدة فقط ختان الإناث عادة ضارّة يجب القضاء عليها. أمّا ختان الذكور فهو ليس من اهتمامات الأمم المتّحدة. وأنا أعتبر أن هذه الممارسة، بالإضافة إلى كونها دينيّة عند اليهود والمسلمين، هي عادة مرتبطة بالنظافة التي يمارسها الأطبّاء الأمريكيّون حالاً بعد الولادة، مهما كان دينهم على اليهود والمسلمين والكاثوليك أو غيرهم. ولهذا أرى بأنه ليس من المناسب الخلط بين ختان الإناث الضار للصحّة وختان الذكور الذي هو، على خلاف ختان الإناث، مفيد للصحّة.
2) هل تتّفق الأمم المتّحدة مع القول بأن الأفراد أو المجموعات الذين لا يمارسون ختان الذكور والإناث أو أي منهما يحق لهم مكافحة هذه الممارسات؟ مثلاً هل تقبلون أن يكافح البيض ضد ختان الذكور أو الإناث الذي يمارسه السود؟ أو أن يكافح المسيحيّون ضد ختان الذكور والإناث الذي يمارسه المسلمون واليهود؟ إن كان الجواب نعم أو لا، الرجاء إعطاء الأسباب في كلا الحالتين.
الجواب: إن هذا السؤال، كما يبين لي، ذات طابع تمييزي عنصري فيما يخص اللون والدين. إن الأمم المتّحدة بكفاحها ضد ختان الإناث، لا تكافح بسبب اللون أو الدين، ولكن لحماية النساء والأطفال من المضار الكثيرة لهذه الممارسة.
3) هل تقبل الأمم المتّحدة ممارسة ختان الذكور أو / والإناث لأسباب دينيّة على الأطفال؟ أو على البالغين بموافقتهم؟ مهما كان ذلك الدين: يهوديّة، أو إسلام، أو ديانة تقليديّة animism؟
الجواب: إني أشارك الأمم المتّحدة رأيها الطبّي فيما يخص ختان الذكور مهما كان دين الأطفال أو البالغين.
4) هل تقبل الأمم المتّحدة ختان الذكور أو / والإناث لأسباب ثقافيّة على الأطفال؟ أو على البالغين بموافقتهم؟ مهما كانت تلك الثقافة: غربيّة أو غير غربيّة؟
الجواب [فقط عن ختان الإناث]: إني أرفض ختان الإناث. ورفضي لمثل هذه الممارسة لا علاقة له بالثقافة. إن الأمم المتّحدة تعتبر كل خرق لسلامة جسد النساء والفتيات مع ما يلحقه من نتائج بسبب ختانهن هو خرق لحقوق الإنسان. وعليك في ذلك أن ترجع لإعلانات بكين أو القاهرة بخصوص النساء والسكّان. ويمكن لمركز حقوق الإنسان أن يرسل لك التقارير الخاصّة ببتر الأعضاء الجنسيّة للإناث.
5) هل تقبل الأمم المتّحدة بأن يجري الأطبّاء ختان الذكور أو / والإناث لأسباب دينيّة أو ثقافيّة (وليس لأسباب طبّية) على الأطفال؟ أو على البالغين بموافقتهم؟ لا يحق للأطبّاء بتر إصبع أو أذن سليمة حتّى ولو طلبها بالغ. هل ترى منظّمتكم بأن هذه القاعدة تنطبق أيضاً على ختان الذكور أو / والإناث؟
الجواب: إن جوابي لا يخص إلاّ ختان الإناث. إني أطالب بإلغاء هذه العادة تماماً. ولا يحق لأي طبيب أن يمارس ختان الإناث.
6) هل تقبل الأمم المتّحدة بأن تمنع القوانين ختان الذكور أو / والإناث وأن تعاقب عليه؟ حتّى وإن كان ذاك الختان لأسباب دينيّة أو ثقافيّة (وليس طبّية)؟ حتّى وإن كان المختون بالغاً؟ ما نوع العقاب الذي تقترحونه؟ وهل يعاقب أهل الطفل؟ أم المختون البالغ؟ أم الذي يجري الختان؟
الجواب: [فقط عن ختان الإناث]: يجب التعامل مع ختان الإناث، بسبب علاقته بالثقافة (فهو ليس عادة دينيّة)، بكل حِكمة. فالتربية والتعليم يجب أن يسبقا القوانين الجزائيّة لأنه قد لا تؤدّي هذه القوانين للنتائج المرجوّة وقد تقود الأهل إلى ممارسة ختان الإناث في السر. أمّا الأطبّاء، فإنه يجب معاقبتهم. ويجب ملاحظة أن الحكومة المصريّة قد أخذت قانوناً في هذا المعنى. وبخصوص المرأة التي تخضع بإرادتها للختان، وهذا لا يحدث كثيراً، فإن الأمر الوحيد الذي يمكن عمله هو تقديم المساعدة لها عند الحاجة.
7) هل تظن الأمم المتّحدة بأن للأهل الحق في إعطاء الموافقة بدلاً من أطفالهم القُصّر في إجراء عمليّة ختان الذكور أو / والإناث لأسباب دينيّة أو ثقافيّة (وليس طبّية)؟ وان كان الجواب نعم، فحتّى أي سن؟
8) بعض الجماعات تعتبر الكفاح ضد ختان الذكور أو / والإناث موقف إمبريالي، معادي للساميّة أو للإسلام أو للسود؟ هل تهتم منظّمتكم بمثل تلك الاتهامات؟ وما هو ردكم عليها؟ وهل سبق أن أتّهِمتم بذلك؟ ومن قِبَل من؟
الجواب على السؤالين [فقط عن ختان الإناث]: ما دام أن مكافحة ختان الإناث هو من مجال حماية الضحايا ومناهضة ممارسات مخالفة لحقوق الإنسان، يجب أن لا نعير أي اهتمام لما قد يظنّه شخص أو مجموعة من الأشخاص. ومكافحة ختان الإناث في أيّامنا تتم في نجاح. والذي يثبت أن الجماعة الدوليّة تسير على الطريق الصحيح هو أن الكلام عن ختان الإناث لم يعد من المحرّمات (تابو).
وقد بعثتُ في 14 فبراير 1997 للسيّدة المذكورة مقال لي ونصوص أخرى عن ختان الذكور والإناث مع رسالة هذا أهم ما جاء فيها:
إن أجوبتك ممتعة ولكني لا أشاركك الرأي وذلك لأسباب ثلاثة:
1) لا يحق المساس بسلامة جسد إنسان، ذكراً كان أو أنثى، مهما كانت ديانته، إلاّ لسبب طبّي حقيقي وحالي.
2) إن حجّة النظافة خديعة كبيرة. فالأسنان تُنظّف ولا تقلع إلاّ إذا كانت مسوّسة ولا يمكن حشوها.
3) صحيح أن الأطبّاء الأمريكيّين يمارسون ختان الذكور. ولكن هناك أيضاً أطبّاء وممرّضات أمريكيّون يناهضون هذه الممارسة لأنها منافية للأخلاق الطبّية. إن ممارسة اقتناء العبيد سابقاً في الولايات المتّحدة لا يبرّر العبوديّة.
إنني شخصياً أرفض ختان الذكور والإناث معاً. وأعتبر الأمم المتّحدة شريكة في الجريمة ضد الأطفال. وأرجوك أن تبلغي لجنتك بذلك.
وقد أشارت هذه المقرّرة لمرسلاتنا في تقريرها المقدّم للأمم المتّحدة في 1997 إذ تقول فيه:
«لقد بدأت بعض الجامعات ببحث هذه المشكلة بعمق أكثر. ففي بداية شهر يناير من عام 1997، على سبيل المثال، قدّم مدرّس في المعهد السويسري للقانون المقارن أسئلة للمقرّرة الخاصّة يود استعمالها كأساس لكتاب حول ختان الذكور والإناث. وقد أوضحت المقرّرة أن ختان الذكور ليس موضع اهتمام الأمم المتّحدة إذ إن فقط ختان الإناث يعتبر ضارّاً ويجب القضاء عليه. ولذلك ليس من المناسب عرض تحت نفس العنوان كل من ختان الإناث الضار بالصحّة وختان الذكور الذي ليس له آثار ضارّة، لا بل يعتبر مفيداً».
وفي تقريرها لعام 2000 تقول السيّدة حليمة الورزازي بأنها استلمت عدّة رسائل تدين ختان الذكور. ولكنها تأكّد على أن مهمّتها تنحصر في ختان الإناث. كما تدّعي أنه لا يمكن مقارنة أو مساواة الآثار الضارّة لختان الذكور بالعنف والخطر الذي تواجهه البنات والنساء. وتضيف بأن ختان الذكور يقلّل من احتمال انتقال مرض الإيدز من النساء إلى الرجال.
وقد قابلت في جنيف، في 12 يناير 1992، الدكتورة «ليلى مهرا»، رئيسة دائرة تخطيط العائلة والسكّان في قسم صحّة العائلة التابع لمنظّمة الصحّة العالميّة وسألتها عن سبب سكوت منظّمتها عن ختان الذكور. وكان ردّها: «إن ختان الذكور جاء في التوراة. هل تريد أن تخلق لنا مشاكل مع اليهود؟» وقد أرسلت لهذه المنظّمة نفس الأسئلة التي أرسلتها للأم المتّحدة. ولكنّها رفضت الإجابة عن أسئلتي رغم إلحاحي الشديد عليها مكتفية بإرسال منشوراتها عن ختان الإناث والقول بأن منظّمة الصحّة العالميّة ليس لها موقف من ختان الذكور. وأمام رفض المركز الرئيسي في جنيف الإجابة على أسئلتي، اتجهت إلى المكتب الإقليمي لشرق المتوسّط في الإسكندريّة. فأرسل لي عدّة وثائق بخصوص ختان الإناث ولكن دون أي ذكر لختان الذكور. وقد أعدت الأسئلة عدّة مرّات وكانت النتيجة نفسها. ثم طلب منّي بأن أتحمّل تكاليف الإجابة على هذه الأسئلة إذا أردت ذلك. فأجبته بأن أسئلتي يمكن اختصارها بسؤال واحد ولا حاجة لتضييع الوقت في الرد على كل الأسئلة. وهذا السؤال هو كما يلي: لقد أخذت منظّمة الصحّة العالميّة موقفاً من ختان الإناث ولكنّها لم تأخذ موقفاً من ختان الذكور. فهل هناك موقف لها في هذا الخصوص، وإن لم تأخذ موقفاً، فلماذا؟» وقد جاء الرد كما يلي:
«لقد رُفعت لي مراسلاتك مع السيّد الدكتور حافظ، رئيس قسم حماية الصحّة، والدكتور مهيني، المستشار الإقليمي عن صحّة الإنجاب والعائلة والجماعة. أريد أن أخبرك بأنهما قد تعاملا معك بكل ثقة ظانّين بأنك تقوم بدراسة جدّية. ولكن بعد أن وضحت لنا مساعيك، نشير إليك بأن منظّمة الصحّة العالميّة تمد مساعدتها لجميع البلاد والجماعات مظهرة احتراما كبيراً لعادات الشعوب ومعتقداتها. فهي لا تقبل أيّة محاولة للتهجّم على المعتقدات الدينيّة لأيّة طائفة. ولذلك لا نريد أن يكون لنا أيّة علاقة مع مشروعك أو كتاباتك. وسوف نقطع كل المراسلات معك. وهذه هي خاتمة الموضوع».
وقد أرسلت نفس الأسئلة إلى مكاتب منظّمة «اليونيسيف» في نيويورك وجنيف والأردن ومصر ولم يصلني أي رد من هذه المنظّمة على أسئلتي.
من الواضح من هذه الأجوبة ان الدين والسياسة تعلب دورا كبيرا في التفريق بن ختان الذكور والاناث. فختان الذكور له وجود في التوراة التي تفرضه على كل ذكر يهودي، بينما لم يأتي ذكر لختان الاناث فيها. ومن جهة اخر ختان الذكور يمس اليهود مما يجعل الهجوم عليه أمرا حساسا للغاية. فمن المؤكد بأن أي منظمة دولية تقوم بنقد ختان الذكور سوف تتهم بمعادات السامية وتجبر على التراجع أو اقفال مكاتبها.
نقرأ في كتابك أنه لا يمكن القضاء على عادة ختان الإناث دون مكافحة ختان الذكور في نفس الوقت؟
العائلات التي تمارس ختان الاناث تمارس أيضا ختان الذكور وتطلق على هذه العملية اسم الطهارة. فهي تعتبر ان كل من الختانين طهارة للذكور كما هو طهارة للإناث. فكيف يمكنك ان تقنعها بترك طهارة الإناث بينما تسمح لها بممارسة طهارة الذكور؟ وهناك كتابات تشير بصورة واضحة ان طلب الغرب التوقف عن ختان الإناث القصد منه ابقاء شهوة الإناث قوية حتى يتم التمتع بهن من قبل الغربيين. فالقصد من وراء مكافحة ختان الاناث ينظر اليه بأنه مساندة للرذيلة.
هل لختان الذكور منفعة صحية كما يروج له المسلمون واليهود؟ وهل الغلفة غلطة من الطبيعة أم هم يريدون إخفاء طبيعته الدينية، الطقسية؟
في الواقع انه هناك فائدتين صحيتين لكل من ختان الذكور والاناث لا يمكن انكارهما ويلعبان دورا مهما في ممارسة هاتين العادتين. الفائدة الأولي ان ختان الذكور والاناث ينقص من وزن المختون والمختونة، والفائدة الثانية أن ختان الذكور والاناث يزيدان من ثقل جيب الطبيب ومن يقوم بهذه العملية.
حاول مؤيّدو ختان الذكور والإناث عبر التاريخ إثبات أن للختان فوائد صحّية، منتقلين من حجّة إلى أخرى، مغتنمين الأمراض التي تزرع الرعب في قلوب الناس، آخرها الادعاء أن الختان يقي من مرض الإيدز. ويرد عليهم المعارضون بأن هذه الفوائد مزعومة وهي على كل حال لا تضاهي الأضرار الناتجة عن الختان، ولذلك لا تبرّره.
وما هي تلك المنافع المزعومة، هل هي تلك المتعلقة بالحفاظ على النظافة؟
إن كانت التوراة لا تتضمّن حجّة النظافة، إلاّ أنه من غير المستبعد أن تكون النظافة السبب الأكثر احتمالاً لممارسة الختان في القديم. وقد أشار هيرودوت إلى علاقة الختان بالنظافة عند المصريّين القدامى. فهو يقول: «بينما كل شعوب الأرض تبقي على الأعضاء التناسليّة كما هي، فإن المصريّين ومن تعلم منهم يمارسون عادة الختان». ويضيف «بأنهم يمارسون الختان حفظاً للنظافة، لأن النظافة عندهم أولى من الجمال». ثم يشرح كيف أنهم كانوا مثابرين عليها. فهم يشربون بأكواب من النحاس يغسلونها جميعها كل يوم ويلبسون ثياباً من الكتان نظيفة. والكهنة منهم كانوا يحلقون أجسادهم كل يومين حتى لا يبقى عليهم قمل أو نجاسات أخرى. وقد ذكر المؤلف اليهودي «فيلون» كلاماً مشابها عن علاقة الختان بالنظافة عند المصريّين القدامى.
ليس في القرآن أي ذكر لختان الذكور والإناث. إلاّ أن بعض الأحاديث المنسوبة للنبي محمّد تذكرهما. ورغم تشكيكنا في صحّتها، إلاّ أنها توضّح أن عند واضعيها هناك علاقة بين الختان والنظافة. فأحد تلك الأحاديث يقول: «الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط». وعلق ابن العربي على هذا الحديث: « [...] أمّا الختان فلنظافة الغلفة عمّا يجتمع من أذى البول فيها». ويقول ابن قيّم الجوزيّة: «وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم، وله بالغرلة اتصال واختصاص».
ويفرّق الكتاب المسلمون عامّة بين ختان الذكور وختان الإناث في موضوع النظافة. فالشيخ محمود شلتوت يقول إن ختان الذكور قد أعتبر سُنّة لأنه به تتم النظافة والطهارة. «أمّا الإناث فلعدم تحقّق هذا الاعتبار الصحّي فيهن فقد نزل الحُكم فيهن عن درجة السُنّية إلى درجة المَكرُمَة». ولكن الدكتورة نور السيّد رشاد ترى ضرورة ختان الإناث بقطع غلفة البظر لأن هذا الغشاء «يشبه الجراب، ممّا يجعله دائماً غير نظيف، نتيجة لدخول بعض الإفرازات المهبليّة وجزء من البول وتراكمها فيه، وهذه الإفرازات وبقايا البول تكوّن بيئة ملائمة لنمو وتكاثر أنواع عديدة من البكتيريا والفطريّات». وتشير المؤلفة «لايتفوت كلاين» أن هناك اعتقاداً في الأوساط الشعبيّة السودانيّة بأن عدم الختان يجعل الفرج وسخاً ومليئاً بالديدان.
حجّة النظافة هي أحد الأسباب الرئيسيّة التي يتذرّع بها مؤيّدو الختان في الغرب. وهي وراء كل ادعاءاتهم الأخرى بأن الختان يمنع تفشّي الأمراض. فهم يرون أنه يصعب تنظيف القضيب إذا ما بقي على حاله. وعدم النظافة تؤدّي إلى تراكم المادّة المرطبة التي تصبح مرتعاً لجراثيم الأمراض الجنسيّة وسرطان عنق القضيب ومجرى التبوّل والبروستاتة وقد تصل إلى سرطان عام للقضيب. وعدم إمكانيّة النظافة تعني ضرورة بتر الغلفة. ولكن هذا الادعاء يخالفه الواقع حيث إن معظم رجال العالم غير مختونين، وهم لا يعانون من العاهات المذكورة. فلو كان الأمر كذلك لختنهم أطبّاء دولهم. ودولة مثل بريطانيا التي تركت الختان لم ترى ضرراً في ذلك ولم ترجع إلى ممارسته.
ويرى معارضو ختان الذكر أن ربط الختان بالنظافة في الغرب هو تعبير عن احتقار الأطبّاء للنساء. فرغم الحمّام اليومي في الولايات المتحدة في أيّامنا وتواجد وسائل النظافة المتعدّدة، إلاّ أن الختان ما زال منتشراً في هذا البلد. فالأطبّاء يعتبرون أن النساء غير قادرات على الحفاظ على نظافة أعضائهن الجنسيّة والأعضاء الجنسيّة لأطفالهن. وقد خلق موقف الأطبّاء هذا عند المرأة تخوّفاً من عدم مقدرتها بالقيام بتلك المُهمّة ممّا جعلها تقبل إتمام الختان على طفلها لكي تعفى من تلك المُهمّة.
يذهب مؤيدو ختان الذكور والاناث حتى إلى القول بأنه يضمن وقاية من بعض الأمراض الفتاكة كمرض فقدان المناعة أو الايدس. فماذا تقول؟
يذكر المؤلف اليهودي «فيلون» أن الختان يقي من مرض مؤلم يصعب شفاؤه يصيب الغلفة يدعى مرض «الفحم»، ويسبّب التهابات مستديمة تصيب غير المختونين. وفي مكان آخر، يقول إن الختان يمارس في المناطق الحارّة بين اليهود والمصريّين والعرب والأثيوبيين وتقريباً بين كل الذين يسكنون المناطق الجنوبيّة حيث الحرارة الشديدة. فالغلفة التي تحيط بالعضو التناسلي تسخن فتلتهب وتتجرّح، بينما إذا قطعت، فإن العضو التناسلي يتهوّى بتعريته، ممّا يبعد الأمراض. فالذين يسكنون المناطق الشماليّة والمناطق التي تكثر فيها الرياح لا يمارسون الختان لأن الحرارة أقل، ممّا يقلل من الأمراض. ويعطي برهاناً على ذلك أن الأمراض التي تصيب الأعضاء الجنسيّة تتفشى في الصيف وليس في الشتاء.
وقد اقترح الأطباء الغربيون أمام الأمراض التي لم يتمكنوا من شفائها إجراء العمليّات الجراحيّة بما فيها ختام الذكور والإناث. ويجب هنا الإشارة إلى نشاط جمعيّة ما بين عام 1890 و1920 في الولايات المتحدة تدعى «جمعيّة جراحة الفتحات»، أسّسها الجرّاح «برات» في مستشفى بـشيكاغو. وكانت هذه الجمعيّة تمرّن على الجراحات التي تجرى على فتحات الجسم التي تقع تحت الخصر. وقد نشر مؤسّسها كتاباً عام 1890 أعيد طبعه عام 1925 يقول فيه إن ختان الإناث ضرورة كما هو الأمر في ختان الذكور. وكانت تلك الجمعيّة تصدر مجلة متخصّصة وتضم مئات من الجرّاحين وأخصّائي العظام وخبراء تقويم العمود الظهري، وقد أجروا عمليّات على آلاف المرضى. ونجد في مجلة تلك الجمعيّة مقالات حول عمليّات ختان الذكور والإناث أجريت للشفاء من أمراض مثل الصداع وانحناء الناتئ العظمي ومرض المفاصل والاستسقاء الدماغي. وقد علق بعضهم على أن 60% من الجنون صادر عن وضع غير طبيعي للأعضاء الجنسيّة. وفي أحد تلك المقالات نقرأ أن اليهود قليلاً ما يصابون بمرض المفاصل وسبب ذلك أنهم يختنون. ولم يكتف الغرب باللجوء إلى الختان للوقاية من أمراض يجهلون سببها، بل اقترحوا إجراء ختان الأطفال في الصغر للوقاية من الختان الذي قد يضطر لإجرائه في الكبر لعلاج أمراض قد تصيبه. فبما أنه لا بد من إجراء العمليّة يوماً ما، من المفضّل إجراؤها بأسرع وقت ممكن باعتبار أن الأطفال أقل إحساساً للألم. وهذه الحجّة ما زالت تردّدها الكتب والمقالات الطبّية والشعبيّة.
لقد أثر الفكر الغربي على الأطبّاء العرب منذ القرن الماضي. فقد أعاد علينا الطبيب المصري صالح صبحي التبريرات الغربيّة بخصوص ختان الإناث في كتابه الذي ألفه بالفرنسيّة عام 1894 عن رحلة الحج التي كان مشرفاً طبّياً عليها في ذاك الوقت: «إن ختان الإناث هو قطع البظر. والهدف الرئيسي والوحيد هو الوقاية من الهستيريّة. وهذا المرض نادر في الدول التي تمارس هذا الختان، كما تبيّنه لنا التجربة كل يوم. فالحساسيّة الشديدة للبظر، بإشعاعها من خلال نظام الشرايين، يمكن أن تسبّب أمراضاً مختلفة خطيرة قد تصيب المبيضين وتجعل المرأة عاقراً. وقد تصيب الرئتين والقلب. وإذا ما انتقلت إلى المعدة فإنها تسبّب لها الاضطرابات كالمغص وفقدان الشهيّة والتقيؤ. وإذا ما أصابت الأمعاء، فقد تسبّب الإسهال أو الإمساك. وفي بعض الحالات تنتقل إلى المخ وتؤدّي إلى اضطرابات عصبيّة والجنون. وإذا أصابت العصب السمبتاوي، فإنه يؤدّي إلى اضطرابات في حيويّة الأنسجة والى تعب عام ينتهي بموت بطيء».
وهذا الطبيب يوصي بممارسة ختان البنات في جميع المجتمعات مهما كانت ديانتها، وخاصّة في العائلات المصابة بأمراض وراثية مثل الصرع، والهستيريا، والجنون، لتقليل احتمالات الإصابة بهذه الأمراض أو القضاء عليها. وأمّا بخصوص الآلام التي تسبّبها هذه العمليّة، فهو يؤكد بأنها ليست بالدرجة التي تظن. فالبنت المختونة تعود إلى حالتها المعتادة بعد ستة وثلاثين ساعة.
هذا ويمكن القول بأن قليلاً من الأمراض لم تنسب في وقت أو آخر إلى عدم ختان الذكور والإناث، أو اعتُبِر الختان وسيلة للوقاية منها. ولكن تم في كل عصر التركيز على الأمراض التي تبث الرعب في النفوس، فأنتقل مؤيّدو الختان من الاستمناء وعواقبه التي ذكرناها إلى الأمراض الجنسية، فالسرطان، فالإيدز.
كثيرا ما يردد أيضا أن هدف ختان الذكور والإناث هو للوقاية من الأمراض الجنسيّة. هل هناك دراسات علمية أثبتت ذلك أم هو مجرد تلبيس طقس ديني جبة عقلانية؟
بين يدينا كتابان للطبيبين العربيين المسلمين حسّان شمسي باشا ومحمّد علي البار تعرّضاً للختان كوسيلة للوقاية من الأمراض الجنسيّة. وهذان الطبيبان يعتمدان كلياً على الكتابات الغربيّة المؤيّدة لختان الذكور، وليس فيهما أيّة إشارة إلى الآراء المعارضة. ونكتفي هنا بذكر فقرة من كتاب الدكتور حسّان شمسي باشا: «لا شك في أن كل الأمراض الجنسيّة أكثر شيوعاً عند غير المختونين منها في المختونين. فقد عدّد الدكتور «فينك» الذي ألف كتاباً عن الختان وطبع عام 1988 في كاليفورنيا في الولايات المتحدة أكثر من 60 دراسة علميّة أثبتت جميعها ازدياد حدوث الأمراض الجنسيّة عند غير المختونين».
وقد زرعت الأمراض الجنسيّة في القرن التاسع عشر قَبل اكتشاف الجراثيم الرعب في الغرب. وكانت تعتبر جزاءاً إلهياً ضد الأعمال السيّئة، حتى أن بعض الأطبّاء رفضوا مداواتها. وقد نُشرت عنها الكثير من الدراسات، من بينها تلك التي صدرت عام 1855 وعنوانها «تأثير الختان على الوقاية من الزهري». وقد بيّنت هذه الدراسة التي تمّت على مستشفى في لندن أن اليهود، بين جميع الطوائف الدينيّة، أقل تعرّضاً لتلك الأمراض التناسليّة كالزهري والتقرّح. وبما أن اليهود كانت المجموعة الوحيدة التي تمارس الختان بصورة واسعة، استنتجت تلك الدراسة أن الختان يقي من الأمراض الجنسيّة. وقد تم نشر هذه الدراسة في المجلاّت الطبّية خارج إنكلترا كما استعملت أمام المحاكم كإثبات على ضرورة الختان. فقد رفض طبيب يهودي من فينا ممارسة الختان على ابنه عام 1857. فتدخّل الحاخام «جوزيف هيرشفيلد» مقدّماً الدراسة المذكورة ليبيّن أنه يحق حرمان الأب من ولايته على ابنه وتسليمه لرجال الدين اليهود. وهكذا تم ختان الولد رغماً عن والده. وقد توصّلت دراسة أمريكيّة في عام 1884 إلى نتيجة مماثلة بينما كان المرض يتفشى هناك.
ولم يفكر أحداً حين ذاك في أسباب أخرى تفسّر عدم انتشار مثل هذا الوباء بين اليهود. ومن بين هذه الأسباب نذكر انعزال اليهود عن المحيط العام في «الجيتو» اليهودي الذي كان بمثابة حجر صحّي (كرنتينا) تحميهم من سريان تلك الأوبئة، والعلاقات العائليّة اليهوديّة المنغلقة. ويشار إلى أن القانون في القرون الوسطى كان يمنع العاهرات المسيحيّات من ممارسة الجنس مع اليهود ويعاقب بالموت كل من العاهرة واليهودي.
أدّى عدم النظر في هذه المعطيات وجهل الأطبّاء لأسباب الأمراض الجنسيّة إلى تبنّي خرافة أن الختان يقي من تلك الأمراض. وما زالت الكتابات الغربيّة تتناقل هذه الخرافة. وقام مؤيّدو الختان بإضافة تفسيرات طبّية لتثبيتها إذ اعتبروا أن الغلفة تخبئ المادّة المرطبة التي تصبح مرتعاً للجراثيم. وبإزالة الغلفة يسهل تنظيف القضيب وتُقوَّى الحشفة ممّا يجعل انتقال الجراثيم داخلها صعباً. وقد روّج لمثل هذه النظريّة الدكتور «ايجين هاند» من البحرّية الأمريكيّة في محاضرة ألقاها عام 1947 أمام «الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة» آخذاً بالاعتبار الجنود في الحرب العالميّة الثانية، قال فيها إن الأمراض التناسليّة والسرطان عند اليهود أقل بكثير ممّا عند الزنوج والبيض غير المختونين.
وقد اغتنم الطبيب اليهودي «ابراهام رافيتش» هذه النظريّة فأصدر كتاباً عام 1973 عنونه «الوقاية من الأمراض التناسليّة والسرطان بواسطة الختان». وهذا الطبيب يرى ضرورة أن يفرض الختان على الجميع كما تُفرض اللقاحات. وهو يدافع عن تمزيق الغلفة بالأظفر كما تجرى عند اليهود لأن ذلك حسب رأيه يؤدّي إلى نزيف أقل من القطع. وهناك أغلاط كثيرة في هذا الكتاب قليلاً ما تعرّض لها المؤلفون، لا بل إن كثيراً من الأطبّاء ما زالوا يستعملون هذا الكتاب كمرجع في موضوع الختان.
ويشار هنا إلى أن ما يكتب في الغرب حول علاقة الختان بالأمراض التناسليّة يدور حول ختان الذكور رغم أن تلك الأمراض تصيب الإناث أيضاً. وهي أشد سطوة عندهن ممّا عند الذكور لأنها لا تظهر دائماً للعيان كما عند الذكور، بل تكون داخل أعضائهن التناسليّة، وهن بدورهن قد يُعدن شريكهن. فإن كان الأمر صحيحاً، فكان يجب أيضاً ختان الإناث وإزالة أعضائهن الجنسيّة. والحل للأمراض الجنسيّة هو مداواتها وليس بتر الأعضاء السليمة.
وماذا تقول للذين يروجون أن ختان الذكور والإناث يقي من مرض السرطان؟
يرى مؤيّدو ختان الذكور عند المسلمين أنه يقي من السرطان. فبعد أن بيّن أن ليس لختان الذكور والإناث دليل منقول من القرآن والسُنّة، رأى الشيخ محمود شلتوت بأن ختان الذكور، خلافاً لختان الإناث، فيه «مصلحة تربو بكثير عن الألم الذي يلحقهم بسببه. ذلك أن داخل «الغلفة» منبت خصيب لتكوين الإفرازات التي تؤدّي إلى تعفن تغلب معه جراثيم تهيئ للإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض الفتاكة. ومن هنا، يكون الختان طريقاً وقائيّاً يحفظ للإنسان حياته. ومثل هذا يأخذ في نظر الشرع حُكم الوجوب والتحتيم». هذا وقد توسّع الدكتور حسّان شمسي باشا في نقله عن المصادر الغربيّة المؤيّدة لختان الذكور، وخاصّة من كتابات الطبيبين «شووين» و «وايزويل»، وهما من كبار المؤيّدين لختان الذكور الشامل في الولايات المتحدة. وقد تجاهل الدكتور باشا وغيره من المسلمين آراء المعارضين في هذا المجال. وبعض مؤيّدي ختان الإناث يرون فيه أيضاً وسيلة لحمايتهم من السرطان.
وفي الغرب بدأت النظريّة القائلة بأن الختان يقي من السرطان بمقال كتبه الطبيب اليهودي الأمريكي «ابراهام وولبارست» عام 1932 معتمداً على حديث أجراه مع مسؤولين في أربع مستشفيات في الهند حول معدّلات السرطان هناك. وقد ادّعى هذا الطبيب أن السبب في سرطان القضيب هو وجود المادّة المرطبة تحت الغلفة. وبإزالة الغلفة بالختان، فإنه يتم التخلص من هذه المادّة. واستنتج أن الختان هو سبب حماية اليهود من هذا الداء.
وقد أضاف الطبيب اليهودي «ابراهام رافيتش» عام 1942 إلى تلك النظريّة أن ختان الذكور يحمي أيضاً من سرطان البروستاتة وعنق الرحم. وهذا الطبيب كان يعمل في مستشفى «إسرائيل صهيون»، أحد أكبر الداعين لإجراء الختان على الأطفال بصورة شاملة. وقد أعاد الطبيب «ايجين هاند» هذه النظريّة في محاضرة ألقاها عام 1947 أمام الجمعيّة الطبّية الأمريكيّة آخذاً بالاعتبار الجنود في الحرب العالميّة الثانية، مدّعياً أن الأمراض التناسليّة والسرطان عند اليهود أقل بكثير من الزنوج والبيض غير المختونين. وكرّر «ابراهام رافيتش» نظريّته في مقال آخر عام 1951 عنونه «الوقاية من سرطان البروستاتة والقضيب وعنق الرحم بواسطة الختان» مدّعياً أن 32000 شخص يتوفون سنوياً من السرطان الناتج عن الغلفة. ولذا يجب إجراء الختان بصورة عامّة على جميع الأطفال.
ومجمل ما تقوله هذه النظريّة هو أن اليهود أقل من يصاب بسرطان القضيب والرحم لأنهم يختنون في اليوم الثامن. ثم يأتي بعدهم المسلمون، لأنهم يختنون بعد اليوم الثامن. ثم يلحق بهم غير المختونين. وقد تم تكرار هذه النظريّة في مقالات تعتمد على مقالات تسبقها كلها تعود إلى ما كان قد كتبه «ابراهام وولبارست» عام 1932. وأصحاب هذه المقالات هم أفراد يهود أو ذوو نزعة يهوديّة وتعتمد على معطيات مغلوطة لأسباب عقائديّة دينيّة وليست علميّة. فهي ترى دون إثبات أن المادّة المرطبة هي التي تسبّب السرطان، وتعتمد على أرقام مبالغ فيها أو غير موثوق بها، وقد فنّدت الجمعيّات الطبّية تلك النظريّة. والوقاية بالختان أخطر من الداء وليست أخلاقيّة، فهناك وسائل أخرى للوقاية أنجع وأخف من الختان. وهذا ما سوف نراه في النقاط التالية.
هذا ويتهم مؤيدو الختان المادّة المرطبة بأنها المسؤولة عن تكوين السرطان، وبالختان يتم إزالة الغلفة التي تختبئ داخلها هذه المادّة. وحقيقة الأمر أن لا علاقة بين تلك المادّة والسرطان. فقد قام بعض الباحثين بتجارب على الحيوانات التي تفرز المادّة المرطبة مثل الإنسان. كما قام البعض بإدخال المادّة المرطبة البشريّة أسبوعياً لمدّة تتراوح بين سنة وثلاث سنين في رحم إناث القردة والفئران ولم يكتشف أي تأثير لها في تكوين سرطان عنق الرحم. بينما عندما وضعت مادّة مولدة للسرطان كانت النتيجة أن الحيوانات أصيبت بسرطان عنق الرحم. وتوجد المادّة المرطبة عند الذكر كما عند الأنثى بين غلفتها وبظرها، كما أنها موجودة عند كل الحيوانات اللبونة، ذكوراً وإناثاً. وإن صح أن المادّة المرطبة تسبّب السرطان، يعني ذلك ضرورة ختان الإناث بصورة روتينيّة كما تفعل بعض الشعوب مع الذكور، وضرورة ختان جميع تلك الحيوانات لحمايتها من السرطان. ولكن لا يجرؤ أحد على تقديم اقتراح مثل هذا.
ولو كان صحيحاً أن المادّة المرطبة عند الذكر هي التي تسبّب السرطان فإن نسبة سرطان القضيب يجب أن تكون أعلى عند غير المختونين من نسبة سرطان عنق الرحم لأن المادّة المرطبة في اتصال متواصل بالقضيب. ولكن الأرقام تشير إلى عكس ذلك تماماً. ففي عام 1977 سجّلت الولايات المتحدة 20.000 وفاة بسبب سرطان البروستاتة و7.600 وفاة بسبب سرطان عنق الرحم مقابل 225 وفاة بسبب سرطان القضيب.
وقد أكدت الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال منذ قرارها لعام 1975 بأنه لا يوجد سبب طبّي قاطع لإجراء عمليّة الختان بصورة روتينيّة للأطفال حديثي الولادة. وأضافت بأن الختان قد يقي من سرطان القضيب، ولكن نظافة القضيب غير المختون تقي أيضاً من ذلك المرض. وقد أكدت بأنه لا يوجد إثبات بأن عدم ختان الذكر يؤدّي إلى ارتفاع في الإصابة بسرطان الرحم عند المرأة التي يمارس معها الجنس. وقد جاء في رسالة بعثت بها الجمعيّة الأمريكيّة للسرطان إلى الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال بتاريخ 16 فبراير 1996: «كممثلين عن الجمعيّة الأمريكيّة للسرطان نود أن نصد الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال عن تشجيع ختان الذكور الروتيني كوسيلة للوقاية من سرطان القضيب أو سرطان عنق الرحم. فالجمعيّة الأمريكيّة للسرطان لا تعتبر الختان الروتيني وسيلة ناجعة أو فعّالة للوقاية من مثل هذه السرطانات... إن اعتبار الختان الروتيني وسيلة فعّالة للوقاية تشتت الجموع عن واجب تفادي التصرّفات المثبتة والتي تساعد على نشوء سرطان القضيب وسرطان الرحم خاصّة التدخين والعلاقات الجنسيّة غير المحميّة مع عدد من الشركاء الجنسيين. إن تخليد الاعتقاد المغلوط بأن الختان يقي من السرطان أمر غير مناسب».
والختان لعلاج ضيق الغلفة وضيق الغلفة الخلفي؟
يرى مؤيّدو ختان الذكور ضرورة إجراء هذه العمليّة بسبب ضيق الغلفة phimosis وضيق الغلفة الخلفي paraphimosis محاولين رسم صورة مرعبة لهاتين الحالتين.
نقرأ عند الطبيب العربي الشهير الزهراوي (توفى عام 1036) ما يلي: «وأمّا التصاق الغلفة بالكمرة وهذا الالتصاق إنّما يحدث فيمن كانت غلفته صحيحة ولم يجب عليه اختتان وقد يعرض التصاقها من قِبَل جرح أو ورم، فينبغي أن تسلخها بمبضع أفطس حتى ينحل الرباط وتتخلص الكمرة من كل جهة. فإن عسر تمييزها على الاستقصاء فينبغي أن تسلخ شيئاً من الكمرة ومن الغلفة وذلك أن الغلفة رقيقة فربّما انثقبت لرقّتها سريعاً. ثم فرّق بين الغلفة والكمرة بخرقة كتان رقيقة قد بلت في ماء بارد لئلاّ تلتصق أيضاً، ثم يعالج بشراب قابض حتى تندمل».
الظاهرة التي وصفها الزهراوي يطلق عليها اليوم اسم «ضيق الغلفة». وعلى العكس من أطبّاء عصرنا الذين يسارعون باقتراح الختان، فإن الزهراوي يتفادى هذه العمليّة ويقترح بدلاً منها سلخ الغلفة عن الكمرة والتفريق بينهما. وقد أثار تصرّف الزهراوي هذا تعجّب الدكتور «سعيد مستيري» في ترجمته الفرنسيّة لكتابه. فيقول: «نتساءل هنا لماذا في حالات ضيق الغلفة التي تتواجد خاصّة عند غير المختونين لا يقترح الزهراوي فقط الختان الطقسي أو عمليّة مشابهة». واقتراح الختان للوقاية من ضيق الغلفة وعلاجها نجده في الكتابات الطبّية العربيّة الحديثة.
وقد اعتبر الأطباء الأمريكان أن ضيق الغلفة يؤدّي إلى أمراض كثيرة مثل الفتق وصعوبة الهضم والتهابات المثانة وعدم الرشاقة والشلل والصرع. وقد نصح الطبيب اليهودي الأمريكي «لويس سيير» (توفى عام 1900) بأن يتم فحص كل طفل عند ولادته وبتر غلفته إذا ما تبيّن أنه مصاب بضيق الغلفة. وقد نشر مئات من الأطبّاء الأمريكيّين دراسات لتؤكد على صحّة نظريّات هذا الطبيب معتبرين أن ضيق الغلفة هو السبب في الاستمناء والتشنّج والشلل والتواء القدم وانتشار البثور وصعوبة الهضم والإسهال المستعصي والتبوّل اللاإرادي وعدم إمكانيّة التحكم في الأطراف وسرعة الغضب والعصبيّة والبلاهة والفتق والسكري والصرع والهزال وسقوط المستقيم. وقد أضيفت أمراض أخرى على هذه الأمراض سنة بعد سنة إلى أن أخرج الدكتور اليهودي «ابراهام وولبارست» للناس نظريّته المشهورة عام 1932 بأن ضيق الغلفة يسبّب السرطان.
وفي عام 1949نشر الدكتور البريطاني «دوجلاس جيرتنر» مقال شهير تحت عنوان «مصير الغلفة» قلب فيه كل تلك النظريات. فقد تبيّن لهذا الطبيب من خلال مراقبة 100 طفل حديثي الولادة و200 طفل تصل أعمارهم حتى خمس سنين أن ظاهرة عدم رجوع الغلفة إلى الخلف وطولها عند الأطفال أمر طبيعي وليس مرضي. وقد وجد أن 4% من الأطفال يمكن شد غلفتهم عند ولادتهم، وارتفعت هذه النسبة إلى 90% في عمر ثلاث سنين. ويمكن شد كل الغلفات تقريباً إلى الخلف بقوّة ولكن ذلك قد يؤدّي إلى جروح وتقيّحات. وقد اعتبر الدكتور المذكور الأطفال تحت الخامسة طبيعيين في حالة عدم إمكانيّة شد الغلفة إلى الخلف، وأنه يمكن شد الغلفة بسهولة بعد سن الخامسة دون إجراء عمليّة جراحيّة. وهكذا استطاع هذا الطبيب كسر خرافة فوائد الختان. وعلى أساس هذه الدراسة قرّرت هيئة «الخدمة الصحّية البريطانيّة» عدم تغطية مصاريف ختان الأطفال، ممّا أدّى إلى هبوط كبير في معدّلاته في ذلك البلد.
وجاء بعد ذلك الطبيب الدانماركي «جاكوب اوستير» فأجرى عام 1968 بحثاً على 1968 طفلاً من أطفال المدارس تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 17 السنة وقد بيّن هذا الطبيب غلط خرافة ضيق الغلفة التي كان على أساسها يجرى ختان الذكور. وقد أوضح أن التصاق الغلفة تطوّر طبيعي قد يستغرق عقداً كاملاً من العمر لفصل الغلفة عن الحشفة، وأن كل محاولة لإجبار الغلفة على الانفصال عن الحشفة يؤدّي إلى مضاعفات طبّية بالنسبة للغلفة التي لم تكتمل بعد. وقد لاحظ أن عدم رجوع الغلفة إلى الخلف موجود في 8% من الأطفال بين عمر 6-7 سنين، و6% من الأطفال بين عمر 8-11 سنة، و3% من الأطفال بين عمر 12-13 سنة. وبيّن أن التصاق الغلفة بالحشفة ينتهي تدريجيّاً. وقد رأى أن ثلاث حالات فقط استوجبت الختان. وهو يعتبر أنه كان من الممكن تفادي الختان في هذه الحالات الثلاث لو أن الغلفة لم تمط بشدّة. أي أن الختان قد تم في هذه الحالات لإصلاح خطأ طبّي. ممّا يعني بأن القول بضرورة الختان لتفادي ضيق الحشفة قول مغلوط.
وهذه الحقائق التي كشف عنها الطبيبان البريطاني والدانماركي لم تلق طريقها إلى الولايات المتحدة حيث استمر ختان حديثي الولادة بمعدّل 90% في بعض المناطق. ولكنّها أثرت على تشخيص ضيق الغلفة من قِبَل الأطبّاء الأوروبيين واليابانيين الذين فرّقوا ما بين ضيق الغلفة المرضي، وضيق الغلفة الطبيعي. وضيق الغلفة المرضي هو ذلك الضيق الناتج عن وجود ندوب وتصلب في رأس الغلفة وتظهر من خلال التحليل البكتريولوجي بأنه مصاب بالتهاب جاف.
وفيما يخص «ضيق الغلفة الخلفي» يرى طبيب معارض لختان الذكور أن هذه الحالة النادرة جدّاً تنتج في حقيقة الأمر بسبب جهل الطبيب أو الممرّضة أو الأم الذين يحاولوا شد غلفة الطفل لإرجاعها بالقوّة خلف الحشفة. فهذا التصرّف بحد ذاته مغلوط ويؤدّي إلى تورّم الحشفة. واللجوء إلى الختان في هذه الحالة هو غلطة إضافيّة لأن قطع الغلفة يؤدّي إلى فقدان الحماية للحشفة. لذا بدلاً من قطع الغلفة، يجب كبس الحشفة بين الإبهام والسبّابة وإرجاع الغلفة عليها. ويذكر طبيب آخر بأن ضيق الغلفة الخلفي ليس مرض ولكن ناتج عن التصرّف المتعسّف بغلفة الطفل من قِبَل أطفال تم تعليمهم بأنه عليهم شد الغلفة إلى الخلف دون إرجاعها إلى الأمام بعد ذلك. ويحدث ذلك عند الأولاد الأكبر سنّاً في حالة المراهنة. ويمكن حل هذه المشكلة من خلال شق الغلفة. والختان ليس ضروريّاً عمله إلاّ في الحالات التي يتكرّر فيها هذا الوضع.
والختان لعلاج التهاب المسالك البوليّة. هل هو خرافة ايضا؟
نقل الدكتور حسّان شمسي باشا في كتابه «أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث» فقرات مطوّلة عن أبحاث جرت خاصّة في الولايات المتحدة نقتبس منها ما يلي: «أكدت العديد من الدراسات الحديثة المنشورة عام 1989 أن احتمال حدوث التهاب المسالك البوليّة عند الأطفال غير المختونين يبلغ 39 ضعف ما هو عليه عند المختونين. ففي دراسة أجريت على أكثر من 400.000 طفل وطفلة خلال عشر سنوات وجد الدكتور «وايزويل» وزملاؤه ارتفاع نسبة التهاب المسالك البوليّة عند الأطفال الذكور وذلك نتيجة لحدوث الالتهاب عند الأطفال غير المختونين. وقد قدّر الباحثون أنه لو لم يجر الختان في الولايات المتحدة فإنه ستكون هناك عشرون ألف حالة أخرى من التهاب البويضة والكلية سنوياً».
ونجد أقوالاً مشابهة عند الدكتور محمّد علي البار. وكلا الطبيبين يعتمدان على كتابات مؤيّدي ختان الذكور، وخاصّة الدكتور «وايزويل»، أحد كبار الداعين للختان على جميع الأطفال. ولم يذكرا أي مصدر معارض لتلك الآراء.
لقد تم صياغة النظريّة القائلة بأن ختان الذكور يقي من التهاب المسالك البوليّة في أواسط الثمانينات من القرن العشرين. وأهم دراسة في هذا الموضوع هي تلك التي قام بها الطبيب «وايزويل» على 5261 طفل في المستشفيات الأمريكيّة. وقد استنتج أن التهابات المسالك البوليّة تصيب1,4% من الأطفال غير المختونين، بينما لا تصيب إلاّ 0,14% من الأطفال المختونين. وهذا يعني أن الأطفال غير المختونين أكثر عرضة بعشر مرّات لتلك الالتهابات من الأطفال غير المختونين في السنة الأولى من حياتهم. وقد أثرت هذه النظريّة على انتشار ختان الذكور في الولايات المتحدة لأن التوقيع بالموافقة على إجراء الختان تقوم به الأمّهات، وليس الآباء. والنساء، كما هو معروف، أكثر عرضة لالتهاب المسالك البوليّة. وهكذا تم تخويف الأمّهات وإجبارهن على قبول ختان الذكور.
ويرى معارضو الختان أن الدراسات التي بنيت عليها هذه النظريّة مشبوهة بسبب تحيّز أصحابها الواضح لصالح الختان بالإضافة إلى عدم وجود برهان علمي لهذه النظريّة.
فقد قام طبيب بدراسة على 25.000 طفل وتبيّن له بأن الختان لا يؤثر بدرجة ملحوظة على عدم الإصابة بمثل تلك الالتهابات. وهذا يعني أن الاختلاف بين استنتاج «وايزويل» واستنتاج غيره يعود إلى اختلاف في طريقة البحث. فالمستشفيات العسكريّة التي قام فيها «وايزويل» ببحثه لا تعطي معلومات مطمئنة حول أسلوب تعامله مع غلفة الطفل. فهو مثلاً يشد الغلفة لإرجاعها بقوّة إلى الخلف، ممّا يؤدّي إلى انتقال الجراثيم عبر فتحة البول. كما أنه يغسل القضيب بالصابون ممّا يقتل البكتيريا الضعيفة ويترك البكتيريا القويّة في مكانها. وهذه التصرّفات غير الصحيحة تضعف مناعة الطفل. فإذا كانت أرقام «وايزويل» صحيحة، فهي تعني أن الالتهابات هي نتيجة الغسيل بالصابون وشد الغلفة وليس نتيجة بقاء الغلفة.
ويقول طبيب بريطاني بأنه إذا ما قُبلت أرقام «وايزويل» وغيره فإن هذا يعني بأنه يجب ختن 100 طفل حتى نتمكن من التقليل من خطر إصابة طفل واحد من التهاب المسالك البوليّة، دون إلغاء هذا الخطر تماماً. وإذا ما قارنّا التكلفة بالفائدة، فإن ذلك لن يغيّر طريقة تصرّف الأطبّاء في أوروبا. والحالات الوحيدة التي يمكن فيها إجراء الختان هو عندما يكون الطفل مصاباً بعاهة بوليّة تؤدّي إلى التهاب المسالك البوليّة دون حصول فائدة من المضادّات الحيويّة.
أخيرا طلع علينا من يقول بان الختان وسيلة للوقاية من مرض الايدز فهل يكون بديلا للواقي الجنسي؟
آخر حجّة يرددها مؤيدو ختان الذكور والإناث هي أن الختان يقي من مرض الإيدز.
لقد اغتنم الكتاب العرب ظهور نظريّة علاقة الختان بالإيدز فأخذوا يردّدونها في كتاباتهم منتقين الآراء التي تناسبهم وتتفق مع هدفهم الذي هو إثبات أن المعطيات العلميّة تدعم معتقداتهم الدينيّة. فقد كتب الدكتور حسّان شمسي باشا: «الختان يقي من مرض الإيدز». ذلك هو موضوع مقال نشر حديثاً عام 1989 في مجلة Science الأمريكيّة. فقد أورد الدكتور «ماركس» في مقالته هذه ثلاث دراسات علميّة أجريت في الولايات المتحدة وإفريقيا. وكانت هذه الدراسات تشير إلى انخفاض نسبة الإصابة بمرض الإيدز عند المختونين. وخلص الدكتور «ماركس» إلى القول باحتمال وجود علاقة بين عدم الاختتان وبين مرض الإيدز. وقد وجد باحثون آخرون (دكتور سيمونسن وزملاؤه) أن احتمال الإصابة بمرض الإيدز بعد التعرّض للفيروس عند غير المختونين يبلغ تسعة أضعاف ما هو عليه عند المختونين».
وقد علق الدكتور حسّان شمسي باشا على هذه النظريّة قائلاً: «أليس هذا بالأمر العجيب. حتى أولئك الذين يجرأون على معصية الله بالشذوذ الجنسي يجدون خصلة من خصال الفطرة يمكن أن تدفع عنهم غيلاء هذا المرض الخبيث».
ونشرت صحيفة «صوت الأمّة» المصريّة في 9/9/1997 مقالاً تحت عنوان: «الختان يحمي الأنثى من الإيدز». ونقل المقال عن الدكتور عزّت الصاوي، أخصّائي أمراض النساء والتوليد، ما يلي: «إذا كانت الدوائر الطبّية الغربيّة قد توصّلت إلى أن الختان يحمي من الإصابة بالإيدز وسرطان العضو الذكر، فإن هذا لا يدعو إلى الاستغراب لأن ختان الإناث لا غبار عليه ولا خوف منه على الإطلاق». وينتهي المقال معاتباً مناهضي ختان الإناث، طالباً منهم أن «يكفوا عن الاجتهاد والأفكار ومساندة الموجة ويلتزموا بالكتاب والسُنّة ولا يشككوا أو يتشككوا ليأتي انهيار اجتهاداتهم وتأكيد السُنّة والفطرة من علماء لا ينتمون للإسلام ولا يعتنقونه».
ومن الواضح أن هذا المقال يحاول إيهام القارئ المصري بأن ختان الإناث يقي من مرض الإيدز حسب شهادة «الدوائر الطبّية في أوروبا». وهذا تزوير خطير للمعلومات. فما نشر في الغرب - فضلاً عن عدم صحّته - لا يخص ختان الإناث، بل فقط ختان الذكور. وخلافاً لما يقوله مؤيّدو ختان الإناث، يرى معارضوه في مصر أن ختان الإناث يساعد على انتشار الإيدز وأمراض أخرى مثل التهاب البول والتهاب الكبد الوبائي. ويعلل ذلك الدكتور أشرف فودة، أستاذ الكلى والمسالك البوليّة بطب القاهرة بأن الآلات التي تستخدم في هذه العمليّة على أيدي أشخاص غير مؤهّلين تكون غير نظيفة وغير معقّمة. وتقول الدكتورة سامية سليمان رزق: «أوضحت بعض البحوث التي أجريت في إفريقيا حديثاً أن الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) قد يحدث نتيجة لتلوّث جرح الختان في الأنثى».
مصدر هذه المعلومات عن الايدز غربي. ففي نهاية الثمانينات ادَّعت بعض الدراسات الغربية أن هناك علاقة بين فيروس فقد المناعة والذكر غير المختون. وقد اغتنم مؤيّدو الختان هذه النظريّة فقاموا بحملة دعائيّة بدأت برسالة بعثها طبيب يهودي اسمه «ارون فينك» إلى مجلة طبّية عام 1986. إلاّ أن هذا الطبيب أوضح لصحفي بعد ذلك بأنه لا يمكنه إثبات هذا الأمر. وهذا الطبيب هو من كبار الداعين لإجراء الختان على جميع الأطفال. وقد دعم فكرة الختان الروتيني للأطفال بحجّة الوقاية من مرض الإيدز عدد من الأطبّاء أكثرهم، أن لم يكن كلهم، من اليهود. ولكن ماذا تقول الأرقام؟
أعلى دولة غربيّة في نسبة ختان الذكور هي الولايات المتحدة. وفي هذا البلد، غالبيّة الرجال في سن النشاط الجنسي مختونين. ولو كانت النظريّة السابقة صحيحة، كان يجب أن تكون بين الدول الأقل انتشاراً لمرض الإيدز. ولكن الأرقام تبيّن أن الولايات المتحدة هي سادس أكبر دولة لانتشار الإيدز في العالم وأعلى دولة بين الدول المتقدّمة. ومؤيّدو نظريّة الإيدز بطبيعة الحال يتجاهلون هذه الحقيقة. وقد قدّرت منظمة الصحّة العالميّة أن بين 18,5 مليون مصاب بهذه الجرثومة في العالم، يوجد 1,1 مليون رجل أمريكي شمالي، بينما لا يوجد إلاّ 600.000 مصاب من أوروبا الغربيّة. وقد بيّنت دراسة أمريكيّة أنه بين كل 20 مواطن أمريكي شمالي يوجد شخص مصاب بهذا المرض عام 1994. وكل المصابين بهذا المرض في الولايات المتحدة تقريباً من المختونين.
ويذكر طبيب أمريكي بأن الولايات المتحدة تكوّن 5% من سكان العالم ولكنّها تحتوي على 65% من حالات الإصابة بمرض الإيدز في العالم.
وفي غياب دراسة جدّية تثبت أن الختان عنصر وقاية من الإيدز، يجب علينا أن نرجع إلى البديهيّات البسيطة التي يمكن أن يتقبّلها العقل، دون الدوخان في أرقام وحسابات معقّدة لا نهاية لها. وهذه البديهيّات هي:
- الختان يجعل جلد القضيب أكثر انشداداً وخشونة وأقل رطوبة ويترك فيه ندب. وبالتالي فإن المختون يكون أكثر عرضة للتجرّح ودخول فيروس الإيدز في جسمه.
- ترى بعض الدراسات أن المختونين أكثر ميلاً لممارسة الجنس من خلال الشرج والفم، كما إنهم أكثر ميلاً للعلاقات الجنسيّة الشاذّة، كما رأينا سابقاً. وهذا عامل يزيد في إمكانيّة التجرّح ودخول الفيروس.
- المختونون أكثر ميلاً إلى البحث عن عدد أكبر من شريكات العلاقة الجنسيّة، ومن ثم أكثر تعرّضاً للفيروس.
- المختونون أقل ميلاً لاستعمال العازل. وأحد الأسباب التي تقدّم لذلك هو أنه يضعف من الحساسيّة بسبب تغليف القضيب. والمختون يكون عامّة قد فقد جزءاً من تلك الحساسيّة بسبب الختان واحتكاك الحشفة بالملابس وجفاف القضيب. فإضافة عازل على القضيب يزيد من إضعاف حساسيّته. كما أن الختان يقلل من مدّة المداعبة قَبل الولوج وهذا يؤدّي إلى تجريح أكبر في الأنسجة.
- حتى وإن قَبلنا بأن الختان قد يحمي من مرض الإيدز فإنه يجب عمل 23148 ختاناً في الولايات المتحدة بتكلفة قدرها 9,6 مليون دولار لكي يقي من إصابة واحدة بمرض الإيدز. وهذا يعني أننا سوف نعرّض عدداً كبيراً لمخاطر الختان الأخرى ومن بينها الوفاة لوقاية فرد واحد. ومخاطر الختان في دول العالم الثالث أعلى ممّا هي عليه في الدول المتقدّمة. والدراسات تبيّن أن وجود الغلفة ليس عاملاً مُهمّاً في مدى انتشار الفيروس. وإن كان عاملاً فالمخاطر الناتجة أكبر من الفوائد المرجوّة.
- القول بأن الختان يقي من الإيدز قد يفهمه البعض بأنه يعطيهم مناعة ضد هذا المرض، فلا يأخذون حرصهم منه ويمارسون الجنس بكل حرّية مع أشخاص مصابين بهذا المرض.
ممّا سبق يتضح أن ختان الذكور والإناث ليس وسيلة للوقاية من الإيدز، لا بل قد يكون عاملاً مساعداً على انتشاره. والوقاية من مرض الإيدز تكمن في حماية الفرد من التعرّض للجراثيم الناقلة لهذا المرض وتثقيف الناس عن العلاقة الجنسيّة السليمة، وليس بقطع أجزاء سليمة من جسم الإنسان.
وقد أخذت عدد من المنظمات الطبية قرارات قاطعة ضد ختان الإناث كما أخذت بعض القرارات التي لا تدين ختان الذكور ولكن لا ترى فيه فائدة طبّية.
فقد نشرت «الجمعيّة الطبّية البريطانيّة» عام 1996 تعليمات بخصوص ختان الأطفال تقول فيها أن «ختان الأطفال نادراً ما يكون ضروريّاً لسبب طبّي» وأن «الدافع الرئيسي للختان هو ثقافي وديني وليس طبّي أو علمي».
وأصدرت الكلية الأستراليّة لجراحي طب الأطفال الذكور عام 1996 قراراً يقول:
«إن الكلية الأستراليّة لجراحي طب الأطفال لا تدعم الختان الروتيني للذكور حديثي الولادة. فليس من الملائم ولا من الضروري إزالة الغلفة بصورة روتينيّة [...]. نحن لا ندعم إزالة جزء طبيعي من الجسم إلاّ إذا كان هناك معطيات تبرّر المضاعفات والمخاطر التي يحتمل أن تنتج عن ذلك. ونحن نعارض بصورة خاصّة أن يخضع الأطفال لعمليّة لو تركت لاختيارهم في عمر كاف للمقارنة بين الفوائد والمضار لكانوا قد اختاروا رفض العمليّة والإبقاء على غلفتهم [...]. إن إجراء الختان على أطفال حديثي الولادة لا مبرّر طبّي له وهو عمليّة تحدث صدمة لديهم».
وقد نشرت «الجمعيّة الطبّية الأستراليّة» تصريحاً عام 1997 تقول فيه: «إن الجمعيّة الطبّية الأستراليّة سوف تعيق ممارسة ختان الأطفال تمشّياً مع قرار الكلية الأستراليّة لجرّاحي طب الأطفال» وتضيف بأن «بعض الأهل قد يقرّرون إجراء الختان لاعتبارات طبّية أو اجتماعية أو دينيّة أو عائليّة. وفي هذه الحالة، على الطبيب أن يوصيهم بأن يتم الختان في عمر وتحت ظروف تقلل من مخاطره إلى أدنى درجة».
وأخيراً جاء في تقرير الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال الذي صدر في مارس 1999: «إن المعطيات العلميّة توحي بوجود فوائد طبّية محتملة لختان الذكور حديثي الولادة، ولكن هذه المعطيات لا تكفي للتوصية بإجراء الختان على الأطفال حديثي الولادة بصورة روتينيّة. ففيما يخص الختان هناك فوائد محتملة ومخاطر، ولكن تلك العمليّة ليست ضروريّة لرفاهيته الحاليّة، وعلى الأهل التقرير ما هو في صالح الطفل. وحتى يتمكن الأهل من بلوغ قرار مستنير، يجب أن يعطى للأهل معلومات دقيقة وغير منحازة وإمكانيّة مناقشة القرار. وللأهل الحق في الاعتماد على العادات الثقافيّة والدينيّة والعرفيّة بالإضافة إلى العوامل الطبّية في اتخاذ قرارهم».
ومن الواضح من هذا القرار الأخير بأنه لا يرى في الختان ضرورة طبّية. ولكنّه في نفس الوقت يترك للأهل الحق في اتخاذ القرار في إجرائه لاعتبارات غير طبّية. وهذا بحد ذاته مخالف للأخلاق الطبّية التي لا تسمح بالتعدّي على سلامة الجسد إلاّ في حالة الضرورة الطبّية وموافقة مستنيرة من قِبَل المريض أو وليّه، وهما شرطان لا يتواجدان في ختان الذكور.
ما هو غريب أن القرآن لا يتحدث إطلاقا عن الختان ومع ذلك ينتشر بشكل مطلق بين المسلمين! ما مرد ذلك؟
أن الكتب المقدّسة اليهوديّة والمسيحيّة تكرّس صفحات طويلة حول ختان الذكور ولكن لا ذكر فيها لختان الإناث. وبعد التحرّي، وجدنا أنه لا يوجد أي ذكر لختان الذكور أو ختان الإناث في القرآن. فكلمة «ختان» بذاتها لم ترد بتاتاً فيه بأي شكل من أشكالها. ونشير هنا إلى أن القرآن ذكر إبراهيم 69 مرّة ويعتبره «أسوة حسنة» (الحشر 4:60)، ولكنه لم يتكلم بتاتاً عن ختانه كما تفعل التوراة.
لم يقتنع الفقهاء والمؤلفون المسلمون قديماً وحديثاً أن القرآن لم يتكلم عن الختان، تلك العادة الواسعة الانتشار، خاصّة وأن القرآن يقول: «ما فرّطنا في الكتاب من شيء» (الأنعام 38:6)؛ «ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين» (النحل 89:16)؛ «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» (المائدة 3:5). ولذلك حاولوا البحث عن آيات قد تسعفهم فوقع اختيارهم على عدد منها تنتمي إلى ما يسمّى بـالآيات المتشابهات، ففسّروها بحيث تتفق مع اتجاههم المؤيّد لختان الذكور هي:
«وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين» (البقرة 124:2).
«ثم أوحينا إليك أن اتبع مِلة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين» (النحل 123:16).
«صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون» (البقرة 2: 138).
لا ذكر في هذه الآيات لموضوع الختان. ورغم ذلك فقد استنتج منها مؤيّدو ختان الذكور أنه واجب على المسلم. فكيف توصّلوا إلى هذه النتيجة؟ باختصار شديد يمكن أن نقول إن المؤيّدين حاولوا تفسير عبارة «وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات» بأن الله ابتلى إبراهيم بالختان. وبما أن المسلم ملزم بإتباع «مِلة إبراهيم»، فعليه إتمام الختان كما أتمّه إبراهيم. ثم فسّروا عبارة «صبغة الله» بأنها تعني الختان. ولكن هذا التفسير لم يلقَ إجماعاً بين الفقهاء.
أمام تفاقم الجدل حول ختان الذكور والإناث وضغط الأوساط الدينيّة المؤيّدة لهذه الممارسة، حاول معارضو ختان الذكور والإناث في أيّامنا الرد عليهم بالرجوع إلى القرآن حتى تكون الحجّة القرآنيّة مقابل الحجّة القرآنيّة ما دام القرآن هو المصدر الرئيسي للشريعة الإسلاميّة. فهم يقولون إن الختان يتصادم مع فلسفة القرآن الذي يؤكد في آيات عدّة على كمال خلق الله نذكر منها:
«خلق كل شيء فقدّره تقديراً» (الفرقان 2:25).
«أفحسبتم إنّما خلقناكم عبثاً» (النور 115:23).
«فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله» (الروم 30:30).
«وصوّركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيّبات» (غافر 64:40).
«وصوّركم فأحسن صوركم وإليه المصير» (التغابن 3:64).
«هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم» (آل عمران 6:3).
«الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحنك فقنا عذاب النار» (آل عمران 191:3).
«الذي أحسن كل شيء خلقه» (السجدة 7:32).
«وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار» (ص 27:38).
«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (التين 4:95).
«الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار» (الرعد 8:13).
«إنا خلقنا كل شيء بقدر» (القمر 49:54).
«يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك» (الانفطار 7:82).
«وقال [الشيطان] لاتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنيهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعم ولأمرنهم فليغيّرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً» (النساء 118:4-119).
فإذا ما اعتبرنا أن ختان الذكور والإناث هو بتر عضو سليم لا يعوّض يلعب دوراً هامّاً في العلاقة الجنسيّة، فإنه علينا أن نعترف بأنه مخالف للقرآن ومرفوض منه. لا بل إن الآية الأخيرة تعتبر التعدّي على آذان الأنعم طاعة للشيطان. فكم بالأحرى التعدّي على سلامة جسد الإنسان؟! وهذا القول نجده عند رافضي ختان الإناث في أيّامنا. يقول محمّد سليم العوّا:
«قد نهى رسول الله (ص) عن تغيير خلق الله، وصح عنه لعن «المغيّرات خلق الله»، والقرآن الكريم جعل من المعاصي قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو ممّا توعّد الشيطان أن يضل به بني آدم في أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله [يذكر هنا آية النساء 118:4-119]. والختان [للإناث] بصورته التي يجرى بها في مصر، وفي أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، فيه تغيير خلق الله، ومن قطع بعض أعضاء الإنسان المعصومة ما لا يخفى. وإذا كان هذا في الحيوان من إضلال الشيطان فكيف يكون في حق الإنسان؟؟»
اكتشف إذاً معارضو ختان الإناث في أيّامنا أنه يتصادم مع فلسفة القرآن التي تقول بكمال خلق الله. وهذا ما لا نجده بتاتاً عند الفقهاء القدامى. إلاّ أن معارضي ختان الإناث، بدلاً من تطبيق هذه الفلسفة أيضاً على ختان الذكور، استثنوه من منطقهم. لا بل برّروه معتبرين أن غلفة الذكر هو جلد زائد. وهذا جهل بالمعطيات الطبّية الحديثة (كما سنرى في الجزء الطبّي) بالإضافة إلى كونه استخفاف بحِكمة الخالق. ولم يشذ عنهم إلاّ عدد قليل جدّاً نذكر منهم الدكتورة نوال السعداوي التي تقول:
«إن الدين بمعناه العام هو الصدق والمساواة والعدالة والحب والصحّة لجميع الناس رجالاً ونساء. ولا يمكن أن يكون هناك دين يدعو إلى المرض أو تشويه أجساد البنات وقطع بظورهن. وإذا كان الدين من عند الله فكيف يمكن للدين أن يأمر بقطع عضو في الجسم خلقه الله؟ المفروض أن الله لا يخلق الأعضاء اعتباطاً. ولا يمكن أن الله يخلق البظر في جسد النساء ثم ينزل على الناس ديناً يأمرهم بقطع هذا البظر. فهذا تناقض خطير لا يقع فيه الله. وإذا كان الله قد خلق البظر كعضو حسّاس للجنس وظيفته الأساسيّة والوحيدة هي الإحساس بلذّة الجنس فمعنى ذلك أن الله قد أباح للنساء اللذّة الجنسيّة وأنها جزء من الصحّة النفسيّة. وعلى هذا فإن المرأة التي تحرم من اللذّة الجنسيّة تحرم من جزء من الصحّة النفسيّة ولا يمكن أن تكتمل صحّة المرأة النفسيّة بدون اكتمال لذّتها الجنسيّة».
وهذا النص يتكلم فقط عن ختان الإناث. وقد كشفت في السنين الأخيرة أن سكوتها عن ختان الذكور لم يكن بإرادتها، بل فُرِض عليها من قِبَل الرقابة. وأكدت رفضها لكل من ختان الذكور والإناث كما بيّنته في مقدمة هذا الكتاب.
وإن كان القرآن لا يتكلم البتة عن ختان الذكور والاناث، فإنه هناك بعض الاحاديث المنسوبة للنبي التي تفرض ختان الذكور وتجعل ختان الاناث مكرمة. ولكن هناك شكوكا كثيرة تحيط بهذه الأحاديث فلا تصلح لتبرير الختان، ليس فقط ختان الإناث، بل أيضاً ختان الذكور. فالشوكاني (توفى عام 1834)، بعد أن شكك في تفسير الآية «وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن» محيلاً «العلم في ذلك على الله سبحانه»، شكك أيضاً في جميع الأحاديث المؤيّدة للختان قائلاً: «الحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب». ويقول الإمام شلتوت (توفى عام 1964) معتمداً على الشوكاني: «وقد خرجنا من استعراض المرويّات في مسألة الختان على أنه ليس فيها ما يصح أن يكون دليلاً على «السُنّة الفقهيّة»؛ فضلاً «الوجود الفقهي». وهي النتيجة التي وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبّر عنها بقوله: «ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سُنّة تتبع» وأن كلمة «سُنّة» التي جاءت في بعض المرويّات معناها، إذا صحّت، الطريقة المألوفة عند القوم في ذلك الوقت، ولم ترد الكلمة على لسان الرسول بمعناها الفقهي الذي عرفت به فيما بعد. والذي أراه أن حُكم الشرع لا يخضع لنص منقول، وإنّما يخضع في الذكر والأنثى لقاعدة شرعيّة عامّة: وهي أن إيلام الحي لا يجوز شرعاً إلاّ لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذي يلحقه».
ورغم أن الاهتمام منصب عند الكتاب المسلمين المعاصرين على ختان الإناث إلاّ أننا نجد من يرفض أيضاً ختان الذكور معتبرين أن الأحاديث التي ذكرته هي من الإسرائيليّات. فقد قام الكاتب المصري عصام الدين حفني ناصف بترجمة مختصرة لكتاب جوزيف لويس: «باسم الإنسانيّة»، وهو معارض أمريكي لختان الذكور، وعنون الترجمة: «الختان ضلالة إسرائيليّة». وكتب له مقدّمة أطول من الترجمة ذاتها عنونها: «بحث في الختان عند الأمم الإسلاميّة وأنه أثر من آثار الإسرائيليّات في الإسلام». وقد نشر الكاتب المصري محمّد عفيفي تحليلاً مطوّل لهذا الكتاب في مجلة «الهلال» القاهريّة تحت عنوان: «مرشد الحيران في عمليّة الختان». ومن الواضح من عنوان الكتاب الذي ترجمه عصام الدين ومن مقال محمّد عفيفي أنهما يعتبران ختان الذكور عادة يهوديّة تسرّبت إلى الطائفة المسلمة ككثير من العادات والروايات اليهوديّة قام بدسها اليهود الذين أسلموا والتي يطلق عليها لقب «الإسرائيليّات». وقد رأينا سابقاً موقف محمّد عبده ممّن فسّر «الكلمات» التي امتحن الله بها إبراهيم في الآية 124:2 بمعنى سُنَن الفطرة التي من بينها الختان. فهو يقول: «ولا شك عندي في أن هذا ممّا أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزؤاً». وقد ذكرنا كيف أن مصطفى كمال المهدوي اعتبر ختان الذكور أيضاً عادة يهوديّة لا تخص المسلمين، وهي تعبّر عن العقليّة اليهوديّة التي تعتقد بأن الله لا يميّز اليهود عن غيرهم إلاّ بعلامة الختان الخارجيّة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن لليهود سابقة تاريخيّة أخرى في محاولة نشر الختان. فقد رأينا كيف أن اليهود الذين أصبحوا مسيحيّين في القرون الأولى حاولوا جاهدين فرض الختان على الوثنيّين الذين تحوّلوا إلى المسيحيّة. ولكنّهم فشلوا في تلك المحاولة لأنهم لم يكونوا يمثلون وزناً كبيراً في الإمبراطوريّة الرومانيّة التي تمنع ممارسة الختان وتعاقب عليه. وقد تصدّى لمحاولتهم هذه القدّيس بولس لأنه رأى فيها صدّاً للوثنيّين عن دخول المسيحيّة. وإذا صحّت نظريّة «الإسرائيليّات»، فهذا يعني أن اليهود قد نجحوا في فرض الختان على المسلمين. ولا عجب في ذلك. فاليهود كانوا يُعتبرون الطبقة المثقّفة في المجتمع العربي في عصر النبي، فهم من «أهل الكتاب» على خلاف الوثنيّين العرب الأميين. والقرآن الكريم يحتوي على الكثير من المأثورات اليهوديّة المأخوذة عن التوراة ولكن بصورة مختزلة. وما كان للعرب الأميين وسيلة لفهم هذه المأثورات دون الرجوع إلى اليهود، خاصّة من أسلم منهم. ونذكر هنا على سبيل المثال كعب الأحبار (توفى عام 652)، وهو من كبار رجال الدين اليهود اليمنيين ومن كبار رواة الحديث عند المسلمين.
تشير في موضع من كتابك أن هناك آثارا نفسية للختان! كيف؟ وما هي تلك الآثار؟
تصوّر نفسك جالساً أو نائماً مع من تحب. ويدخل عليك فجأة أناس تجهلهم فيمسكوك بقوّة ويخلعون ملابسك ويقطعون جلد قضيبك بسكين حاد في عمليّة قد تدوم 15 دقيقة وأنت تصيح من الألم وتصارع لكي تفلت منهم. وفي حدّة الألم تكتشف أن من تحب قد تآمر عليك وساعد في تعريتك وبتر جلد قضيبك. فماذا سيكون رد فعلك؟ وهل تختلف آثار هذه الصدمة التي تصاب بها كبالغ عن آثار الصدمة التي يصاب بها من هو أصغر سنّاً؟
لا أتصور.. بل قل لي تذكّر ! لقد حدث ذلك معي فعلا في طفولتي... ولكن تفضل واصل..
لاحظ علماء النفس أن الألم الذي يعيشه الشخص في وقت الولادة يؤثر على تصرّفاته مدى الحياة. وقد بنى بعض علماء طب النفس علاقة بين تجربة الولادة وما يحدث في الحياة عندما يكبر الشخص:
تجربة الولادة: عوارضها في الحياة
الولادة بواسطة ملقط الجذب: عدم الاستقلالية ووجع الرأس
ولادة متأخّرة: عدم الصبر والشعور بالوقوع في فخ
ولادة قيصريّة: عدم إحساس بالحدود وصعوبة في التعلم
ولادة مبكرة: مقاومة التغيير والتعلق بفكرة معيّنة
الاختناق في الولادة: داء الربو
ولادة مصاحبة بصدمة كبيرة: رغبة في الانتحار وقلق من الموت.
وإذا كان للوالدة أثراً، فلا يمكن إنكار أن للختان أثر مماثل لا سيما لو تم بعد وقت قصير من الولادة. وقد أشار علماء النفس الأمريكيّون منذ زمن طويل إلى آثار تلك الصدمة. فقد نشر الدكتور «دافيد ليفي» بحثاً عام 1945 يقول فيه إنه تأثر بكثرة عدد الحالات التي شهد فيها الهلع والهم واضطراب البال ترتسم على وجوه الأطفال عقب إجراء الختان، ولاحظ أنه كلما كان الطفل أصغر سنّاً كان أعظم تأثراً بالألم وأشد استجابة له. وقد وجد أنه كثيراً ما ينجم عن تلك الصدمات نوبات من الفزع والرعب تنتاب الأطفال أثناء نومهم فيهبّون مولولين ثم يصمتون قانطين. كما وجد أن هذه الصدمات تتلاشى ويزول أثرها بعد فترات تتباين طولاً وقصراً، ولكن قد يحدث ألاّ تزول البتة في الطفولة فتظهر في الكبر على صورة مسلك عدائي ضد المجتمع واستجابة للنزعات الهدّامة وسقوط في حمأة الإجرام ينشد به الاقتصاص من المجتمع. وقد شهد أطفالاً في الثالثة والرابعة من أعمارهم أصبحوا بعد جراحة الختان ذوي طباع شكسة ونزوع إلى التمزّق والتحريق والهدم والقتل والانتحار.
وهناك شهادات لأطفال عمرهم بين 3 و6 سنين تبيّن أنهم يتذكرون فعلاً ختانهم في صغرهم، وكيف أنهم سحبوا من حضن أمّهم. كما أن بعض الرجال يسترجعون في ذاكرتهم ختانهم. وقد وصف أحدهم تحت التنويم المغنطيسي بالتفصيل كل ما حدث له خلال عمليّة الختان والألم الذي تعرّض له عندما كان طفلاً. وقد عبّر آخر عن شعوره قائلاً: «الغضب تعبير لطيف شاحب لما أحس به. وقد يكون أكثر دقّة تسميته حقد ورغبة في الثأر وتعذيب وتشويه وتدمير كل شخص له أيّة علاقة بإجراء الختان أو أمر به أو طلبه». وقد قام طبيب آخر بمداواة نفسه بنفسه باسترجاع ختانه في ذاكرته. يقول: «كانت التجربة مثيرة للعاطفة ومخيفة. لقد شعرت بخوف كبير، وبدأت أصب عرقاً، وأرجف لمدّة طويلة. وفي بعض الأحيان كان ينتابني شعور بالغضب. كنت أرغب في حماية نفسي، ولكني لم أكن أستطيع ذلك. لقد شعرت بنفسي حزيناً جدّاً، مغموراً بالأسى، واليأس والإحباط».
ويرى «ايرليخ» أن الختان في الصغر لا يؤدّي إلى نتائج نفسيّة أو قد يؤدّي إلى نتائج غير هامّة، بينما يعترف بأن استئصال اللوزتين يترك أثراً في نفس الشخص يظهر عندما يتم بحث التجربة المؤلمة المُعاشة خلال الطفولة. فهناك شعور بالقلق وتشويش الشخصيّة وأن من يرعاه تخلى عنه. وقد لوحظ أنه كلما كان الطفل أصغر، كلما كان الأثر أكبر. وهذا التناقض عند «ايرليخ» قد يكون نابعاً من انتمائه لليهوديّة ودفاعه عن الختان، أو نتيجة كبته لما يشعر به.
ويرى بتلهايم أن الختان أكثر مضرّة على الصغير من الكبير لأن هذا الأخير يفهم ما يجري له. ويقارن بين الختان وبين العمليات التجميلية. فالبنت الكبيرة تخضع لتلك العملية رغم ألمها متفهمة أنها لمصلحتها.
ومن بين آثار الختان رفض المختون التفكير به أو التكلم عنه. وقد يتفادى بعض الرجال النظر إلى السكين والمقص طوال عمرهم. وهذه وسيلة لعدم تذكر الختان. وبعضهم يكره سماع كلمة الختان ويرتجف لسماعها. وبعضهم إذا وضعت كتاباً عن الختان بين يديه يصبح في حالة هستيريّة. وقد ذكر مركز مهتم بدراسات الختان أن البعض يتفادون أيضاً كتابة كلمة الختان على مغلف الرسالة. وقد لاحظ بعضهم أنك إذا وضعت على سيّارتك شعاراً ضد الختان، فإن السيّارات التي تتبعك سوف تأخذ مسافة كبيرة منك لتفادي قراءة هذه الكلمة.
ويشار هنا إلى أن الشخص يحاول أمام الألم أن يحمي نفسه بتزوير الحقيقة ونسيان الواقع. وقد أظهرت الدراسات أن الصدمة في الصغر تؤدّي إلى تغيير في الأعصاب المركزيّة وفي كيمياء الأعصاب، وأن الجزء الخاص بالذاكرة في المخ والذي يسمّى «قرن أمون» يكون أصغر حجماً عند الأطفال الذين يتعرّضون لانتهاك جنسي في صغرهم، وأن مقدرتهم على التذكر تكون أقل. وقد أكد «جيمس بريسكوت» متخصّص في أعصاب المخ أن الختان يؤثر على تطوّر المخ.
ويذكر المعارضون المصريّون لختان الإناث عدداً من الآثار النفسيّة الناتجة عنه ويسكتون تماماً عن الآثار النفسيّة التي قد تنتج عن ختان الذكور.
وآثار ختان الإناث النفسيّة قد تكون سابقة له. فما أن تسمع الفتاة بما حدث لأقرانها الأكبر سنّاً حتى ينتابها القلق، وكلما اقتربت من السن المعتاد إجراء الختان فيه يتصاعد قلقها ويتحوّل إلى رعب نفسي قد يصل في بعض الحالات إلى حدوث كوابيس وتأخّر دراسي. وتزداد حدّة هذا القلق كلما كانت الفتاة معتدة بنفسها وبشخصيّتها. ولتفادي هذه الاضطرابات، تلجأ العائلة عامّة للممارسات السحرّية والدينيّة مثل التبخير ولبس الطلاسم.
ويحكى الدكتور طه باشر أن فتاة كانت تصرخ خلال نومها قائلة: «الحشرة الحشرة». ولكن الأهل لم يجدوا أثراً لمثل تلك الحشرة. ثم تبيّن أن خادمة البيت كانت قد أعادت عليها في الأيّام السابقة بأنها سوف تختن. فالحشرة التي تتكلم عنها في منامها تعبّر عند العامّة بمخالبها ومنظرها المخيف عن المرأة التي تقوم بالختان. وبعد ذلك تم التأكيد للفتاة بأنها لن تختن. وقد أدّي ذلك إلى انفعال الفتاة بشدّة وعادت إلى نومها الهادئ.
وفيما يخص الآثار اللاحقة لختان الإناث، يقول الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسي: «إن الختان يشكل عمليّة بتر وتظل في مخيّلة الفتاة مدى الحياة [...]. إن هذا الشعور بالبتر لعضو مهم في جسم الفتاة بما فيه من معان جنسيّة يصبح شيئاً راسخاً في ذهنها. ويقولون إن هذا الجزء يبتر حتى لا تنحرف الفتاة. إذاً يصبح مفهوم الأخلاق مرتبطاً بالغريزة وأنه لا إرادة لها في ذلك. وذلك يحرمها كأنثى من الاعتزاز بذاتها الأخلاقيّة الإنسانيّة الناشئة عن قناعة وإيمان».
كيف؟
يحتاج الإنسان والحيوان للحنان كما للأكل. هذه هي سُنّة الطبيعة. وعند الإنسان والحيوان يبدأ الحنان بالأم. فيتعلق الطفل بها كما تتعلق به. وهذا يؤثر على صحّة الطفل الجسديّة والنفسيّة وعلى تصرّفاته في حياته كلها.
يبدأ تأثير الختان في علاقة الأم مع ابنها منذ الحمل، فتقلق الأم بسببه. فيؤثر هذا القلق بدوره على الطفل، خاصّة إذا لم تجد الأم حلاً لهذه المعضلة مع زوجها. وقد يكون له تأثير على الولادة التي قد تطول وتصبح أكثر تعقيداً، وقد يؤثر على وزن الطفل. وقد بيّنت شهادة أن ولادة أم يهوديّة كانت مستعصية. واكتشفت القابلة أن الأم لم تكن تريد أن تختن ابنها، والأب كان برأي مخالف. عندها اقتربت القابلة من الأب وطلبت منه بأن يقول لزوجته بأنه غيَّر رأيه وأنه لن يختن ابنه. فتمّت الولادة بسهولة وبقي الطفل دون ختان.
وقد يعتبر الختان في الصغر كسراً للعلاقة بين الأم والطفل يرقى إلى درجة الصدمة. فالطفل يؤخذ من أمّه إلى غرفة أخرى والى جو آخر ممّا يسبّب له الرعب والقلق. ويفترض أن يؤدّي كسر العلاقة بين الأم والطفل بسبب الختان أو لأي سبب آخر إلى اضطرابات نفسيّة وعصبيّة بالإضافة إلى نتائج صحّية. فقد لوحظ أنه في حالة فصل الحيوان الصغير عن أمّه لمدّة معيّنة، فإن ذلك يؤثر على علاقة الأم مع ابنها إلى درجة رفضها الاعتناء به. وهذه الظاهرة تم اختبارها على الإنسان في علاقة الأم بابنها. وهذا يؤثر على مقدرة الطفل على الكلام. وهناك أيضاً من رأى صلة بين فصل الأم عن طفلها وانتهاكه للأطفال عندما يكبر.
ونفس المشكلة نجدها في ختان الإناث. تقول الدكتورة عبد الفتاح بأنه يترتب على هذا الختان «فقد ثقة البنت في الآخرين وخاصّة وأنهم يمثلون أحب الناس إليها - وهم الوالدان ومن يحل محلهما. وهنا يرتبط الغدر والأذى الجسمي بأولئك الذين كانوا محل ثقة وحب الفتاة».
ويذكر الدكتور عادل صادق، أستاذ الطب النفسي، حالة سيّدة طلقها زوجها لأنها لم تشعر بأي متعة معه. فاتجهت بعدوانيتها نحو والدها الذي اعتبرته سبب فشل حياتها الزوجيّة، وذلك لإصراره على ختانها في طفولتها.
إلى هذا الحد !
نعم وقد بيّنت البحوث التي أجريت على القردة أنه إذا فصل صغيرها عن أمّه وربّي مع لعبة تشبه الأم مصنوعة من قماش ناعم ودافئ تصبح عواطفه مضطربة عندما يكبر. وإذا ربّي مع لعبة تشبه الأم من المعدن البارد، فإن هذا القرد يصبح أبا متعسّفاً. والقردة الأم التي ربّيت دون أمّها تصبح أقل رأفة على ابنها فلا تستجيب لصراخه ولا تطيّب خاطره. وهذه القردة تصبح عنيفة مع أولادها. ونفس الظاهرة نجدها عند الإنسان. فالذي يعاني من الحرمان يحرم الغير من الحنان. والذي يُنتهك يكوّن شخصيّة قلقة على المستوى الجنسي ويحرم الغير من اللذّة الجنسيّة. وقد بيّنت الدراسات أن الأطفال الذين يضربون من أهلهم هم أطفال أهل ضُربوا سابقاً. وهؤلاء الأطفال سوف يضربون أولادهم بعد ذلك. وهذا لا يعني أن كل الأطفال سيصبحون عنيفين مع أطفالهم. فهنا قد يدخل في الاعتبار ما إذا كان الشخص قد حصل على تعويض عاطفي وجنسي في كبره.
هل يمكن أن تحدثنا عن آثار ختان الذكور المحتملة على المجتمع بصورة مختصرة؟
إذا ما عرف الذكور أن الختان له أثر على العلاقة الجنسيّة، فإنهم سوف ينظرون لأنفسهم نظرة سلبيّة، ممّا يحط من تقديرهم لأنفسهم، خاصّة أن العلاقة الجنسيّة لها علاقة قويّة بتقدير الذات. وهذا له أثر شخصي واجتماعي. فالذي لا يقدّر نفسه لا يقدّر الآخرين. ويؤدّي ذلك إلى الانعزالية والإحباط واستعمال المخدّرات. ولكي يعوّض عدم تقديره لنفسه، يحاول البعض اتخاذ تصرّفات خاصّة. فهو سوف يفضّل العلاقة الجنسيّة مع الصغيرات في السن حتى يثبت سيطرته ويرفع من تقديره لنفسه. ومن المعروف أن العلاقة الجنسيّة مع من هم أصغر سنّاً ظاهرة منتشرة في العالم الأمريكي والعالم الإسلامي الذي يمارس الختان.
يتساءل البعض عن نسبة أطبّاء الولادة والأطفال والمجاري البوليّة الذين اختاروا هذه المهنة مدفوعين بكرههم للختان. فيقول «جولدمان» بأنه رغم وجود آثار ضارّة للختان، فإنه من الصعب لمؤيّدي ختان الذكور أن يغيّروا رأيهم وذلك لعوامل نفسيّة قويّة. ومن تلك العوامل ميل الشخص الذي وقع ضحيّة أمر ما أن يعيد ذلك على غيره. وهذا ما يجري في الختان: فالذي خُتن يحاول إعادة الختان على غيره. وقد بيّنت الأبحاث أن الأطبّاء الذين يدافعون عن الختان هم من المتقدّمين في السن والذكور والمختونين.
وهناك من يربط بين الختان وبين ظاهرة ارتفاع نسبة العمليّات التي تجرى على النساء في الولايات المتحدة دون ضرورة طبّية. فمن المعروف أن كل المجتمعات التي تمارس ختان الإناث تمارس أيضاً ختان الذكور. وإذا اعتبرنا أن ختان الذكور ينقص اللذّة الجنسيّة، فهذا يعني أن من يجد نفسه محروماً من حقّه في اللذّة، فهو أيضاً يرفضها لغيره تحت أستر مختلفة منها الخوف والجهل والجراحة الطبّية. والرغبة في الحد من لذّة المرأة بختانها قد تكون إحدى نتائج ختان الذكور. ولذلك يكون التعرّض لختان الذكور شرطاً مسبقاً لكي يتم القضاء على ختان الإناث.
ويلاحظ أيضاً أن النساء المختونات هن اللاتي يقمن بختان البنات، وكذلك الرجال المختونين هم الذين يقومون بختان الذكور. كما أن الرجال يؤيّدون ختان الإناث. فالمبتور يحاول دائماً أن يتصرّف مع الغير كما تصرّف الغير معه. وهكذا تدوم عادة الختان. ويؤدّي نظام العدوى هذا إلى بغض لكل من هو غير مختون. ولذا وضعت الحواجز الدينيّة والاجتماعية بينه وبين جماعة المختونين: فلا يُقبل زواجه أو شهادته أو مشاركته في العبادة أو دفنه في المقابر العامّة. ويُعتبر مسبّة كبرى القول لشخص أنه غير مختون أو ابن غير مختونة. وهنا يقارن البعض بين هذا التصرّف وبين الذين أنتهكوا جنسيّاً في المجتمعات الغربيّة. فهم يقومون بدورهم بانتهاك غيرهم.
وترى عالمة النفس «اليس ميلير» أن هناك صلة بين ختان الأهل لطفلهم، وختان هذا الطفل لابنه عندما يكبر. وهذا هو أحد أسباب دوام عمليّة ختان الذكور والإناث التي تعتبرها هذه العالمة عمليّة انتهاك للأطفال وأبشع عمليّة إجراميّة تكرّسها البشريّة باسم الدين ولا يتدخّل القانون لمنعها، تحت دعوى أن ذلك يجري لمصلحة الطفل. وتقول هذه العالمة أن المؤرّخين وعلماء النفس سوف يستمرّون طويلاً في التحقّق من الأسباب الكامنة وراء هذه العادة الغريبة لأنهم ينسون في مناقشاتهم التفسير الوحيد الذي لا بد أن يظهر يوماً ما. فماذا عساه أن يفعل الطفل الذي عذبه أهله الجهلة؟ ألن يحاول هذا الطفل أن ينتقم عندما يكبر؟ إنه فعلاً سوف ينتقم إلاّ إذا ما تم شفاء جرحه. فالطفل الذي تم التعدّي عليه لا بد أن يتعدّى على غيره من الأطفال مؤكداً بأن ذلك لا يضرّهم ما دام أن أهله الذين يحبّونه قد فعلوا ذلك معه. أضف إلى ذلك أن الختان يصوّر على أنه مطلب ديني، ممّا يعني في عقول الناس أن الدين لا يمكن أن يكون قاسياً.
بدأ معارضو ختان الذكور في طرح أسئلة حول علاقة الختان بالتصرّفات غير الاجتماعية والعنف، خاصّة في الولايات المتحدة التي تعتبر المجتمع الأكثر عنفاً في العالم. فمعدّل القتل في هذا البلد يساوي 14 مرّة ما هو عليه في اليابان و8 مرّات ما هو عليه في الدول الأوروبيّة. ويحاول البعض تفسير هذه الظاهرة بعوامل اجتماعية مثل المخدّرات، وضعف التربية الأخلاقيّة، ووجود الأسلحة بيد الناس، والعنف في التلفزيون، وغياب الأب عن العائلة، وضعف المستوى الدراسي، والبطالة، والعنصريّة، وتدنّي الشعور الديني. ولكن بيّنت دراسة أن مستوى الجريمة في هذا البلد قد ارتفع جدّاً خلال الثلاثين سنة الماضية التي شهدت ارتفاع نسبة المختونين. ممّا يوعز أن هناك علاقة بين الختان والعنف.
وأوسع أنواع العنف في الولايات المتحدة هو العنف الذي يتم داخل البيت. فتقدّر نسبة الأزواج الذين يتعدّون على بعضهم البعض بـ 12%. وفي عام 1993، وجد أن 29% من النساء اللاتي قُتِلن، قد تم قتلهن بيد أزواجهن أو أصدقائهن. فهل هناك علاقة بين كون أن كل 25 ثانية هناك طفل يختن وأن كل 15 ثانية هناك رجل يضرب امرأة؟ إن ضرب الرجل للمرأة قد يكون بقصد السيطرة عليها أو رد فعل على عدم تلبيتها لحاجته. وهذا ينبع من الاعتقاد بأن بيت الرجل هو قلعته، وأن المرأة ملكه. وهذا لا يختلف عن اعتقاد من يوافق على الختان أو يجريه على الأطفال. ففي كلتا الحالتين هناك شعور بحق فرض إرادة الشخص على الآخر. وقد أثبتت دراسات أن انتهاك الأطفال يجعل منهم أزواجاً عنيفين. والختان هو انتهاك جسدي للأطفال. وبعض المختونين يرون أن أمّهاتهم لم تحمينهم عندما تم التعدّي عليهم بالختان. ومن هنا يأتي الشعور بالانتقام من النساء دون وعي بالأسباب التي أدّت إلى هذا الشعور. وهذا لا يعني حتماً أن كل المختونين يتعدّون على النساء. ولكن الختان قد يكون أحد عوامل العنف ضد النساء.
يعني قد يكون سببا في انتشار الاغتصاب؟
الاغتصاب هو نوع آخر من الاعتداء على النساء ويخفي رغبة في الثأر. فهناك في الولايات المتحدة مليوني حالة اغتصاب سنوياً، وأكثر حوادث الاغتصاب لا يعلن عنها. وقد بين بحث أن 15% من الطلاّب مارسوا الجنس اغتصاباً مرّة على الأقل. وقد يكون الاغتصاب من الزوج ذاته. وقد بين بحث أن 60% من الطلاّب قد يغتصبون امرأة في بعض الظروف. و46% من النساء تعرّضن لاغتصاب أو محاولة اغتصاب في حياتهن. ونسبة الاغتصاب في الولايات المتحدة تبلغ سبعة أضعاف الاغتصاب في دول المجموعة الأوروبيّة. فهل هناك صلة بين هذا الاغتصاب وما يحدث للرجال الأمريكيّين في صغرهم من خلال الختان؟
هناك تماثل بين الختان والاغتصاب. ففي الختان يتم ربط الطفل وتعريته وبتر قضيبه قصراً. وهذا لا يختلف عمّا يجري في عمليّة اغتصاب النساء. فكليهما يتم فيه التعدّي على الأعضاء الجنسيّة. والاختلاف الوحيد هو العمر وطبيعة الفعل. وقد عنون الدكتور «مورجان» عام 1965 مقاله عن الختان «اغتصاب القضيب». ويشير عالم النفس «باري وانهولد»، وهو رئيس برنامج الدراسات حول العنف في جامعة كلورادو الأمريكيّة، إلى أن المختونين يعيشون في حالة غضب. فالختان هو أوّل عمليّات اغتصاب للرجال.
والاغتصاب والختان يؤدّيان إلى نتائج مماثلة. فالختان يؤدّي إلى فقد الثقة في الغير والعزلة كما في الاغتصاب. والمرأة التي تغتصب كثيراً ما تكبت الألم وتسكت عنه رافضة التكلم عمّا أصابها. وهذا ما يحدث مع المختونين. وكما أن الخاتن يرى أن الطفل لا يحق له رفض الختان، يعتقد المغتصب أن المرأة لا يحق لها رفض العلاقة الجنسيّة. وكما أن البعض يعتقد أن المرأة المغتصبة تتمتع بالاغتصاب ولا تحس بالألم، فكذلك هناك اعتقاد بأن الطفل لا يتألم بالختان ولا يتأثر به. والذين يغتصبون النساء يظهر أنهم أنفسهم كانوا ضحايا اغتصاب. وارتفاع نسبة الاغتصاب في الولايات المتحدة يتطلب بحث الصلة بين هذه الظاهرة وظاهرة الختان.
وهل له صلة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال؟
أحد أنواع العنف في الولايات المتحدة هو الانتهاك الجنسي للأطفال. وقد بيّنت دراستان بأن 38% من النساء تم انتهاكهن جنسيّاً في صغرهن. ودراسة أخرى بيّنت أن هذه النسبة تصل إلى 45%. وهذه الأعداد قد تكون أقل من الحقيقة لأن ليس كل النساء تقبل التكلم عن هذه المواضيع، وقد يقع الانتهاك ولا تتذكره المرأة. ولذا يمكن اعتبار هذه النسبة 60%.
وهناك من يرى علاقة بين الختان وانتهاك الأطفال. فالذين ينتهكون الأطفال يعانون من انخفاض في تقدير أنفسهم، وإحساس بعدم القدرة. وهذه العوارض نفسها تنتج عن الختان. وهم أيضاً يعانون من صعوبة في تحقيق حاجاتهم الجنسيّة، وهذا أيضاً ناتج عن الختان. وإذا أحس الطفل أنه قد أغتصِب جنسيّاً فإن ذلك سوف يقوده إلى اغتصاب غيره. وإن كان من المؤكد أن ليس كل المختونين ينتهكون الأطفال، وأن أسباب انتهاك الأطفال متعدّدة، إلاّ أن ذلك يتطلب البحث في ما إذا كان الختان هو أحد تلك الأسباب.
هناك من يرد بعض أنواع الانتحار إلى الختان؟
ارتفع معدّل الانتحار في الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، خاصّة بين الذكور. فما بين عامي 1950 و1990 أزداد معدّل الانتحار 3,4 مرّة بين الشباب الذين يتراوح عمرهم بين 13 و24 سنة. وقد كان انتحار الذكور 6,5 مرّات أعلى ممّا هو بين الإناث عام 1990. والانتحار ينتج عن الانعزالية وكبت الشعور العاطفي والخجل. وهذه كلها من مخلفات الختان. هناك أيضاً ظاهرة وفاة الأطفال فجأة تحت عمر سنة والتي تصيب 6000 طفل سنوياً في الولايات المتحدة، من بينهم 60% ذكور. ويجب هنا دراسة مدى تأثير الختان على هذه الظاهرة. فإذا ما اعتبرنا أن الختان يشابه الاغتصاب، وأن الاغتصاب يقتل إرادة وروح الإنسان، فلا يمكن استبعاد أن يكون الختان أحد أسباب هذه الظاهرة. وربما يكون حتى سببا في انتشار ظاهرة السرقة.
أنا مختون إذن أنا لص ! كيف؟
تمثل السرقة مشكلة كبيرة في الولايات المتحدة. وقد تم اقتراف 12,2 مليون حالة سرقة عام 1992. ومعدّل السرقة في هذا البلد في ارتفاع.
هذا وهناك من يعتبر الختان عمليّة سرقة لأنها تجري على ممتلكات شخص دون إرادته. فالتيّار اليهودي المعارض للختان يرى فيه مخالفة للوصيّة التوراتيّة «لا تسرق» (الخروج 20:15). ونجد تعبير السرقة في كتاب السيّدة الصوماليّة «واريس ديري». فهي تقول في كلامها عن ختان الإناث الذي عانت منه: «إني أعرف أن عدد النساء الغاضبات مثلي اللاتي لن يتمكن من الرجوع إلى الوراء أو يسترجعن ما سُرق منهن في تزايد». وتضيف في مكان آخر: «إني أعتقد أن الجسد الذي أعطاني الله إيّاه عند ولادتي كان كاملاً. لقد سرقني الرجال، وسلبوني قوّتي وتركوني مع عاهتي. لقد سرقوا منّي أنوثتي. وإن كان الله قد حكم بأن بعض أعضائي غير ضروريّة، فلماذا إذاً خلقها؟»
ويرى «جولدمان» أن هناك شبه بين الختان والسرقة. فالذي يُسرق يغضب، ويحس باليأس، ويحاول أن يقلل من أهمّية ما سُرق منه لحماية نفسه. وكثير من المختونين قد يقللوا من أهمّية ما تم سرقته منهم. وإذا ما اعتبر شخص أنه تم سرقته فإنه سوف يسرق غيره كما سُرق هو. فهل الختان هو أحد الأسباب التي تدفع الأشخاص للسرقة رداً على ما فعل ضدّهم؟ هل هناك صلة بين ارتفاع معدّلات السرقة ومعدّلات الختان؟
كتبت مرة ما ملخصه أن الختان قد يكون سببا في اندلاع الحروب. ألا تظن أن هناك مبالغة ما؟
يمكن للمجتمع، مثله مثل الأفراد، أن يوجّه غضبه وعنفه داخلياً وخارجياً. وكل ما يساعد في زيادة العنف الفردي يساعد في زيادة عنف المجتمع وميله لشن الحروب. فعدم الثقة، والتقدير المنخفض للذات، ونقصان التعاطف مع الغير، والرغبة في السيطرة عليهم، وكبت العواطف هي من مكوّنات النفسيّة الأمريكيّة. وهذا يؤدّي بدوره إلى الحروب. وهذا لا يعني أن المختونين هم الذين يشنون الحروب، ولكن ليس من المستبعد من أن يكون الختان إحدى المؤثرات في شنها. واستبعاد افتراض تأثير الختان على التصرّفات الاجتماعية لأنها مجرّد تخمينات يعني بحد ذاته رفض معرفة ما إذا كان هناك علاقة سببيّة بين الختان وتلك التصرّفات خوفاً من اكتشاف آثارها. وهكذا يسد الباب أمام البحوث الاجتماعية حتى لا نطرح تساؤلات حول الختان. وننقل هنا فقرة من كتاب السيّدة الصوماليّة «واريس ديري» حول علاقة ختان الإناث بالحرب في بلدها: «إن الحروب القبليّة، مثلها مثل ختان الإناث، هي نتيجة عنف وأنانيّة الرجال. لا أحب أن أقول ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة. فهم إنّما يفعلون ذلك لأنهم متشبّثون بأرضهم وممتلكاتهم، والنساء جزء من تلك الممتلكات ثقافيّاً وقانونيّاً. ولو أننا خصينا الرجال، لأصبحت بلدنا جنّة! فقد يهدأ الرجال ويصبحون أكثر إحساساً بما يحيط بهم. من دون دفعة التستوستيرون المتتابعة، لن يكون هناك حروب، ولا مذابح، ولا سرقات، ولا اغتصاب. فلو أننا قطعنا أعضاءهم الجنسيّة وتركناهم يتوهون دون علاج حتى يسيل دمهم ويموتوا أو يعيشوا، فقد يفهموا لأوّل مرّة ما يفعلون تجاه نسائهم».
تتحدث عن لوبي طبي يدافع عن ختان الذكور في أمريكا يقبل بل ويدافع بكل ما أوتي من قوة عن هذا الاعتداء على ملايين الأطفال من أجل مصالح مالية ضخمة. فهل هناك للاقتصاد دور في الختان؟
يرى اليهودي المؤمن في الختان أمراً إلهياً موجّهاً إلى إبراهيم ونسله (التكوين 10:17). وتوارث المسلمون هذا الرأي عن اليهود، وبعضهم زاد عليه بأن الختان كان سُنّة لآدم وأولاده من بعده. ولعّل أولاده تركوه، فعاد الله وأمر إبراهيم بإحيائه. وللمؤمن أن يعتقد ما يشاء في العِلة الأولى للختان. أمّا علماء الاجتماع والمفكرون فإنهم يرجعون نشوء الختان وتطوّره إلى أوضاع اقتصادية.
تقول الدكتورة نوال السعداوي: «إذا عرفنا من التاريخ أن الأب لم يكن حريصاً على معرفة أطفاله إلاّ من أجل أن يورثهم أرضه فإننا ندرك أن السبب الرئيسي لنشوء الأسر الأبويّة كان سبباً اقتصاديّاً. ومن أجل أن يحمي المجتمع مصالحه الاقتصادية فإنه يدعمها بالقيم الأخلاقيّة والدينيّة والقانونيّة. وعلى هذا فإن دراسة التاريخ توضّح لنا أن حزام العفة الحديدي وعمليّة الختان ومثيلاتها من العمليّات الوحشيّة ضد رغبة المرأة الجنسيّة لم تنشأ إلاّ لأسباب اقتصادية. بل إن استمرار مثل هذه العمليّات في مجتمعنا حتى اليوم إنّما هو أيضاً لأسباب اقتصادية. إن آلاف الدايات والحكيمات والأطبّاء الذين يثرون على حساب عمليّة ختان البنات لا يمكن إلاّ أن يقاوموا أيّة محاولة للقضاء على مثل هذه العادات الضارّة. وفي المجتمع السوداني جيش هائل من الدايات يعشن على هذه العمليّات المتكرّرة من فتح أعضاء المرأة وإغلاقها في مناسبات متعدّدة ما بين زواج وولادة وطلاق وزواج مرّة أخرى».
وتربط نظريّة حديثة نشوء كل من ختان الذكور والإناث بعنصر جغرافي واقتصادي. تقول هذه النظريّة بأنه قَبل 6000 سنة حدثت تقلبات مناخيّة قاسيّة في المناطق التي يطلق عليها اسم «صحرآسيا» الممتدة من شمال إفريقيا إلى أواسط آسيا. ومن جرّاء هذه التقلبات حل «النظام الأبوي» العنيف محل «النظام الأمي» المسالم الديمقراطي الذي كانت تسيطر عليه الأم. وهذه المجتمعات التي يسيطر عليها «النظام الأبوي» تنظر نظرة قلقة للجنس ويسيطر فيها الرجل على المرأة ويحتل فيها الإله دوراً كبيراً.
وتقول هذه النظريّة أنه في زمن المجاعة يصبح اهتمام الأهل بالطفل أضعف ورد فعلهم لصراخه أقل. والأم في بحثها المتواصل عن الطعام القليل لا تستطيع أن تعطيه الحنان الضروري، خاصّة إذا كانت هي ذاتها محرومة من الحنان في طفولتها. وكما مع القردة الأم التي ربّيت دون أم، فإنها تصبح أقل اعتناءاً بأطفالها. وهكذا تنمو القساوة في العلاقة بين الأهل وأطفالهم. وبعدها تنشأ عند المجتمع نظرة غاضبة وقلقة نحو الأم. فتتدخّل المعتقدات والقوانين والعادات والطقوس لكي تسن عدد من المحرّمات بخصوص المرأة. ويؤدّي إضعاف العلاقة بين الأم وابنها إلى إضعاف العلاقة بين المرأة والرجل. وهذا بدوره يؤدّي إلى تطوّر العنف والساديّة التي تدور حول الأعضاء الجنسيّة، ومن بينها عادة ختان الذكور والإناث. وبعد تغلغل هذه الطباع في المجتمع تصبح صفة مميّزة يحملها أفراده في هجراتهم وتصيب العدوى غيرهم من الشعوب. وحتى إن تغيّرت الظروف الجغرافيّة التي كانت الدافع الأوّل لنشوء مثل هذه الطباع، فإن هذه الأخيرة تستمد قوّتها من كونها أصبحت تشريعاً وعادة. ولكي يتم إنهاء الختان لا بد من تغيير النظام الاجتماعي الأبوي العنيف الذي يصاحبه.
وتلاحظ هذه النظريّة أن بؤرة ختان الذكور والإناث نشأت في المناطق الشرقيّة الشماليّة لإفريقيا أو في الجزيرة العربيّة ومنها انتقلت إلى مناطق أخرى مع الهجرات البشريّة وخاصّة الفتوحات الإسلاميّة. وموازياً لهذه المنطقة، هناك مناطق جغرافيّة أخرى مستقلة مارس سكانها كل من ختان الذكور والإناث، مثل القبائل الأستراليّة وبعض قبائل الأميركتين. وفي هذه المناطق أيضاً رافق الختان تقلبات مناخيّة قاسيّة.
وإن كان للعامل الاقتصادي دور في نشوء الختان، فله أيضاً دور في تحوّله من طقس ديني إلى طقس طبّي. فهناك كثير من اليهود الذين يفضّلون إجراء عمليّة الختان في المستشفى على يد طبيب في الأيّام الأولى بعد ولادة الطفل مخالفين في ذلك التعاليم الدينيّة التي تفرض إجراء الختان ضمن طقس ديني وفي اليوم الثامن. وهذا التصرّف نابع من كون الختان في المستشفى أقل كلفة من الختان الديني الذي يتطلب إحضار خاتن من مدينة أخرى وتعويضه ماليّاً حسب المسافة التي يقطعها. ويلاحظ هذا التحوّل فيما يخص ختان الذكور والإناث في المجتمعات الأخرى. فالختان الطقسي تتبعه احتفالات يشارك فيها الكثيرون وتكلف مصاريف ليس في مقدور كل واحد تحمّلها. لذا تم التخلي عن المظاهر الخارجيّة مع الإبقاء على الختان الذي أصبح يجرى في المستشفى فور الولادة. ويشار إلى أن الختان الفرعوني حل محل حزام العفة المكلف والذي يتطلب معرفة فنّية، كما حل محل نظام الحريم الذي لم يعد من السهل تأمين الخصيان له وتحمّل تكاليفه.
وتغيير الأوضاع الاقتصادية من أهم العوامل التي يمكن من خلالها القضاء على ختان الإناث. فالمرأة التي لها عشرة أطفال عليها أن تسعى لإطعامهم. وسوف تسعى لتزويج بناتها إذا كان الزواج هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من أعبائهن. وإذا ما فرض الرجال الختان كشرط للزواج، فإن المرأة سوف تخضع لشروطهم. أمّا إذا كانت للبنات إمكانيّة للعيش اقتصاديّاً دون زواج، فإن أمّهن لن تقبل بشروط الرجال. ولذا يجب إعطاء النساء والفتيات وسيلة اقتصادية للعيش حتى لا يتمكن الرجال من فرض شروطهم عليهن. وعلى الدول الغربيّة التي تكافح للقضاء على ختان الإناث في الدول الإفريقيّة تخصيص جزء من أموال التنمية لصالح النساء الإفريقيّات لتأمين استقلالهن الاقتصادي.
هل يعود تبرير الختان إلى كونه مصدر ربح للأطبّاء والخاتنين؟
إن الهدف الأوّل والوحيد للطبيب من إجراء الختان قد لا يكون دائماً الحصول على ربح مادّي. ولكن من المؤكد أن الطبيب الأمريكي الذي يرفض إجراءه يتعرّض لخسارة ماليّة قدّرتها مؤلفة أمريكيّة بـ 10000 دولار سنوياً. وهذا المبلغ الذي يخسره الطبيب الرافض سوف ينتهي إلى جيب طبيب منافس آخر. ولذا يمكن اعتبار رفض ذاك الطبيب إجراء الختان من الأعمال البطوليّة حقاً.
ويتضح دور ربح الطبيب في معدّل الختان ممّا حدث في إنكلترا. ففي بداية الحرب العالميّة الثانية كان معدّل الختان في الطبقات المرفهة هناك يصل إلى 80%، وفي الطبقة العاملة إلى 50%. وكان الأطبّاء هناك يتذرّعون بمكافحة العادة السرّية. ولكن بعدما أخذ هذا البلد بنظام التأمين الاجتماعي انخفض معدّله تدريجيّاً إلى أن وصل إلى ما يقارب الصفر في السبعينات. لقد فقد الأطبّاء الإنكليز السبب الحقيقي الذي كانوا من أجله يجرون الختان: أي الربح المالي، إذ لم يعد هناك فرق في معاشهم، أجروا العمليّة أم لم يجروها.
ويثير معارضو ختان الإناث نفس المشكلة. فهم يرون أن الربح عامل انتشار لهذه العادة في الدول الإفريقيّة. فكثير من الخاتنات تعتمد على هذه العمليّة كوسيلة لكسب لقمة العيش. وحتى تنجح حملة مكافحة ختان الإناث، تبيّن أنه من الضروري الاعتناء بالخاتنات وتعليمهن مهنة يكسبن منها لقمة العيش حتى يتخلين عن إجراء ختان الإناث.
كأننا دخلنا في مرحلة "الختان الصناعي"، والتجارة في الغلفة !
عندما أخذ الأطباء بإجراء الختان كان لليهود السبق في اختراع آلات تحل محل السكين والمقص. وقد ساعدت هذه الآلات في تثبيت عادة الختان إذ إن من يشتريها لا بد له من أن يستعملها لتغطية تكاليفها. وقد قامت الشركة الأمريكيّة المصنّعة لملزم «جومكو» بالدعاية له في الدول التي لا تمارس الختان مثل ألمانيا الغربيّة والشرقيّة. ففتحت مركزاً للتوزيع في مدينة «اولم» الألمانيّة عام 1957. وقد تم ختان 150 طفلاً في مستشفى دون تخدير بواسطة هذا الملزم في مدينة «دارمشتادت» عام 1959 ضمن حملة للترويج له. وفي عام 1968، كان هناك اتفاق لختان 2832 طفلاً في ألمانيا الشرقيّة بواسطة هذا الملزم أملاً في انتشاره في هذا البلد. إلاّ أن هذه الحملة توقّفت بعد نقد الأوساط الطبّية الألمانيّة للختان في أوائل السبعينات. وقد انتقلت الشركة إلى محاولة ختان أطفال الدانمارك فتم ختان 18 طفلاً عام 1973 بهذا الملزم ونشرت دعايات له في المجلاّت الطبّية الدانماركية. ولكن كان هناك رفض شعبي لمثل هذه الإجراءات.
كانت الغلفة وما زالت تعتبر عند البعض عضواً نجساً. وقد تعبّد البعض بها أو أستعملها لمداواة العقم. ومنهم من وضعها في فم طفل قَبل ختانه لتقيه هجوم الأرواح الشرّيرة. ومنهم من دفنها مع الخاتن لتضمن ثوابه في الآخرة. وبجانب هذه الاعتقادات الخرافيّة، هناك من رأى في الغلفة سلعة تجاريّة. فقد أصبحت للغلفة استعمالات صناعيّة وطبّية. فهي تدخل في صنع بعض مستحضرات التجميل كما تستعمل في إجراء التجارب الطبّية وفي ترقيع المحروقين. فكلما كان الجلد حسّاساً وخلاياه قادرة على التمدّد، كلما كان تكثيره أسهل وأفضل. وهاتان الميّزتان تتواجدان في الغلفة.
منذ الثمانينات، بدأت بعض المستشفيات الخاصّة بتزويد الشركات والمعامل الطبّية والدوائيّة بغلفات جنت من ورائها أرباحاً طائلة. فقد تباهت شركة عام 1996 بأن رأس مالها يقدّر بـ 663,9 مليون دولار. وفي مقال صدر عام 1992، قدّرت المعامل الطبّية أن تجارة زراعة الجلد ستصل إلى مبالغ تراوح المليار والنصف إلى ملياري دولار سنوياً في نهاية التسعينات.
وبما أنه ليس لعمليّة الختان أسباب طبّية، بل رغبة الطبيب في تحقيق ربح من ورائها، فإن معارضي ختان الذكور يرون في تجارة الغلفة مشكلة جديدة تعرقل حملتهم. فما دام هناك طلب على الغلفة، فلا بد من توفيرها بختان أكبر قدر ممكن من الأطفال. فأخذ المعارضون يحذّرون الأهل من أن المستشفيات والأطبّاء الذين يجرون عمليّة الختان يسرقون غلف أطفالهم ليبيعوها. فأحد تلك المستشفيات في الولايات المتحدة يبيع الغلفة بـ 35 دولار.
حاول معارضو ختان الذكور لفت نظر شركات التأمين إلى أن عمليّة الختان ليست ضروريّة طبّيا، حتى لا تقوم بدفع تكاليفهاً. إلاّ أن لتلك الشركات منطق آخر. فقد ردّت شركة تأمين تقول:
«نحن على علم بأنه لا حاجة طبّية لهذه العمليّة [...] ونحن نشجّع مشتركينا على عدم إجرائها. إلاّ أن إجراءها لا يكلفنا شيئاً بسبب طبيعة العقد مع المستشفيات. فنحن ندفع تكلفة يوميّة مهما كانت الخدمة المقدّمة. ولذلك اخترنا الاستمرار في دفع العمليّة لأننا نشعر بأن عدداً كبيراً من مشتركينا يريدون ذلك. وإذا رفضنا دفعها فقد يكون رد فعل مشتركينا سلبيّاً [...]. لذلك قرّرنا الاستمرار في تقديم هذه الخدمة لهم. إن الخلفيّة التي تدعم الختان ثقافيّة واجتماعيّة وليست طبّية. ونحن نستجيب لطلب اجتماعي وثقافي بدفعنا هذه العمليّة».
ونشير هنا إلى أن بعض شركات التأمين تخلت عن دفع تكاليف الختان. فقد أرسلت إحدى تلك الشركات واسمها Pennsylvania Blue Shield في أوّل يناير 1987 رسالة لمشتركيها تعلمهم فيها أنها لن تغطي من الآن فصاعداً تكاليف عمليّة ختان حديثي الولادة بناءاً على «أبحاث طبّية تفيد بأن عمليّة الختان ليس لها فائدة طبّية». وقد طالبت تلك الشركات من الأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال وغيرها من الهيئات الطبّية أخذ موقف من الختان لتعتمد عليه في قرارها.
هذا ويلجأ الأطبّاء أحياناً للغش لتخفيف الأعباء عن الأهل. فقد أخبرني أستاذ جامعي مسلم مصري في لندن بأنه ختن أطفاله في المستشفى. وعندما سألته هل دفع تكاليف العمليّة أجاب بأن الطبيب كان متعاوناً معه فكتب أن سبب الختان كان ضيق الغلفة. وهذا ما يجري أيضاً في فرنسا حيث لا يدفع التأمين الاجتماعي إلاّ العمليّات الضروريّة طبّياً.
هل من أمثلة؟
يتطلب تغيير المجتمع سواعداً ومالاً. وهناك تعبير فرنسي يقول: «المال عصب الحرب». ومثل سويسري يضيف: «من يدفع يأمر».
لقد أصبح الغرب والمنظمات الدوليّة التي تدور في فلكه مصدر رئيسي لتمويل منظمّات مكافحة ختان الإناث. وبما أن الغرب يرفض الدخول في جدل حول ختان الذكور، فإن تلك المنظمات تتفادى هذا الموضوع. ويلجأ الغرب أحياناً إلى التهديد بقطع المعونات الاقتصادية عن الدول التي لا تناهض ختان الإناث. وتشير منظمة «أرض النساء» الألمانيّة بأن أحد أهدافها حجب المعونات عن تلك الدول.
وسلاح المال ليس حكراً على الحكومات. فمؤيّدو ختان الذكور يلوّحون بالملاحقات القضائيّة لكي يستمر الأطبّاء في إجراء ختان الذكور وشركات التأمين في تغطية تكلفة هذه العمليّة. فقد كتب الطبيب «وايزفيل»، صاحب نظريّة حماية الختان من التهابات المسالك البوليّة، مقالاً يقول فيه بأنه إذا تم وضع صبي في عمليّة غسل كلى بسبب التهاب المسالك البوليّة لعدم ختانه، فإن شركات التأمين التي ترفض دفع تكاليف الختان سوف تعتبر مسؤولة عن ذلك.
هذا وتشجّع الجمعيّات المعارضة للختان رفع قضايا ضد الأطبّاء الذين يجرون ختان الذكور. ويشير محامي أمريكي دافع في قضايا ختان بأن تلك القضايا سلاح فعّال. فهي وسيلة لتثقيف الأطبّاء وردع المستشفيات وتنبيه شركات التأمين بأن الختان عمليّة خطيرة وغير ضروريّة. وهي وسيلة للربح لكل من المحامي وموكله. وكل قضيّة يتم كسبها يعني مزيد من ضغط شركات التأمين على المستشفيات والأطبّاء للكف عن هذه العمليّة المكلفة قضائيّاً. أضف إلى ذلك أن هذه القضايا سوف تثير انتباه العامّة وتثقّفهم.
في كتابك متابعة دقيقة للمعركة القانونية والعلمية والدينية والأخلاقية الدائرة بين الذين يرون في الختان ضرورة صحية وواجب ديني والذين لا يرون فيه غير اعتداء صارخ على سلامة الجسد. فهل سينتصر العقل وملايين الأطفال أم إيمان الآباء والتجارة بالغلفة؟
في القرن الثامن قبل الميلاد عبر النبي الشاعر اشعيا عما تتمناه البشرية من سلام ووئام حتى بين البشر والحيوانات، قائلا: «يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويعلف العجل والشبل معاً، وصبي صغير يسوقهما [...]، لا يسيئون ولا يفسدون» (أشعيا 6:11 و9).
لا يستطيع المجتمع أن يعيش في فوضى تاركاً أفراده يتصرّفون كما يشاؤون ليس فقط في علاقتهم مع المجموعة بل أيضاً في علاقتهم مع أفراد العائلة أو حتى في تصرّفهم الذاتي. فالإنسان لا يعيش منعزلاً عن مجتمعه وعليه أن يخضع لقواعد تضمن التعايش السلمي داخل هذا المجتمع. وإلاّ فأن هذا المجتمع يتعرّض للتحلل الداخلي.
وتفادياً لهذا التحلل الداخلي، قام المجتمع بسن قواعد ذات طابع قانوني أو طابع أخلاقي تفرض احترام حياة الفرد وسلامة جسده، وتحدّد الحالات التي يمكن فيها التعدّي على هذا الحق المقدّس، إذا كان ذلك لصالح الفرد، كقطع يد مريضة للحفاظ على باقي الجسد، أو كإعدام مجرم اقترف ذنباً خطيراً يهدّد الأمن العام. وضمن هذا الإطار منعت القوانين الضحايا البشريّة كقرابين للآلهة، كما حدَّت من حق رب البيت في التعرّض لحياة أو سلامة جسد أبنائه أو حتى عبيده. ويدخل في ذلك الحق في سلامة أعضائه الجنسيّة. فتم منع الخصي في العصر الروماني.
إلاّ أن البشريّة ما زالت متمسّكة بعاداتها وغرائزها القديمة، بشكل أو بآخر. فرغم تقدّم العقل البشري في مجالات جمّة حتى استطاع أن يصل إلى القمر، ويخترق الذرَّة، ويحوّل العالم إلى قرية صغيرة من خلال نظام شبكة الانترنيت العملاقة، إلاّ أنه ما زال مُصِرّاً على التعدّي على الأعضاء الجنسيّة للأطفال، ذكوراً كانوا أو إناثاً. فشرعة الغاب التي كانت تتحكم في المجتمعات الهمجيّة في العصور الغابرة ترمي بظلالها على عصرنا هذا، فتذهب ضحيّتها ما لا يقل عن خمسة عشر مليون طفل سنوياً، منهم ثلاثة عشر مليون ذكر، ومليوني أنثى. وكما يذكر المثل: «الطبع غلب التطبع». فلك أن تعلم القط القراءة والكتابة وركوب المركبات الفضائيّة والتحكم في أكثر الآلات تعقيداً، إلاّ أنك لن تستطع أن تمنعه من أكل الفئران. وما زال حتى يومنا هذا قول النبي أشعيا السابق الذكر حلماً صعب المنال.
إلاّ أن البشريّة لا يمكنها أن تعيش بلا أحلام، ولا أحد يستطيع أن يمنعها من أن تحلم بعصر يعيش فيه أطفالها ذكوراً وإناثاً في سلام، دون تعدّي على أعضائهم الجنسيّة، رافضة التحجّج بيهوه أو بالله، برجال العلم أو برجال الطب. وقد بدأ فعلاً بعض ذلك الحلم يتحقّق، خاصّة فيما يتعلق بالإناث. إلاّ أن الطريق إلى تحقيق هذا الحلم ما زال طويلاً فيما يتعلق بالذكور. فختان الذكور تحيط به أسوار منيعة من الكذب والتدجيل والتحايل والمصالح الماليّة والدوافع السياسيّة التي لا يمكن كسرها إلاّ بعد جهد جهيد.
وإذا ما قَبلنا بحق البشريّة في الحلم، فلا بد من أن نعترف بأن حركة معارضة ختان الذكور والإناث دون تمييز تعتبر إحدى قوى الإصلاح الاجتماعي في عصرنا، إن لم تكن أهمّها على الإطلاق. والمشاركون في هذه الحملة يعرفون ذلك حق المعرفة. ففي المؤتمر الثالث الدولي للختان الذي عقد في جامعة مريلاند عام 1994، وقف القس «جيم بيجلو» خاطباً: «نحن الروّاد. من قَبلنا الهمجيّة، ومن بعدنا تبدأ الحضارة». فالهمجيّة تتصدّى للأطفال الأبرياء وتبتر أعضاءهم الجنسيّة، أمّا الحضارة فترفض مثل هذا التصرّف.
ولا تتخيّل هذه الحركة الإصلاحيّة بأنها سوف تغيّر الوضع بين ليلة وضحاها. فنظام العبوديّة تطلب مئات السنين لإلغائه، وما زال له بعض الرواسب في دول مثل موريتانيا والسودان، إضافة إلى بعض مظاهر الرق في الدول المتقدّمة ودول العالم الثالث. وإلغاء ختان الذكور أكثر صعوبة من إلغاء نظام العبوديّة لأن وراءه قوى دينيّة كبرى متمثلة في اليهود والمسلمين والمتعصّبين بين المسيحيّين، كما وراؤه المستفيدون ماليّاً بين الأطبّاء. والأطفال الذين يجرى عليهم الختان لا يمكنهم أن يثوروا كما ثار العبيد. فهم لا يملكون إلاّ الصراخ أمام أهلهم والجماعات الدينيّة وأصحاب المهن الطبّية. ولا بد لهم من مدافع جسور لا يلعب الدين في دماغه، ولا ينبهر بهالة الأطبّاء، ولا يدخل مال الختان وثمن الدم في حسابه.
إن كل شخص يقوم بمجهود يأمل أن يتوّج مجهوده بالنجاح. والأمل الذي أود أن أعبّر عنه في نهاية هذا الكتاب أن يؤدّي مجهودي ومجهود المناضلين قَبلي وبعدي في القضاء على كل من عادة ختان الذكور وختان الإناث. ولكن متى يمكن الوصول إلى مجتمع يحترم أطفاله ولا يعرّضهم للبتر نتيجة الهوس الديني والطبّي والاجتماعي؟ الجواب سهل: بقدر الجهد والمجاهدين يتحقّق الهدف. لذا أهيب بالقارئ الكريم إلى ضم صوته إلى صوتي هذا. ولنتذكر أن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. ومهما طالت الرحلة ومهما طغت القوى الظلاميّة، فإن الأجيال اللاحقة سوف تحتفظ في ذاكرتها في أن هناك من لم يوافق على ما يتعرّض له الأطفال من معاملة سيّئة فرفع صوته عالياً لكي تكف تلك المعاملة.