نظريات فلسفية
 
 


 النتائج النفسية والاجتماعية للختان



الفصل العاشر : النتائج النفسيّة والإجتماعيّة للختان

تصوّر نفسك جالساً أو نائماً مع من تحب. ويدخل عليك فجأة أناس تجهلهم فيمسكوك بقوّة ويخلعون ملابسك ويقطعون جلد قضيبك بسكّين حاد في عمليّة قد تدوم 15 دقيقة وأنت تصيح من الألم وتصارع لكي تفلت منهم. وفي حدّة الألم تكتشف أن من تحب قد تآمر عليك وساعد في تعريتك وبتر جلد قضيبك. فماذا سيكون رد فعلك؟ وهل تختلف آثار هذه الصدمة التي تصاب بها كبالغ عن آثار الصدمة التي يصاب بها من هو أصغر سنّاً؟

لقد طرح هذا السؤال من زمن قريب. وما زال حتّى الآن بعض الناس يستهجنونه، من بينهم كثير من الأهل والأطبّاء. وهذا الإستهجان نابع من الإعتقاد أن الطفل لا يتمتّع بجميع الحواس، ولا يشعر بالألم كما يشعر البالغ، ودماغه لا يمتلك القدرة على تذكّر ما يجري له فهو سريع النسيان. أضف إلى ذلك أن المجتمع نفسه لم تتبلور لديه فكرة أن للختان آثاراً نفسيّة. فهناك إعتقاد سائد بأن المختونين لا مشاكل لهم ولا يشتكون من أي أعراض. وهذا الموضوع لم يتعرّض له الباحثون إلاّ نادراً بسبب حساسيّته على عدّة أصعدة، ليس أقلّها المحرّمات الدينيّة والجنسيّة والسياسيّة. وهذه المحرّمات تصد الأوساط الحكوميّة والخاصّة والأكاديميّة عن تمويل أبحاث عن هذا الموضوع أو قبولها، ناهيك عن نشرها حتّى في أكثر الدول تحرّراً. أضف إلى ذلك أن كل باحث يقصد من وراء بحثه الشهرة والمال. وبحث حول الآثار النفسيّة تؤدّي إلى نتائج عكسيّة. ولا أحد يبحث عن "خراب عيشه".

هذا وقد رأينا في الجدل الطبّي آثار الختان الجنسيّة. وسوف نتكلّم هنا عن آثاره على الفرد وعلاقته مع أهله والمجتمع. وننبه القارئ بأن علم النفس مبني على فرضيات معقّدة ليس من السهل إستيعابها لغير المتخصّص، ولكن لا يمكن إستبعادها كلّياً. ونحن في عرضنا هذا نأخذ بالمبدأ القائل : "تعلّم السحر ولا تعمل به" و"العلم بالشيء خير من الجهل به". وسوف نعتمد خاصّة على كتاب عالم النفس "رولاند جولدمان" وعنوانه (الختان : الصدمة الخفية، كيف تؤثّر عادة ثقافية أمريكية على الأطفال وعلينا جميعاً) باعتباره الكتاب الوحيد الذي تعرّض لهذا الموضوع بصورة شاملة، وعلى كتاب عالمة النفس "اليس ميلير" وعنوانه (المعرفة المنفيّة : مواجهة إيذاء الطفولة).

الفرع الأوّل : آثار صدمة الختان على الطفل

1) إنكار ترك ختان الذكور والإناث آثاراً نفسيّة

كتب "موزيس" : "لقد إدّعى بعضهم أن لختان الذكور آثار سلبيّة نفسيّة وعاطفيّة وجنسيّة طويلة المدى. ولكنّنا لم نتمكّن من العثور إلاّ على بعض النوادر، أمّا الإثباتات العلميّة فلا توجد" 1. وقال "شوين" في محاولة لإقناع الأوروبيين بإجراء الختان : "إن 70 مليون مختون في الولايات المتّحدة يثبتون أن لا أثر للختان على مستوى الصحّة العاطفيّة أو الممارسة الجنسيّة وليس هناك دراسة موضوعيّة تثبت العكس" 2. وقال حاخام أنه "لا يوجد أي برهان على أن الختان يؤثّر على مستقبل الأطفال. فهم ينسون تلك العمليّة كالجروح التي تدمي [...]. ماذا يفعل علماء طب النفس إن لم يهتمّوا بذلك؟ إنهم سيعانون من البطالة. إنك تعطي الطفل صفعة صغيرة عندما يولد. وهذا لا يسبّب له صدمة" 3. ومثل هذا الرأي نجده عند مؤلّف إفريقي يقول :

"لم يؤدِّ ختان الذكور أبداً إلى نتائج سلبيّة، لا على المستوى الجسدي أو الإجتماعي أو النفسي. [...] وكل ما يمكن إعتباره هو الألم الشديد الذي ينتج عن العمليّة ومخاطر الصدمة النفسيّة. ولكن هذه الفكرة مجرّد خيال. فالأفراد لا يعيشون هذا الألم كظلم أو إستبداد أو مجرّد تعسّف يفرض عليهم. فهذه العمليّة تجرى على كل ذكور الجماعة، وهي الوسيلة الوحيدة التي تؤدّي إلى الوجود الجماعي. وما الألم الناتج عنها إلاّ نوع من التدريب على تحمّل الألم" 4.

وهناك من يرفض التكلّم عن صدمة الختان لأن بعض المجتمعات لا تتقبّل هذه الفكرة. تقول طبيبة يهوديّة بريطانيّة معارضة للختان أن فكرة "الذاكرة اللاشعوريّة" غير متداولة كثيراً في بريطانيا إلاّ في إطار محدود من المثقّفين، على خلاف ما هو عليه الأمر في أمريكا. فثقافة الطب النفسي لم تتغلغل بعد في المجتمع البريطاني إذ إن الناس يطلبون برهاناً علميّاً لكل ذلك كمن يتعامل مع الشعور بمعادلات حسابيّة. وتضيف بأنه يكفي في مثل هذا المجتمع الإعتماد على المبادئ الأخلاقيّة والقول بأنه حتّى وإن كانت لا توجد "ذاكرة لاشعوريّة"، إلاّ أنه من الغلط إيلام شخص ما. وهي تقول لمن يدّعي أن ألم الختان سريع الزوال بأنها لا تتّفق معه، ولكن حتّى وإن كان على صواب، هل يمكن أن نقبل بإيذاء شخص آخر حتّى وإن كان ذلك لدقيقة مع القول بأن الألم يمر؟ 5

2) تأثّر الصغار بالصدمات

قَبل القول بأن للختان آثار يجب بداية معرفة ما إذا كان عند الطفل قدرة على التذكّر. فكثير من الباحثين ينكرون ذلك معتبرين أن الطفل لا يحتفظ بذكرى تجاربه التي يمر بها في صغره. وهم يعتمدون على عدم مقدرتهم تذكّر ما حدث لهم في صغرهم. ولكن غيرهم يرون أن الطفل يتمتّع بذاكرة شعوريّة ولاشعوريّة تكيِّف تصرّفاته في حياته. وقد تم البرهنة على أن القردة والفئران والعصافير والحلزون والفراشات تمتلك مثل تلك الذاكرة، فكيف يمكن أن ننكر على الإنسان تمتّعه بمثل تلك المقدرة على التذكّر؟ 6 فنحن نخزّن المعلومات في ذاكرتنا حتّى وإن لم نستطع إستعادتها. وهنا يأتي دور عالم النفس لإستنباط ما خفي في أنفسنا بهدف معرفة أسباب المشكلات المرضيّة النفسيّة 7.

ولعدم وجود أبحاث حول آثار الختان النفسيّة، يُلجأ إلى الآثار النفسيّة لصدمة الولادة والتي تم بحثها في دراسات عدّة. فقد لوحظ أن الألم الذي يعيشه الشخص في وقت الولادة يؤثّر على تصرّفاته مدى الحياة. وقد بنى بعض علماء طب النفس علاقة بين تجربة الولادة وما يحدث في الحياة عندما يكبر الشخص :
تجربة الولادة        عوارضها في الحياة
الولادة بواسطة ملقط الجذب    عدم الإستقلاليّة ووجع الرأس
ولادة متأخّرة        عدم الصبر والشعور بالوقوع في فخ
ولادة قيصريّة        عدم إحساس بالحدود وصعوبة في التعلّم
ولادة مبكّرة        مقاومة التغيير والتعلّق بفكرة معيّنة
الإختناق في الولادة      داء الربو
ولادة مصاحبة بصدمة كبيرة    رغبة في الإنتحار وقلق من الموت 8

3) تأثير صدمة الختان على الذكور

إذا كان للوالدة أثراً، فلا يمكن إنكار أن للختان أثر مماثل لا سيما لو تم بعد وقت قصير من الولادة. وقد أشار علماء النفس الأمريكيّون منذ زمن طويل إلى آثار تلك الصدمة. فقد نشر الدكتور "دافيد ليفي" بحثاً عام 1945 يقول فيه إنه تأثّر بكثرة عدد الحالات التي شهد فيها الهلع والهم واضطراب البال ترتسم على وجوه الأطفال عقب إجراء الختان، ولاحظ أنه كلّما كان الطفل أصغر سنّاً كان أعظم تأثّراً بالألم وأشد إستجابة له. وقد وجد أنه كثيراً ما ينجم عن تلك الصدمات نوبات من الفزع والرعب تنتاب الأطفال أثناء نومهم فيهبّون مولولين ثم يصمتون قانطين. كما وجد أن هذه الصدمات تتلاشى ويزول أثرها بعد فترات تتباين طولاً وقصراً، ولكن قد يحدث ألاّ تزول البتّة في الطفولة فتظهر في الكبر على صورة مسلك عدائي للمجتمع واستجابة للنزعات الهدّامة وسقوط في حمأة الإجرام ينشد به الإقتصاص من المجتمع. وقد شهد أطفالاً في الثالثة والرابعة من أعمارهم أصبحوا بعد جراحة الختان ذوي طباع شكسة ونزوع إلى التمزّق والتحريق والهدم والقتل والإنتحار. وشهد كذلك طفلاً أصبح بعد ختانه يبلّل فراشه 9.

وقد لاحظت بعض الدراسات أن لا فرق بين إستجابة الأطفال الذكور والإناث الأوروبيين للإستثارات السمعيّة والذوقيّة، بينما هناك إختلاف بين إستجابات الذكور والإناث الأمريكيّين. وقد أرجع هذا الإختلاف إلى إرتفاع نسبة الختان في الولايات المتّحدة 10. وبيّنت دراسات أخرى أن 90% من الأطفال المختونين قد تغيّرت تصرّفاتهم بعد الختان وأن الأطفال المختونين أقل قدرة على الترويح عن أنفسهم. وبيّنت بعض الأمّهات أن أطباع أطفالهن قد تغيّرت بعد الختان، وصاروا يصرخون لمدّة أطول، مع إستحالة تهدئتهم. وهذا يعني أن لهم مقدرة على التذكّر 11.

ويقول الدكتور "جيرارد تسفانج" : "إن عدداً من الأطفال المختونين ينمو لديهم خوف من الألم. فهم لا يتحمّلون أي قدر من الألم البسيط كالذي ينتج عن الفحوصات الطبّية والتلقيح دون أن يصابوا بنوبة هستيريّة" 12.

وهناك شهادات لأطفال عمرهم بين 3 و6 سنين تبيّن أنهم يتذكّرون فعلاً ختانهم في صغرهم، وكيف أنهم سحبوا من حضن أمّهم. كما أن بعض الرجال يسترجعون في ذاكرتهم ختانهم. وقد وصف أحدهم تحت التنويم المغنطيسي بالتفصيل كل ما حدث له خلال عمليّة الختان والألم الذي تعرّض له عندما كان طفلاً. وقد عبّر آخر عن شعوره قائلاً : "الغضب تعبير لطيف شاحب لما أحس به. وقد يكون أكثر دقّة تسميه حقد ورغبة في الثأر وتعذيب وتشويه وتدمير كل شخص له أيّة علاقة بإجراء الختان أو أمر به أو طلبه". وقد قام طبيب آخر بمداواة نفسه بنفسه باسترجاع ختانه في ذاكرته. يقول : "كانت التجربة مثيرة للعاطفة ومخيفة. لقد شعرت بخوف كبير، وبدأت أصب عرقاً، وأرجف لمدّة طويلة. وفي بعض الأحيان كان ينتابني شعور بالغضب. كنت أرغب في حماية نفسي، ولكني لم أكن أستطيع ذلك. لقد شعرت بنفسي حزيناً جدّاً، مغموراً بالأسى، واليأس والإحباط" 13.

وتبيّن دراسة تمّت على صبيان أتراك ختنوا بين عمر 4 و7 سنين أن الصبي يشعر بالختان كتعدّ جسدي، وعمليّة إيقاع ضرر، وبتر، وفي بعض الحالات يشعر بأنه تدمير له. وقد أدّى ذلك إلى إضعاف في شخصيّة الصبي، وانغلاق على الذات، واتّجاه للعنف. وفي دارسة ثانية تبيّن أن الأطفال كانوا في حالة رعب شديد. ومنهم من سقط مغشياً عليه وأصيب بعد ذلك بالتأتأة. وبعد بضع أسابيع قال أهل الأطفال أنهم أصبحوا أكثر عنفاً، وأنهم كانوا يرون أحلاماً مرعبة في منامهم، ويلاقون صعوبة في التكيّف مع محيطهم. وبعض الأطفال شعروا بالخوف من الخصي 14.

وقد قال شخص ختن وعمره عشر سنين بأنه أصبح أقل تعاطفاً مع الغير وأقل ثقة فيهم. وقال غيره ختن في سن الرابعة بأنه يهاب التعرّي أمام الغير وأنه يلاقي صعوبة في علاقته معهم. وهناك أعداد متزايدة من المختونين في الولايات المتّحدة الذين يعبّرون عن عدم رضاهم عن ختانهم 15. ويرى "ايرليخ" أن الختان في الصغر لا يؤدّي إلى نتائج نفسيّة أو قد يؤدّي إلى نتائج غير هامّة، بينما يعترف بأن إستئصال اللوزتين يترك أثراً في نفس الشخص يظهر عندما يتم بحث التجربة المؤلمة المُعاشة خلال الطفولة. فهناك شعور بالقلق وتشويش الشخصيّة وأن من يرعاه تخلّى عنه. وقد لوحظ أنه كلّما كان الطفل أصغر، كلّما كان الأثر أكبر 16. وهذا التناقض عند "ايرليخ" قد يكون نابعاً من إنتمائه لليهوديّة ودفاعه عن الختان، أو نتيجة كبته لما يشعر به.

4) عوارض صدمة ختان الذكور

قد تظهر عوارض الإضطرابات الناتجة عن الصدمة، كما هو الأمر في صدمة الختان، مباشرة بعد الصدمة أو في زمن متأخّر، وقد تبقى لمدّة محدّدة أو تظل لمدى طويل. وتصنّف كما يلي :
أ) إستعادة الصدمة في الذاكرة من خلال التفكير أو الأحلام أو التخيّلات، أو من خلال الأفعال، وردود الأفعال تجاه شيء يذكر بتلك الصدمة. فقد لوحظ أن الذين أنتهكوا صغاراً، كما هو الأمر في الختان، يتصرّفون تصرّفات سادومازوشيّة، أي يتلذّذون بإيلام نفسهم وبإيلام الغير. وقد يكون ذلك إستعادة للصدمة التي عانوا منها في طفولتهم. ومن المعروف أن أكثر الذين يتصرّفون على هذا النحو هم رجال. وليس مستبعداً أن يزيد الختان من هذه الظاهرة 17. وقد يتفادى بعض الرجال النظر إلى السكّين والمقص طوال عمرهم. وهذه وسيلة لعدم تذكّر الختان. وبعضهم يكره سماع كلمة الختان ويرتجف لسماعها. وبعضهم إذا وضعت كتاباً عن الختان بين يديه يصبح في حالة هستيريّة 18. وقد بيّنت دراسة أجريت في تورنتو أن الأطفال المختونين أكثر بكاءاً وبصوت أعلى من الأطفال غير المختونين عند تطعيمهم ما بين 4 و6 أشهر. وقد برّرت هذه الظاهرة بأن الذاكرة تحتفظ بألم الختان وتستعيدها عندما يتعرّض الشخص لألم جديد 19.
ب) تفادي التفكير بالصدمة أو كل ما قد يذكر بها : ويقصد من هذه الظاهرة عادة حماية الذات من الآلام التي يحس بها الشخص عند إستعادة الصدمة في الذاكرة. وقد يكون هذا هو سبب عدم إهتمام الكثيرين بالختان. فهم يكبتون ما حدث لهم في تجربة الختان، ويرفضون أو يتفادون كل كلام عن هذا الموضوع. وقد ذكر مركز مهتم بدراسات الختان أن البعض يتفادون أيضاً كتابة كلمة الختان على مغلف الرسالة. وقد لاحظ بعضهم أنك إذا وضعت على سيّارتك شعاراً ضد الختان، فإن السيّارات التي تتبعك سوف تأخذ مسافة كبيرة منك لتفادي قراءة هذه الكلمة 20.
ج) يلاحظ عند بعض الرجال صعوبة في النوم وميل للغضب والأجوبة الفجائيّة. وحتّى بعد مرور زمن طويل على الختان، يبقى عند بعض المختونين شعور بالغضب وميل للثأر. وإذا عاش مختون في محيط مؤيّد للختان، فإن هذا الغضب يمكن كبته إلى أن يصل إلى حد لا يمكن معه الإحتمال. فيؤدّي ذلك إلى إنفجار وعنف. ويجد الذين أنتهكوا صغاراً عامّة مشاكل في السيطرة على الغضب فيحوّلوه إمّا ضد أنفسهم أو ضد الغير. وهناك أيضاً عوارض أخرى مثل صعوبة في النوم واليأس والإحباط والخجل والعدوانيّة والإنطواء على الذات والقلق. وقد يؤدّي ذلك إلى الإبتعاد عن العلاقة الجنسيّة. وإذا إعتبرنا أن الختان قد يؤدّي إلى عجز جنسي جزئي أو كامل، فإن ذلك يؤثّر على صحّتهم الجسديّة والنفسيّة فيزيد عندهم الكآبة والغضب وعدم تقدير الذات 21.

ورداً على من يتساءل عن سبب عدم سماع مزيد من أصوات المعارضة للختان إذا ما كان الختان يؤدّي إلى إضطرابات، يجيب معارضوه بأن ذلك يرجع إلى الأسباب التالية :

1) تمنع الإعتقادات السائدة والإفتراضات الثقافيّة الأشخاص من الشعور بعدم الرضى.
2) يمكن أن تكون المشاعر المرتبطة بالختان مؤلمة جدّاً. ولحماية الذات يقوم الشخص بكبتها.
3) يخاف المختونون من التعبير عن حالهم لأن الآخرين قد لا يفهمونهم أو يسخرون منهم.
4) يحتاج التعبير بالكلام عن الإحساسات وعياً بها. ويتم التعبير عن الصدمات المكبوتة في اللاشعور من خلال التصرّفات وليس بالكلام 22.

ويشار هنا إلى أن الشخص يحاول أمام الألم أن يحمي نفسه بتزوير الحقيقة ونسيان الواقع. وقد أظهرت الدراسات أن الصدمة في الصغر تؤدّي إلى تغيير في الأعصاب المركزيّة وفي كيمياء الأعصاب، وأن الجزء الخاص بالذاكرة في المخ والذي يسمّى "قرن أمون" يكون أصغر حجماً عند الأطفال الذين يتعرّضون لانتهاك جنسي في صغرهم، وأن مقدرتهم على التذكّر تكون أقل. وقد أكّد "جيمس بريسكوت" متخصّص في أعصاب المخ أن الختان يؤثّر على تطوّر المخ. وفي الختان يرتفع مستوى الكورتيزون (هرمون الضغط) ثلاثة أو أربعة أضعاف معدّله الطبيعي 23.

هذا وهناك من يقارن بين صدمة ختان الذكور وصدمة العنف الجنسي الواقع على النساء. ففي بحث تم على الفئتين تبيّن أن كليهما يستعمل نفس التعابير. فالطفل لا يمكنه أن يميّز في الواقع بين العمليّة الطبّية والعنف الجنسي الواقع عليه من خلال الختان 24.

وقد أجريت دراسة إستطلاعيّة عام 1994 على 313 شخص مختون في الولايات المتّحدة ينتمون إلى أوساط دينيّة وعرقيّة مختلفة ولهم صلة بمراكز مكافحة الختان واستعادة الغلفة. وقد كانت شكاوي أفراد هذه العيّنة من الختان كما يلي :

ضرر جنسي          84%
ضرر عاطفي        83.1%
ضرر جسدي        81.5%
ضرر نفسي          55.1%
إنخفاض في تقدير الذات      74.4%
مشاكل في العلاقة الحميمة     44.4%
مشاكل إدمان          25.6%

وقد أوضح أفراد هذه العيّنة شعورهم تجاه الختان كما يلي :

شعور بعدم الرضى العام       69%
شعور بأنهم مبتورون        62%
شعور بأن جسمهم غير كامل      60.7%
شعور بالإمتعاض لما جرى لهم      60.7%
شعور بأنهم غير طبيعيين        60.1%
شعور بأن حقوقهم الإنسانيّة خرقت    60.1%
شعور بالغضب          54.3%
شعور بالإحباط          53%
شعور بأنهم أغتصبوا        49.5%
شعور بأنهم أقل من غير المختونين    47.3%
شعور بأن ختانهم مانع للعلاقة الجنسيّة    42.5%
شعور بأن أهلهم خانوهم لسماحهم بختانهم   33.9% 

وعند إجراء البحث، أعلن 61.1% من أفراد العيّنة بأنهم لم يأخذوا أي إجراء للخروج من مشكلتهم. ومن هؤلاء، إعتقد 39.3% بعدم وجود أيّة وسيلة لذلك. وقال 19.8% أنهم كانوا خجولين، و15.7% أنهم كانوا يخافون السخرية، و12.5% أنهم لا يثقون بالأطبّاء، و3.5 % أن الأمر لم يكن بتلك الأهمّية.

ويقول الباحث بأن أكثر الأمريكيّين المختونين لا يعبّرون عمّا يشعرون به. وقد يكون ذلك لجهلهم شكل أعضاء التناسل الطبيعيّة ووظيفتها بسبب حملة الختان الواسعة النطاق التي تجرى هناك. وإذا ما كان هناك مشاكل جنسيّة، يرجعها أصحابها إلى أسباب أخرى غير الختان 25.

5) تأثير صدمة الختان على الإناث

يذكر المعارضون المصريّون لختان الإناث عدداً من الآثار النفسيّة الناتجة عنه ويسكتون تماماً عن الآثار النفسيّة التي قد تنتج عن ختان الذكور. وهذا ما عابه عليهم أحد مؤيّدي ختان الإناث مستشهداً بفقرات من كتاب جوزيف لويس : الختان ضلالة إسرائيليّة ذكرنا بعضها سابقاً 26.

وآثار ختان الإناث النفسيّة قد تكون سابقة له. فما أن تسمع الفتاة بما حدث لأقرانها الأكبر سنّاً حتّى ينتابها القلق، وكلّما إقتربت من السن المعتاد إجراء الختان فيه يتصاعد قلقها ويتحوّل إلى رعب نفسي قد يصل في بعض الحالات إلى حدوث كوابيس وتأخّر دراسي. وتزداد حدّة هذا القلق كلّما كانت الفتاة معتدة بنفسها وبشخصيّتها 27. ولتفادي هذه الإضطرابات، تلجأ العائلة عامّة للمارسات السحرّية والدينيّة مثل التبخير ولبس الطلاسم 28.

ويحكى الدكتور طه باشر أن فتاة كانت تصرخ خلال نومها قائلة : "الحشرة الحشرة". ولكن الأهل لم يجدوا أثراً لمثل تلك الحشرة. ثم تبيّن أن خادمة البيت كانت قد أعادت عليها في الأيّام السابقة بأنها سوف تختن. فالحشرة التي تتكلّم عنها في منامها تعبّر عند العامّة بمخالبها ومنظرها المخيف عن المرأة التي تقوم بالختان. وبعد ذلك تم التأكيد للفتاة بأنها لن تختن. وقد أدّي ذلك إلى إنفعال الفتاة بشدّة وعادت إلى نومها الهادئ 29.

وفيما يخص الآثار اللاحقة لختان الإناث، تقول الدكتورة سامية سليمان رزق :
"لا يمكن أن تمحى الآثار النفسيّة لأخذ البنت غدراً وسط مظاهر الإحتفال، لتفاجأ بعمليّة التكبيل ورؤية أسلحة البتر، وتعاني من الآلام والمضاعفات، في مقابل تقديم رشاوى مادّية رخيصة. فمهما كانت البنت صغيرة فهي تستطيع أن تقارن بين ما قدّم لها من أكل مميّز وملابس جديدة، وبين ما دفعته من كرامتها بعرضها مجرّدة من ملابسها الداخليّة أمام أغرب، ويترتّب على ذلك فقدان ثقة الطفلة في أبويها أو من يحل محلّهما، ويرتبط الغدر والأذى الجسمي والنفسي بخلق الشعور بالظلم لدى الفتاة الصغيرة والذي قد تلجأ للتعبير عنه بالتبوّل اللاإرادي والإنطواء الإجتماعي. فعمليّة الختان ليست فقط بتراً عضويّاً ولكنّها أيضاً بتر نفسي" 30.

ويقول الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسي :
"إن الختان يشكّل عمليّة بتر وتظل في مخيّلة الفتاة مدى الحياة [...]. إن هذا الشعور بالبتر لعضو مهم في جسم الفتاة بما فيه من معان جنسيّة يصبح شيئاً راسخاً في ذهنها. ويقولون إن هذا الجزء يبتر حتّى لا تنحرف الفتاة. إذاً يصبح مفهوم الأخلاق مرتبطاً بالغريزة وأنه لا إرادة لها في ذلك. وذلك يحرمها كأنثى من الإعتزاز بذاتها الأخلاقيّة الإنسانيّة الناشئة عن قناعة وإيمان" 31.

وحكى الدكتور طه باشر كيف أن إمرأة في الثلاثين من عمرها قد عانت من هبوط نفسي بعد وضعها على إثر تأخّر شفاء ندب الختان، فلم تستطع لا الأكل ولا النوم. وكان يجب معالجتها جسديّاً ونفسيّاً في عيادة الأمراض العقليّة. وأن إمرأة قبليّة مريضة عقليّاً في الثلاثين من عمرها أحيلت إلى طبيب. وقد تبيّن أن هذه المرأة لا أطفال لها وأنها مطلّقة مرّتين، وهذا أمر غريب لحالتها الإجتماعيّة. وبعد الفحص تبيّن أن هذه المرأة تعاني من ورم بحجم كرة التنس تحت جرح الختان. وبعد إزالة هذا الورم، شفيت وتركت المستشفى سليمة عقليّاً 32.

وقد شرحت باحثة التحوّل الذي ينتج عن ختان الإناث. فقَبل الختان، كانت الفتيات ودودات وصافيات العين وطبيعيّات دون خوف من الفحوصات الطبّية. إمّا بعد شهرين أو حتّى سنتين من الختان، تحوّلت الصورة تماماً. فالبنت منهن تقف مرتجفة أمام الباب المفتوح وتخلع ملابسها العليا بحذر كبير. وكانت بعض الفتيات الشجاعات يقتربن وهن يرجفن ويبكين بصمت. كن مرعوبات من منظر الآلات الجراحيّة المعدنيّة. وبعضهن كن يُصبن بالعصبيّة عند رؤية ملعقة الفحص في يد الطبيب 33.

وخلافاً للرأي السابق، هناك من يرى في ختان الإناث آثاراً إيجابيّة. تقول "لايتفوت كلاين" أن الفتاة السودانيّة تكسب نوعاً من الكبرياء الذاتي بعد ختانها إذ إنها تشعر بأنها أصبحت شابّة مسؤولة قابلة للزواج ومحل رضى أهلها وعرفانهم بمحافظتها على شرف العائلة. وترجع هذه الكاتبة عدم وجود أعراض نفسيّة إلى طبيعة الحياة العائليّة في السودان. فالأطفال هناك يعيشون جواً عائلياً دافئاً وودوداً يحسدهم عليه الغربيّون. وبعد الزواج يساعد الرباط القوي بين الزوجين على التخلّص من تلك العوارض. وإن كانت هناك حالات نفسيّة إكتئابيّة وجنون، فإن علماء النفس لا يرجعونها إلى ختان الإناث. وقد يشجّع المجتمع عوارض الإحباط والخوف والقلق حتّى تبقى المرأة تحت سيطرة الرجال 34.

وتشير دراسة منظّمة الصحّة العالميّة أنه قد يكون لختان الإناث أثر إيجابي على نفسيّة الفتاة إذ تعتبر ختانها وسيلة لقبولها في المجتمع وتفادي السخرية من رفاقها. وقياس الأثر الإيجابي بالأثر السلبي يحدّد كيفيّة تذكّرها للحدث، وتكيّفها معه حتّى وإن يبقى هناك شعور بالقلق الناتج عنه. ومع تزايد حرّية التعبير بين النساء يظهر أن هذا الحدث يتم الشعور به كحدث أليم جدّاً ويترك أثراً عميقاً في أنفسهن 35.

ويقول "لانتيي" أن النساء التي تنتمي إلى مجتمع تقليدي متمسّك بعاداته ومعتقداته لا يعانين من أمراض نفسيّة أو شعور بالتعاسة بسبب ختان الإناث. لا بل قد تعتبر المرأة نفسها سعيدة في ذلك المجتمع. ولكن حيث تتفتت المعتقدات ويدخل الشك بين أفراد المجتمع الذين فقدوا المعنى الديني لهذه العادة، كما هو الأمر في المجتمع الصومالي، فإن المرأة هناك قد تصاب باضطرابات عصبيّة وتغرق في الخمول والحزن 36.

6) صغر السن يزيد من تأثير الصدمة

يفرّق "بتلهايم" بين الختان الذي يجري في الأيّام الأولى من حياة الطفل كما عند اليهود، والختان الذي يجرى في عمر الصبا. ويقول إن الختان في الأيّام الأولى قد لا يكون له أثر نفسي. ولكن الأطفال يسمعون في السنين الأولى كثيراً من الكلام عن الختان في المدرسة وفي محيطهم. وفي نفس الوقت يرون الأهل كأشخاص يفرضون السيطرة عليهم ويهدّدونهم في حالة عدم الطاعة. فيخلق الكلام عن الختان عندهم شعوراً بأن الأهل أكثر إرهاباً من أي وقت آخر. وهذا ما جعل "فرويد" يكوّن نظريّته عن أن الطفل يعيش الخوف من الخصي إذ إن أكثر المرضى الذين كانوا يزورون عيادته يهوداً مختونين، خاصّة أن الختان في ذاك الوقت كان مقتصراً على اليهود 37.

أمّا عندما تتم عمليّة الختان على مراهقين، فيرى "بتلهايم" إن المختون لا يشعر بالختان كتهديد، إذ يمكنه التصرّف وحده ويعرف الحياة، وهو يعرف أهله ونواياهم بصورة أفضل. ولذلك فإن الختان يكون أقل تهديداً لهم من الأطفال الصغار. وفي بعض القبائل إذا لم يفهم الولد معنى الختان يعتبر صغيراً يجب عدم إجراء الختان عليه. فالختان على المراهقين يكتسب معنى الإرتقاء في المجتمع وإمكانيّة الزواج وأنه صار أكثر جاذبيّة للجنس الآخر. وفي هذه الحالة لا يوجد عند الطفل شعور بأن أهله يرغبون تعذيبه أو خصيه. فلا تتكوّن عنده عقدة الخصي. ويشبّه "بتلهايم" عمليّة الختان في سن البلوغ بعمليّة تجميليّة : فعمليّة التجميل التي تخضع لها البنت المراهقة بقصد الجمال قد تكون مؤلمة مثل الختان، ولكنّها لا تهتم بالألم لأنها تنتظر نتائج إيجابيّة من هذه العمليّة مثل الجمال وجذب الغير. وهي هنا لا تشعر ببغض لأهلها أو أن أهلها يريدون الإقتصاص منها 38.

الفرع الثاني : أثر الختان على العلاقة مع الأهل

1) ختان الذكور والعلاقة مع الأهل

يحتاج الإنسان والحيوان للحنان كما للأكل. هذه هي سُنّة الطبيعة. وعند الإنسان والحيوان يبدأ الحنان بالأم. فيتعلّق الطفل بها كما تتعلّق به. وهذا يؤثّر على صحّة الطفل الجسديّة والنفسيّة وعلى تصرّفاته في حياته كلّها. ويبدأ الحنان من الحمل. وقد يحدث كسر لعلاقة الطفل بالأم من خلال الفصل بينه وبينها. وهذا يؤدّي إلى شعور بالقلق عند الطفل أكثر ممّا عند الأم، يعبّر عنه إرتفاع مستوى هرمون الكورتيزون في دم الطفل، حتّى وإن لم يصرخ الطفل. ويبدأ هذا القلق بالتذمّر ثم بالإحباط.

يبدأ تأثير الختان في علاقة الأم مع إبنها منذ الحمل، فتقلق الأم بسببه. فيؤثّر هذا القلق بدوره على الطفل، خاصّة إذا لم تجد الأم حلاً لهذه المعضلة مع زوجها. وقد يكون له تأثير على الولادة التي قد تطول وتصبح أكثر تعقيداً، وقد يؤثّر على وزن الطفل. وقد بيّنت شهادة أن ولادة أم يهوديّة كانت مستعصية. واكتشفت القابلة أن الأم لم تكن تريد أن تختن إبنها، والأب كان برأي مخالف. عندها إقتربت القابلة من الأب وطلبت منه بأن يقول لزوجته بأنه غيَّر رأيه وأنه لن يختن إبنه. فتمّت الولادة بسهولة وبقي الطفل دون ختان 39.

وقد يعتبر الختان في الصغر كسراً للعلاقة بين الأم والطفل يرقى إلى درجة الصدمة. فالطفل يؤخذ من أمّه إلى غرفة أخرى والى جو آخر ممّا يسبّب له الرعب والقلق. ويفترض أن يؤدّي كسر العلاقة بين الأم والطفل بسبب الختان أو لأي سبب آخر إلى إضطرابات نفسيّة وعصبيّة بالإضافة إلى نتائج صحّية. فقد لوحظ أنه في حالة فصل الحيوان الصغير عن أمّه لمدّة معيّنة، فإن ذلك يؤثّر على علاقة الأم مع إبنها إلى درجة رفضها الإعتناء به. وهذه الظاهرة تم إختبارها على الإنسان في علاقة الأم بابنها. وهذا يؤثّر على مقدرة الطفل على الكلام. وهناك أيضاً من رأى صلة بين فصل الأم عن طفلها وانتهاكه للأطفال عندما يكبر 40 .

وقد لاحظت بعض الدراسات أن العلاقة بين الطفل وأمّه تتغيّر خلال الأربع وعشرين ساعة بعد الختان. فتصبح رضاعته مضطربة 41. وهناك شهادات تبيّن أن الطفل يرفض أمّه بعد الختان. وللرضاعة أثر إيجابي كبير على صحّة الطفل وذكائه وأعصابه. فإذا كسر الختان العلاقة بين الأم والطفل، فإن هذه الفوائد تفقد. وصراخ الطفل بعد الختان قد يصبح مزعجاً للأم إلى درجة أنها قد تهمل طفلها أو لا تعير صراخه أي إهتمام. هناك إذاً علاقة متبادلة بين الأم والطفل، وكل ما يتدخّل لكسر هذه العلاقة له آثاره السلبيّة على كل من الأم والطفل. وهذا يؤدّي في الحالات الصعبة إلى توتّر العلاقة بين الطفل والأهل. وقد يستعمل الأهل العنف لإيقاف صراخ الطفل ويتعسّفون في ذلك 42.

ويتطلّب التطوّر النفسي للطفل وجود ثقة بين الطفل والأم والمحيط. وإذا تعرّض الطفل إلى ألم شديد كما في الختان، يتكوّن عنده شعور أن أمّه مسؤولة عمّا أصابه. فرغم أن الطبيب هو الذي يجري العمليّة، وأن الأب هو الذي يأخذ القرار في أكثر الأحيان، فإن الطفل يرى في كل ذلك أمّه. وهذا كلّه يؤثّر على تصرّفاته وأعصابه ويفقده الثقة بأمّه 43.

وكسر الثقة يؤدّي في الحياة إلى قطع صلة الود والإلفة بين الطفل وأمّه، والنساء والرجال من حوله. وقد بيّنت دراسة أن الأطفال الأتراك المختونين ينظرون لأمّهاتهم على أنهن تعدّين عليهم فيهاجمونهن. وبعض المختونين يأخذون موقفاً معادياً من أهلهم بسبب الختان. فقد بيّنت دراسة على 301 شخص غير راضين عن ختانهم، بأن 52.7% كانوا مغتاظون من أهلهم لأنهم ختنوهم ولم يقوموا بحمايتهم. وهذا يعني أن الختان قد يخلق توتّر في العلاقة بين الأهل وأولادهم  44.

وقد بيّنت الشهادات أن الأم التي تعاين ختان طفلها تكون أكثر قلقاً عليه من الأب لدى سماع صراخه. وقد يبقى حدث الختان في ذاكرتها لمدّة طويلة ويخلق إضطرابات عندها. وقد صرّحت أم أن ختان إبنها كان أبشع يوم في حياتها. وقالت أخرى بأنها ما زالت تسمع في أذنها صراخ إبنها بعد 22 سنة من ختانه وأنها سوف تبقى تسمع هذا الصراخ حتّى حملها إلى القبر مع شعورها بأنها مسؤولة عمّا حدث لابنها. وحتّى النساء اللاتي يوافقن على ختان أولادهن يتساءلن ما نتائج الختان عليهن ولماذا يبتعد أولادهن عنهن. وقد يكون ذلك بسبب الختان 45.

ويحاول معارضو الختان إعطاء المختونين والأهل إمكانيّة التعبير عن شعورهم. ولكن هذا يتطلّب شجاعة من المختونين لأنه يتطلّب الإعتراف بأن جزءاً من رجولتهم قد فقد، كما يتطلّب شجاعة من الأهل لأن ذلك بمثابة إعتراف بالذنب. ولكن التعبير عن الذات يعتبر وسيلة للشفاء النفسي وتصفية الأجواء. وكان بودنا هنا نقل بعض شهاداتهم، ولكن ضيق المكان لا يسمح لنا بذلك 46.

2) ختان الإناث والعلاقة مع الأهل

تقول الدكتورة عبد الفتّاح بأنه يترتّب على هذا الختان "فقد ثقة البنت في الآخرين وخاصّة وأنهم يمثّلون أحب الناس إليها - وهم الوالدان ومن يحل محلّهما. وهنا يرتبط الغدر والأذى الجسمي بأولئك الذين كانوا محل ثقة وحب الفتاة" 47.

ويذكر الدكتور عادل صادق، أستاذ الطب النفسي، حالة سيّدة طلّقها زوجها لأنها لم تشعر بأي متعة معه. فاتّجهت بعدوانيتها نحو والدها الذي إعتبرته سبب فشل حياتها الزوجيّة، وذلك لإصراره على ختانها في طفولتها 48.

وتوضّح دراسة إيطاليّة تمّت على رسومات بنات صوماليّات مختونات أن الختان ينظر إليه كتعدّي وإذلال، وأن تجربة الختان لا تنسى مع مرور الوقت بل تترك أثراً في فكر الضحيّة. غير أن التعليق الكتابي على الرسومات عبّر عن رضى البنات لعدم تألّمهن كثيراً بسبب مهارة الخاتن، ولأنهن أتممن واجباً إجتماعيّاً، ولأن رفيقاتهن قد أشعروهن بإعجابهن. وكانت الحفلة حدث يظهر قدرهن. وتشير هذه الدراسة أنه إذا وضع الختان في محيطه، فإن الفتيات لا يعتبرنه عنفاً، لا بل علامة محبّة واهتمام من الأهل. فهناك إعتقاد محلّي أن المرأة التي لم تختن تبقى طفلة لا أحد يهتم بها. والوضع يختلف عن الختان الذي يجرى في إيطاليا حيث لا تستطيع الأم أن تربّي أطفالها في المحيط الإجتماعي الإفريقي. وعليه فإن الطفلة تنظر إلى الختان كعمليّة غريبة ومخيفة ومصدر مفاجئ للصدمة. وهذا يؤدّي بدوره إلى تعب نفسي أكبر في المحيط الغربي 49.

الفرع الثالث : أثر الختان على العلاقة مع المجتمع

1) فاقد الشيء لا يعطيه

كل ما يؤثّر علينا نفسيّاً يؤثّر علينا إجتماعيّاً. فالصدمة التي حدثت لنا وتم نقلها للجيل القادم سوف تؤثّر على أجيال متتابعة عديدة إلى أن يتم التعرّف عليها وإيقافها. والعواقب الإجتماعيّة للختان عميقة. ولم تتم دراسة هذه العواقب لأنها تثير قلق شديد لمن يمارسون الختان، والذين لا يمارسونه لا يهتمّون بها. ويرى عالم نفس أن مثل هذه البحوث تفتح مجالات جديدة، ويطالب بأن يؤخذ الختان بالإعتبار عندما نبحث في تصرّفات الأطفال والأولاد والبالغين 50.

بيّنت البحوث التي أجريت على القردة أنه إذا فصل صغيرها عن أمّه وربّي مع لعبة تشبه الأم مصنوعة من قماش ناعم ودافئ تصبح عواطفه مضطربة عندما يكبر. وإذا ربّي مع لعبة تشبه الأم من المعدن البارد، فإن هذا القرد يصبح أبا متعسّفاً. والقردة الأم التي ربّيت دون أمّها تصبح أقل رأفة على إبنها فلا تستجيب لصراخه ولا تطيّب خاطره. وهذه القردة تصبح عنيفة مع أولادها. ونفس الظاهرة نجدها عند الإنسان.

فالذي يعاني من الحرمان يحرم الغير من الحنان. والذي يُنتهك يكوّن شخصيّة قلقة على المستوى الجنسي ويحرم الغير من اللذّة الجنسيّة. فالأهل ورجال الدين الذين يبحثون عن تبرير لتعريض الأطفال للصدمات والكبت إنّما يعبّرون في حقيقة الأمر بصورة مُغلَّفة عن حرمانهم الذي عانوا منه. وقد بيّنت الدراسات أن الأطفال الذين عانوا في طفولتهم من القصاص وضرب الأهل يصبحون كباراً أكثر ميلاً للجريمة، وأن المدارس التي تتّبع أكبر قدر من القصاص البدني تعرف أكبر نسبة من السرقة والتعدّي على الممتلكات، وأن الأطفال الذين يضربون من أهلهم هم أطفال أهل ضُربوا سابقاً. وهؤلاء الأطفال سوف يضربون أولادهم بعد ذلك. وهذا لا يعني أن كل الأطفال سيصبحون عنيفين مع أطفالهم. فهنا قد يدخل في الإعتبار ما إذا كان الشخص قد حصل على تعويض عاطفي وجنسي في كبره 51.

وقد عبّرت عن ظاهرة عدوى العنف هذه عالمة النفس "اليس ميلير" التي تقول : إن الأهل الذين لم يعرفوا المحبّة في طفولتهم لا يمكنهم أن يعطوا المحبّة للغير. فالطفل الذي يولد في محيط بارد وغير عابئ به يظن أن تلك هي الإمكانيّة الوحيدة في الوجود. وهذا يؤثّر على الفرد ذاته ولكنّه أيضاً تهديد للإنسانيّة ككل. إن إنتهاك الأطفال جسديّاً أو نفسيّاً يشبه وضع ديناميت في عالمنا 52. وتشير هذه المؤلّفة أن 100% من نزلاء السجون في الولايات المتّحدة هم من الأشخاص الذين تم إنتهاكهم عندما كانوا صغاراً 53.

وهذا لا يعني بحد ذاته أن من يُنتهك سوف يَنتهك غيره حتماً. فالجراثيم تنتِج جراثيم ولكن يمكن الحد من إنتشارها إذا تم إكتشافها والقضاء عليها. وهذا يتم عندما يقوم الأهل بمعاملة أطفالهم معاملة جيّدة 54. وتضيف : "إنه أمر متعلّق بنا. فنحن الذين نقرّر بمعاملتنا لأطفالنا ما إذا كنّا نريد أن نخلق منهم وحوشاً أو أشخاصاً مع مشاعر ومسؤولين كبشر" 55.

وما سبق قوله ينطبق على الختان باعتباره سبباً لاضطرابات نفسيّة وكسراً للعلاقة مع الأم. فالختان يؤثّر على تصرّف المختونين مع المجتمع. وتنتقل عدوى تلك الإضطرابات للرجال والنساء. وهذا لا يعني أن الختان هو الحدث الوحيد الذي يؤثّر في المجتمع، فهناك أحداث كثيرة تترك أثرها في نفسيّة الطفل. كما أنه قد يكون الشخص مختوناً ولكنّه لا يتأثّر بالصدمة. وكما أنه لا يصح التعميم فإنه أيضاً من الغلط إعتبار أن الختان لا أثر له على المجتمع 56. ونحن نقدّم هنا آثار ختان الذكور المحتملة على المجتمع بصورة مختصرة، ومن يريد الإستفاضة يمكنه الرجوع لكتابي عالم النفس "رولاند جولدمان" وعالمة النفس "اليس ميلير" اللذين نعتمد عليهما بصورة خاصّة.

2) إنتقاص تقدير الذكور لأنفسهم وتقديرهم للغير

إذا ما عرف الذكور أن الختان له أثر على العلاقة الجنسيّة، فإنهم سوف ينظرون لأنفسهم نظرة سلبيّة، ممّا يحط من تقديرهم لأنفسهم، خاصّة أن العلاقة الجنسيّة لها علاقة قويّة بتقدير الذات. وهذا له أثر شخصي واجتماعي. فالذي لا يقدّر نفسه لا يقدّر الآخرين. ويؤدّي ذلك إلى الإنعزاليّة والإحباط واستعمال المخدّرات. ولكي يعوّض عدم تقديره لنفسه، يحاول البعض إتّخاذ تصرّفات خاصّة. فهو سوف يفضّل العلاقة الجنسيّة مع الصغيرات في السن حتّى يثبت سيطرته ويرفع من تقديره لنفسه. ومن المعروف أن العلاقة الجنسيّة مع من هم أصغر سنّاً ظاهرة منتشرة في العالم الأمريكي والعالم الإسلامي الذي يمارس الختان.

ومن تنقص نفسه في عينيه يحاول أن يثبت أنه أكبر وأحسن من الغير. وإذا لم يتمكّن من ذلك وحده، فإنه يربط نفسه بمجموعة رياضيّة أو نادي أو جمعيّة أخرى. ومن هنا تأتي المنافسة في مجال إمتلاك أحسن كمبيوتر كما في إمتلاك أكبر عضو تناسلي. والتنافس له ثمن : فقدان محبّة الغير وقلّة الإهتمام بهم والتعاطف معهم. كما يؤدّي إلى حط من تقدير النساء التي يجبرن باتّخاذ تصرّفات للرفع من قدرهن من خلال المعايير الجسديّة 57.

وهناك من يرى في إنتشار الختان في الولايات المتّحدة تعبيراً عن شجب اللذّة الجنسيّة والقلق تجاهها كما يظهر من الضجّة التي قامت ضد الرئيس الأمريكي بسبب علاقته الجنسيّة مع إحدى موظّفاته. وإن كان لاستغلال هذه الحادثة غايات سياسيّة، فممّا لا شك فيه أنها مبنيّة على خلفيّة نفسيّة قلقة تجاه الجنس. فالشخص الذي يأخذ بمبادئ صارمة ويحرم نفسه من ملذّات الحياة، يكون عامّة قاسياً مع الغير ويحرمهم أيضاً من إستمتاعهم بحقّهم باللذّة ويشدّد الرقابة عليهم. ولذلك هناك بعض الأهل الذين يمنعون أطفالهم من مس أعضائهم الجنسيّة. والختان هو قطع جزء حسّاس من جسم الإنسان يعتقد الكثير أنه يمنع العادة السرّية والتلذّذ الشخصي 58.

3) السلبيّة

يحاول الطفل عند ختانه الإفلات ولكن دون نتيجة. وعندها يستسلم بإحباط أو يدخل مرحلة الغيبوبة الكاملة أو الجزئيّة. ويصبح الطفل بعد ذلك أكثر إنعزالاً وأقل تكيّفاً مع محيطه. وهذا يطرح السؤال حول علاقة الختان بالمواقف السلبيّة والشعور بالإحباط والتشاؤم التي يتّخذها البالغون باعتبار أنهم لن يتمكّنوا من تغيير الوضع. وقد يكون إدمان الجلوس أمام شاشة التلفزيون هو إحدى نتائج هذا الشعور 59.

4) بتر أعضاء الغير

يتساءل البعض عن نسبة أطبّاء الولادة والأطفال والمجاري البوليّة الذي إختاروا هذه المهنة مدفوعين بكرههم للختان. ويعطي طبيب قصّة حقيقيّة. فقد إتّصلت ممرّضة بطبيب في وسط الليل وطلبت منه الحضور حالاً لأن طبيباً متدرّباً كان يختن أطفالاً. فسأله الطبيب : "ألا تخاف أن تقطع جلداً أكثر ممّا يجب؟" أجابه الطبيب المتدرّب : "لن اقطع أكثر ممّا قُطِع منّي". فهذا الطبيب المتدرّب لم يشفَ من الصدمة التي عاشها خلال الختان. فالذي تعرّض لصدمة سوف يحاول إعادتها على غيره. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتّحدة. فقد ذهب الأطبّاء الأمريكيّون عام 1949 إلى كوريا الجنوبيّة التي لم تكن تعرف الختان من قَبل. وخلال عقود قليلة إنتشر الختان في هذا البلد. فاليوم يكاد يكون كل رجل كوري عمره أقل من 40 سنة مختوناً 60. وبطبيعة الحال، عندما يتم تبنّي عادة ما تدر أرباحاً على طبقة معيّنة، أعني طبقة الأطبّاء، تقوم هذه الطبقة في الحرص على نشرها واختلاق الأسباب لبقائها. وهكذا تكتسب هذه العادة إستقلالاً ذاتيّاً حتى بعد تلاشي السبب الأول لوجودها، أي سيطرة الأطبّاء الأمريكيّين 61.

ويقول "جولدمان" بأنه رغم وجود آثار ضارّة للختان، فإنه من الصعب لمؤيّدي ختان الذكور أن يغيّروا رأيهم وذلك لعوامل نفسيّة قويّة. ومن تلك العوامل ميل الشخص الذي وقع ضحيّة أمر ما أن يعيد ذلك على غيره. وهذا ما يجري في الختان : فالذي خُتن يحاول إعادة الختان على غيره. وقد بيّنت الأبحاث أن الأطبّاء الذين يدافعون عن الختان هم من المتقدّمين في السن والذكور والمختونين 62.

ويبحث الإنسان عامّة عن التناسق بين ما يعتقده وبين تجربته. ويتم تحوير الإعتقاد حتّى يتّفق مع التجربة. والتجربة عند الأطبّاء هي أنهم قد أجروا الختان مراراً. واختيار القيام بالختان هو إختيار جدّي. وبعد أن يقوم بذلك الإختيار فإنه سوف يميل إلى ما إختاره ورفض ما يخالف إختياره. وبناء عليه، فهو يجعل إعتقاده يتّفق وتجربته ويقوم بالدفاع عنه. وأحد تلك الإعتقادات هو أن الختان لا يؤلم، وأن الغلفة لا فائدة منها. وقد قال الدكتور "وايزفيل" كبير المدافعين عن الختان بأن الغلفة هي غلطة من الطبيعة. ومن تلك العوامل أيضاً إنكار المعلومات. فالذي يقوم بتجربة يبني عليها إعتقاده يختار بعض المعلومات التي تتّفق واعتقاده، وينكر أو يتجاهل أو يرفض المعلومات التي لا تتّفق معه. وحتّى عندما يتعلّم أمراً جديداً، فإنه لا يتذكّر إلاّ ما يتناسب مع إعتقاده. وهذا يؤدّي إلى تحجر في المواقف والآراء 63.

ويقول طبيب أمريكي أن الأطبّاء يقومون باختلاق الأسباب الطبّية التي لا يتقبّلها لا العقل ولا المنطق لتبرير أنفسهم في إجراء عمليّة الختان. ولا توجد أيّة عمليّة جراحيّة لاقت محاولات تبرير مماثلة للختان. وهذا بحد ذاته يجعل هذه العمليّة محل شك. هناك أسباب نفسيّة خفيّة تتحكّم في تصرّفات الأطبّاء، وما الحجج العلميّة إلاّ وسائل للتغطية على أفعالهم 64.

وهناك من يربط بين الختان وبين ظاهرة إرتفاع نسبة العمليّات التي تجرى على النساء في الولايات المتّحدة دون ضرورة طبّية. فمن المعروف أن كل المجتمعات التي تمارس ختان الإناث تمارس أيضاً ختان الذكور. وإذا إعتبرنا أن ختان الذكور ينقص اللذّة الجنسيّة، فهذا يعني أن من يجد نفسه محروماً من حقّه في اللذّة، فهو أيضاً يرفضها لغيره تحت أستر مختلفة منها الخوف والجهل والجراحة الطبّية. والرغبة في الحد من لذّة المرأة بختانها قد تكون إحدى نتائج ختان الذكور. ولذلك يكون التعرّض لختان الذكور شرطاً مسبقاً لكي يتم القضاء على ختان الإناث 65.

ويلاحظ أيضاً أن النساء المختونات هن اللاتي يقمن بختان البنات، وكذلك الرجال المختونين هم الذين يقومون بختان الذكور. كما أن الرجال يؤيّدون ختان الإناث. فالمبتور يحاول دائماً أن يتصرّف مع الغير كما تصرّف الغير معه. وهكذا تدوم عادة الختان. ويؤدّي نظام العدوى هذا إلى بغض لكل من هو غير مختون. ولذا وضعت الحواجز الدينيّة والإجتماعيّة بينه وبين جماعة المختونين : فلا يُقبل زواجه أو شهادته أو مشاركته في العبادة أو دفنه في المقابر العامّة. ويُعتبر مسبّة كبرى القول لشخص أنه غير مختون أو إبن غير مختونة. وهنا يقارن البعض بين هذا التصرّف وبين الذين أنتهكوا جنسيّاً في المجتمعات الغربيّة. فهم يقومون بدورهم بانتهاك غيرهم 66.

وترى عالمة النفس "اليس ميلير" أن هناك صلة بين ختان الأهل لطفلهم، وختان هذا الطفل لابنه عندما يكبر. وهذا هو أحد أسباب دوام عمليّة ختان الذكور والإناث التي تعتبرها هذه العالمة عمليّة إنتهاك للأطفال وأبشع عمليّة إجراميّة تكرّسها البشريّة بإسم الدين ولا يتدخّل القانون لمنعها، تحت دعوى أن ذلك يجري لمصلحة الطفل 67. وتقول هذه العالمة أن المؤرّخين وعلماء النفس سوف يستمرّون طويلاً في التحقّق من الأسباب الكامنة وراء هذه العادة الغريبة لأنهم ينسون في مناقشاتهم التفسير الوحيد الذي لا بد أن يظهر يوماً ما. فماذا عساه أن يفعل الطفل الذي عذبه أهله الجهلة؟ ألن يحاول هذا الطفل أن ينتقم عندما يكبر؟ إنه فعلاً سوف ينتقم إلاّ إذا ما تم شفاء جرحه. فالطفل الذي تم التعدّي عليه لا بد أن يتعدّى على غيره من الأطفال مؤكّداً بأن ذلك لا يضرّهم ما دام أن أهله الذين يحبّونه قد فعلوا ذلك معه. أضف إلى ذلك أن الختان يصوّر على أنه مطلب ديني، ممّا يعني في عقول الناس أن الدين لا يمكن أن يكون قاسياً 68.

وتضيف "اليس ميلير" بأنه حتّى لا يصبح كل ضحيّة مجرماً يجب توعيته وشفاؤه. وهذا هو دور المعالجين النفسيين، والأطبّاء، والممرّضات، والحقوقيّين، والمعلّمين. كما هو دور التشريع الذي ما زال لا يهتم بهذه الجرائم 69. فيجب أن يلقى الشخص محبّة كافية من شخص ما حتّى يستطيع أن يتخلّص من الإنتهاك الذي وقع عليه ويعرف أن في الدنيا شيء آخر غير القسوة 70. ولو لقي هتلر من يساعده للخروج من مأزق آلام طفولته لما أصبح ما هو عليه 71.

5) عدم الإحساس بآلام الغير

يصاحب عامّة العمليّات التي تصيب الأعضاء الجنسيّة كبت الألم كوسيلة لإثبات الشخصيّة وحماية الذات. ولكن هذا يؤدّي بدوره إلى عدم الإحساس بآلام الغير. ونتيجة لذلك نرى الأطبّاء والحاخامات ينكرون حدوث ألم للطفل عند الختان. فقد فقدوا الإحساس بالألم. أو كما يقال بالعاميّة، أصبح كل منهم "بليداً" أو "تمسح"، أي أصبح مثل التمساح. وهم يحاولون إختراع النظريّة بعد الأخرى لمحاولة تبرير أنفسهم وتصرّفاتهم ضد الأطفال، وقد يهوّنون من قسوة العمليّة أو يلجأون إلى النكتة كوسيلة للإفلات من معارضيهم 72. وبسبب نقص الإحساس يلجأ الكثيرون إلى مثيرات قويّة ويعرّضون نفسهم لمخاطر حتّى يحسوا ويثيروا أنفسهم. وهذا قد يفسّر تفضيل الرجال للموسيقى الصاخبة والأفلام العنيفة والتصرّفات غير الإجتماعيّة دون إعتبار للنتائج 73. وقد تطغى نزعة حماية الذات على نزعة الشعور بآلام الغير فيقومون بالدفاع عن الختان. يقول الدكتور محمّد رمضان عن ختان الإناث : "بعضهم يدافع عمّا فعله بابنته أو بأخته من إجراء هذه العمليّة لها، أو من أدائها بنفسه للآخرين. وحتّى لا يحس بخطئه، أو يتّهم بالخطأ، يتّخذ موقف المؤيّد والمدافع عنها بحماس شديد" 74.

6) العنف والتصرّف غير الإجتماعي

تقول "رومبيرج" في كتابها ضد الختان الذي صدر عام 1985 إنه لا توجد أيّة دراسة تبيّن النسبة المئويّة للمختونين بين الذين يلجأون للعنف والإجرام. وهناك عدد من الرجال العظام عبر التاريخ مختونين. والشخصيّات المُهمّة في التوراة أمثال المسيح ويوحنّا المعمدان وأكثر الرسل وأتباع المسيح الأوائل كانوا مختونين. ولذا تشك في إحتمال أن يكون الختان أو أيّة صدمة مؤلمة أخرى سبباً لتحويل شخص ما إلى رجل مجرم أو مشاكس 75.

ولكن هذا الموقف قد تحوّل. فقد بدأ معارضو ختان الذكور في طرح أسئلة حول علاقة الختان بالتصرّفات غير الإجتماعيّة والعنف، خاصّة في الولايات المتّحدة التي تعتبر المجتمع الأكثر عنفاً في العالم. فمعدّل القتل في هذا البلد يساوي 14 مرّة ما هو عليه في اليابان و8 مرّات ما هو عليه في الدول الأوروبيّة. ويحاول البعض تفسير هذه الظاهرة بعوامل إجتماعيّة مثل المخدّرات، وضعف التربية الأخلاقيّة، ووجود الأسلحة بيد الناس، والعنف في التلفزيون، وغياب الأب عن العائلة، وضعف المستوى الدراسي، والبطالة، والعنصريّة، وتدنّي الشعور الديني. ولكن بيّنت دراسة أن مستوى الجريمة في هذا البلد قد إرتفع جدّاً خلال الثلاثين سنة الماضية التي شهدت إرتفاع نسبة المختونين. ممّا يوعز أن هناك علاقة بين الختان والعنف 76.

وقد أوضحت الدراسات وجود علاقة بين تجارب الطفولة والعنف. فقد تم تتبّع 4000 شخص حتّى عمر الثامنة عشر. وتبيّن من ذلك أن من تعرّضوا لمضاعفات في الولادة أو رفضتهم أمّهاتهم في سن مبكّر هم أكثر عنفاً من غيرهم. وقد إستنتجت هذه الدراسة أن الإعتناء بالطفل قَبل وبعد ولادته سوف يخفّض مستوى العنف بدرجة هامّة. فالأطفال الذين أنتهكوا يميلون أكثر للعنف ضد الغير عندما يكبرون. وتبيّن أيضاً أن الذكور الذين أنتهكوا جسديّاً أو جنسيّاً أكثر عرضة ستّة أضعاف لأن يسجنوا لأسباب تتعلّق بجرائم الجنس عندما يكبرون. فهم يستعيدون الصدمة التي أصابتهم من خلال الصدمات التي يحدثونها للغير. وهذا يعني أن نوعيّة الطفولة تؤثّر في تصرّفات الأشخاص. ولا شك أن الطفل يعيش الختان كحدث مؤلم وعنيف جدّاً. فهي صدمة له يخزّنها في اللاشعور. وقد بيّنت دراسات أن الألم يؤدّي إلى العنف عند الحيوان والإنسان. فالذين يتألّمون هم أكثر ميلاً للغضب وللعنف. يضاف إلى ذلك ضعف تقدير الشخص لنفسه، ممّا يجعله أكثر عرضة لاقتراف القتل.

وأوسع أنواع العنف في الولايات المتّحدة هو العنف الذي يتم داخل البيت. فتقدّر نسبة الأزواج الذين يتعدّون على بعضهم البعض بـ 12%. وفي عام 1993، وجد أن 29% من النساء اللاتي قُتِلن، قد تم قتلهن بيد أزواجهن أو أصدقائهن. فهل هناك علاقة بين كون أن كل 25 ثانية هناك طفل يختن وأن كل 15 ثانية هناك رجل يضرب إمرأة؟ إن ضرب الرجل للمرأة قد يكون بقصد السيطرة عليها أو رد فعل على عدم تلبيتها لحاجته. وهذا ينبع من الإعتقاد بأن بيت الرجل هو قلعته، وأن المرأة ملكه. وهذا لا يختلف عن إعتقاد من يوافق على الختان أو يجريه على الأطفال. ففي كلتا الحالتين هناك شعور بحق فرض إرادة الشخص على الآخر. أضف إلى ذلك أن الأشخاص الذين يعانون من عدم تقدير أنفسهم يكونون عامّة أكثر غيرة في علاقاتهم. والغيرة هي إحدى أسباب العنف. وقد رأينا أن الختان هو إحدى عوامل عدم تقدير الذات. وقد أثبتت دراسات أن إنتهاك الأطفال يجعل منهم أزواجاً عنيفين. والختان هو إنتهاك جسدي للأطفال. وبعض المختونين يرون أن أمّهاتهم لم تحمينهم عندما تم التعدّي عليهم بالختان. ومن هنا يأتي الشعور بالإنتقام من النساء دون وعي بالأسباب التي أدّت إلى هذا الشعور. وهذا لا يعني حتماً أن كل المختونين يتعدّون على النساء. ولكن الختان قد يكون أحد عوامل العنف ضد النساء 77.

وبعد الأحداث الدامية التي شهدتها المدارس الأمريكيّة في الآونة الأخيرة والتي قام خلالها تلامذة بقتل رفاقهم مستعملين سلاح ناري، رأى معارضو ختان الذكور صلة بين الختان وظاهرة العنف هذه. فالعنف يولد العنف، والمرء يحصد ما زرع 78.

7) الإغتصاب

الإغتصاب هو نوع آخر من الإعتداء على النساء ويخفي رغبة في الثأر. فهناك في الولايات المتّحدة مليوني حالة إغتصاب سنوياً، وأكثر حوادث الإغتصاب لا يعلن عنها. وقد بين بحث أن 15% من الطلاّب مارسوا الجنس إغتصاباً مرّة على الأقل. وقد يكون الإغتصاب من الزوج ذاته. وقد بين بحث أن 60% من الطلاّب قد يغتصبون إمرأة في بعض الظروف. و46% من النساء تعرّضن لاغتصاب أو محاولة إغتصاب في حياتهن. ونسبة الإغتصاب في الولايات المتّحدة تبلغ سبعة أضعاف الإغتصاب في دول المجموعة الأوروبيّة. فهل هناك صلة بين هذا الإغتصاب وما يحدث للرجال الأمريكيّين في صغرهم من خلال الختان؟

هناك تماثل بين الختان والإغتصاب. ففي الختان يتم ربط الطفل وتعريته وبتر قضيبه قصراً. وهذا لا يختلف عمّا يجري في عمليّة إغتصاب النساء. فكليهما يتم فيه التعدّي على الأعضاء الجنسيّة. والإختلاف الوحيد هو العمر وطبيعة الفعل. وقد عنون الدكتور "مورجان" عام 1965 مقاله عن الختان "إغتصاب القضيب" 79. وهناك كثير ممّن يرفضون الختان الذين يعبّرن عنه بأنه إغتصاب. ويشير عالم النفس "باري وانهولد"، وهو رئيس برنامج الدراسات حول العنف في جامعة كلورادو الأمريكيّة، إلى أن المختونين يعيشون في حالة غضب. فالختان هو أوّل عمليّات إغتصاب للرجال 80.

والإغتصاب والختان يؤدّيان إلى نتائج مماثلة. فالختان يؤدّي إلى فقد الثقة في الغير والعزلة كما في الإغتصاب. والمرأة التي تغتصب كثيراً ما تكبت الألم وتسكت عنه رافضة التكلّم عمّا أصابها. وهذا ما يحدث مع المختونين. وكما أن الخاتن يرى أن الطفل لا يحق له رفض الختان، يعتقد المغتصب أن المرأة لا يحق لها رفض العلاقة الجنسيّة. وكما أن البعض يعتقد أن المرأة المغتصبة تتمتّع بالإغتصاب ولا تحس بالألم، فكذلك هناك إعتقاد بأن الطفل لا يتألّم بالختان ولا يتأثّر به. والذين يغتصبون النساء يظهر أنهم أنفسهم كانوا ضحايا إغتصاب. وارتفاع نسبة الإغتصاب في الولايات المتّحدة يتطلّب بحث الصلة بين هذه الظاهرة وظاهرة الختان 81.

8) الإنتهاك الجنسي للأطفال

أحد أنواع العنف في الولايات المتّحدة هو الإنتهاك الجنسي للأطفال. وقد بيّنت دراستان بأن 38% من النساء تم إنتهاكهن جنسيّاً في صغرهن. ودراسة أخرى بيّنت أن هذه النسبة تصل إلى 45%. وهذه الأعداد قد تكون أقل من الحقيقة لأن ليس كل النساء تقبل التكلّم عن هذه المواضيع، وقد يقع الإنتهاك ولا تتذكّره المرأة. ولذا يمكن إعتبار هذه النسبة 60%.

وقبول عادة الختان إجتماعيّاً جعل الناس لا ينظرون للختان على أنه إنتهاك جنسي. ولكن هناك من يعتبر هذه العادة نوعاً من الإنتهاك الجنسي الضمني للأطفال يقوم به أشخاص يحتلّون مكانة إجتماعيّة مُهمّة على المستوى الوظيفي مثل الطبيب أو رجل الدين. ولو قام غيرهم بما يقومون به فإن ذلك لا شك يعتبر إنتهاكاً جنسيّاً.

صحيح أن الإغتصاب الجنسي للأطفال قد ينتج عن تفكّك عائلي ويترك ذلك أثراً شديداً على الأطفال. أمّا في الختان، فإن الأهل يحيطون الطفل بنوع من الحنان، ممّا قد يخفّف من أثر هذا الإنتهاك. ولكن هناك نقاط تشابه بين الختان وانتهاك الأطفال جنسيّاً. فكل منهما يؤدّي إلى إضطرابات عصبيّة مع آثار طويلة المدى. وكل منهما ينتج غضباً، وقلقاً، وانطواءاً على الذات، وكآبة، وشعوراً باليأس، ونقصاً في تقدير الذات، وتصرّفات جنسيّة شاذّة.

وهناك من يرى علاقة بين الختان وانتهاك الأطفال. فالذين ينتهكون الأطفال يعانون من إنخفاض في تقدير أنفسهم، وإحساس بعدم القدرة. وهذه العوارض نفسها تنتج عن الختان. وهم أيضاً يعانون من صعوبة في تحقيق حاجاتهم الجنسيّة، وهذا أيضاً ناتج عن الختان. وإذا أحس الطفل أنه قد أغتصِب جنسيّاً فإن ذلك سوف يقوده إلى إغتصاب غيره. وإن كان من المؤكّد أن ليس كل المختونين ينتهكون الأطفال، وأن أسباب إنتهاك الأطفال متعدّدة، إلاّ أن ذلك يتطلّب البحث في ما إذا كان الختان هو أحد تلك الأسباب 82.

9) الإنتحار

إرتفع معدّل الإنتحار في الولايات المتّحدة بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، خاصّة بين الذكور. فما بين عامي 1950 و1990 أزداد معدّل الإنتحار 3.4 مرّة بين الشباب الذين يتراوح عمرهم بين 13 و24 سنة. وقد كان إنتحار الذكور 6.5 مرّات أعلى ممّا هو بين الإناث عام 1990. والإنتحار ينتج عن الإنعزاليّة وكبت الشعور العاطفي والخجل. وهذه كلّها من مخلّفات الختان.

هناك أيضاً ظاهرة وفاة الأطفال فجأة تحت عمر سنة والتي تصيب 6000 طفل سنوياً في الولايات المتّحدة، من بينهم 60% ذكور. ويجب هنا دراسة مدى تأثير الختان على هذه الظاهرة. فإذا ما إعتبرنا أن الختان يشابه الإغتصاب، وأن الإغتصاب يقتل إرادة وروح الإنسان، فلا يمكن إستبعاد أن يكون الختان أحد أسباب هذه الظاهرة 83.

وقد عرض أحد المختونين الحالة النفسيّة التي يعاني منها بسبب فشل ختانه وفشل عملية إصلاح الضرر ويقول بأنه كثيراً ما تراوده الرغبة في الإنتحار للتخلّص من مشاكله 84. واتصل بي رجل فلسطيني مسلم تم ختانه وعمره عشر سنين وأخبرني كيف أنه أيضاً حاول الإنتحار وقد تمكّن من السيطرة على مشاعره بعد إستعادته جزء من غلفته بمد جلد القضيب بذاته.

10) السرقة

تمثّل السرقة مشكلة كبيرة في الولايات المتّحدة. وقد تم إقتراف 12.2 مليون حالة سرقة عام 1992. ومعدّل السرقة في هذا البلد في إرتفاع.

هذا وهناك من يعتبر الختان عمليّة سرقة لأنها تجري على ممتلكات شخص دون إرادته. فالتيّار اليهودي المعارض للختان يرى فيه مخالفة للوصيّة التوراتيّة لا تسرق (الخروج 20 :15) 85. وقد قام أحد المختونين بسرقة الآلة التي يتم الختان عليها في "مستشفى جامعة كورنيل". وقد إعترف بأن عمله سرقة ولكن كرد فعل على سرقة قام بها المستشفى عليه قَبل عشرين سنة عندما قطع غلفته. ولكن لم يلتفت إلى دفاعه وحُكِم عليه بالأشغال للمصلحة العامّة 86.

ونجد تعبير السرقة في كتاب السيّدة الصوماليّة "واريس ديري". فهي تقول في كلامها عن ختان الإناث الذي عانت منه : "إني أعرف أن عدد النساء الغاضبات مثلي اللاتي لن يتمكّن من الرجوع إلى الوراء أو يسترجعن ما سُرق منهن في تزايد" 87. وتضيف في مكان آخر : "إني أعتقد أن الجسد الذي أعطاني الله إيّاه عند ولادتي كان كاملاً. لقد سرقني الرجال، وسلبوني قوّتي وتركوني مع عاهتي. لقد سرقوا منّي أنوثتي. وإن كان الله قد حكم بأن بعض أعضائي غير ضروريّة، فلماذا إذاً خلقها؟" 88

ويرى "جولدمان" أن هناك شبه بين الختان والسرقة. فالذي يُسرق يغضب، ويحس باليأس، ويحاول أن يقلّل من أهمّية ما سُرق منه لحماية نفسه. وكثير من المختونين قد يقلّلوا من أهمّية ما تم سرقته منهم. وإذا ما إعتبر شخص أنه تم سرقته فإنه سوف يسرق غيره كما سُرق هو. فهل الختان هو أحد الأسباب التي تدفع الأشخاص للسرقة رداً على ما فعل ضدّهم؟ هل هناك صلة بين إرتفاع معدّلات السرقة ومعدّلات الختان؟ 89

11) الصراعات والحروب

يمكن للمجتمع، مثله مثل الأفراد، أن يوجّه غضبه وعنفه داخلياً وخارجياً. ومن المعروف أن مشاكل كلينتون الجنسيّة لها صلة ما بالعدوان الذي شنته أمريكا على العراق وراح ضحيّته مئات الأشخاص الأبرياء، ناهيك عن تدمير الإقتصاد العراقي. فقد حاول كلينتون أن يشد إهتمام الشعب الأمريكي ومرشّحيه بعيداً عن مغامراته الجنسيّة في وسط البيت الأبيض. وكل ما يساعد في زيادة العنف الفردي يساعد في زيادة عنف المجتمع وميله لشن الحروب. فعدم الثقة، والتقدير المنخفض للذات، ونقصان التعاطف مع الغير، والرغبة في السيطرة عليهم، وكبت العواطف هي من مكوّنات النفسيّة الأمريكيّة. وهذا يؤدّي بدوره إلى الحروب. وهذا لا يعني أن المختونين هم الذين يشنون الحروب، ولكن ليس من المستبعد من أن يكون الختان إحدى المؤثّرات في شنها. واستبعاد إفتراض تأثير الختان على التصرّفات الإجتماعيّة لأنها مجرّد تخمينات يعني بحد ذاته رفض معرفة ما إذا كان هناك علاقة سببيّة بين الختان وتلك التصرّفات خوفاً من إكتشاف آثارها. وهكذا يسد الباب أمام البحوث الإجتماعيّة حتّى لا نطرح تساؤلات حول الختان 90.

تقول السيّدة الصوماليّة "واريس ديري" بلهجة لا تخلو من التهكّم :
"إن الحروب القبليّة، مثلها مثل ختان الإناث، هي نتيجة عنف وأنانيّة الرجال. لا أحب أن أقول ذلك، ولكن هذه هي الحقيقة. فهم إنّما يفعلون ذلك لأنهم متشبّثون بأرضهم وممتلكاتهم، والنساء جزء من تلك الممتلكات ثقافيّاً وقانونيّاً. ولو أننا خصينا الرجال، لأصبحت بلدنا جنّة! فقد يهدأ الرجال ويصبحون أكثر إحساساً بما يحيط بهم. من دون دفعة التيستوستيرون المتتابعة، لن يكون هناك حروب، ولا مذابح، ولا سرقات، ولا إغتصاب. فلو أننا قطعنا أعضاءهم الجنسيّة وتركناهم يتوهون دون علاج حتّى يسيل دمهم ويموتوا أو يعيشوا، فقد يفهموا لأوّل مرّة ما يفعلون تجاه نسائهم" 91.

وقد رأت أيضاً السيّدة "فران هوسكن" علاقة بين ختان الإناث وبين ما يحدث في الصومال من حروب أهليّة مدمّرة. فهي تقول إن ما يحدث في الصومال من عنف ذكوري أدّى إلى تمزيقه وإيقاع الأذى خاصّة بالأطفال والنساء الذين يعذبون ويموتون جوعاً. ويعبّر هذا العنف بين قبائل ذكوريّة عن العنف الخفي الوحشي الذي يمارسه الرجال ضد النساء والأطفال من خلال ختان الإناث. إن فتح الرجل إمرأته بصورة مؤلمة لإشباع رغبته باغتصاب فتاة مدماة تبيّن سقوط القيم وفسق لا يمكن قياسه أو فهمه. وهذا الأمر مقبول في السودان كعادة عائليّة متّفق عليها. فإذا بالعنف الذكوري ينفجر الآن في كل أنحاء الصومال من خلال إغتصاب وقتل النساء والفتيات الذي هو في قمة الفظائع التي تقترف في هذا البلد كما يبيّنها التلفزيون 92.

وفي مكان آخر تقول السيّدة "هوسكن" أن الحروب الأهليّة والعنف في المنطقة الإفريقيّة الصحراويّة السفلى منتشرة أكثر ممّا في أي مكان آخر في العالم. وفيها أكبر عدد من الوفيّات للأطفال، وهي أكثر المناطق أمّية، وأسوأها صحّة، وأضعفها إنتاجاً للغذاء. وفي هذه المنطقة توجد أكبر سيطرة للرجال على النساء من خلال حرمانهن من حق تملّك الأرض وإخضاعهن لنظام تعدّد الزوجات والتعسّف نحوهن. وتوجد هذه السيطرة الذكوريّة في القرى كما على مستوى الحكومة. ومن الواضح أن المسؤوليّة هي مسؤوليّة الرجال لتدهور الأوضاع في إفريقيا. وضحايا هذه الأوضاع هم الأطفال والنساء. لم يعد هذا زمن لوم الإستعمار، ويجب على الرجال الأفارقة أخذ مسؤوليّتهم في عالمنا الحاضر. وإذا أردنا أن تتغيّر الأوضاع في إفريقيا، يجب أن نبدأ بتغيير الرجال هناك. فيجب أن يأخذوا مسؤوليّتهم تجاه نساءهم وأطفالهم. فالرجال هم المسؤولون عن ختان فتياتهم، والتعسّف نحو نسائهم، وتعدّد الزوجات، وانتشار الإيدز القاتل. يجب تغيير تصرّف الرجال إذا ما أردنا تغيير إفريقيا 93.

بهذه الصرخة المؤلمة المحزنة ننهي هذا الفصل لننتقل إلى الوسائل الإجتماعيّة للقضاء على ختان الإناث والذكور. لعّل ذلك يخفّف من آلام البشريّة المعذّبة من خلال تخفيف آلام الأفراد الأبرياء.

انتهى الى الاعلى الصفحة السابقة


هوامش :

1- ]Moses, p. 368-373
2- Schoen : Benefits of newborn circumcision
3- Romberg : Circumcision, p. 69
4- Ombolo, p. 153-154
5- Goodman : Open letter, p. 8
6- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 246, note 20
7- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 86-87
8- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 89-94. أنظر أيضاً Miller, p. 28
9- لويس، ص 85-86. أنظر النص كاملاً في اللغة الإنكليزيّة Lewis, p. 109-111
10- Wallerstein : Circumcision : an American health fallacy, p. 139-143
11- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 24-26
12- Zwang : Functional and erotic consequences, p. 73
13- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 94-97 ; Romberg : Circumcision, p. 82
14- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 100
15- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 101-106
16- Erlich : La mutilation, p. 135, 137
17- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 115-117
18- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 117-118
19- Van Howe : Anaesthesia, p. 74
20- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 118-119
21- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 119-121
22- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 111-115 ; Goldman : The psychological impact, p. 95
23- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 110-111
24- Menage, p. 215-219
25- Hammond : Long-term consequences, p. 125-129
26- طه، ص 81-82.
27- عبد السلام؛ حلمي : مفاهيم جديدة، ص 78.
28- Taha : Female circumcision, p. 48
29- ]Baasher, p. 80-83
30- رزق، ص 32؛ أنظر في نفس المعنى عبد الفتّاح، ص 69-70؛ فيّاض، ص 31-32.
31- رأي ضمن كتاب سليم : دليل الحيران، ص 35.
32- Baasher, p. 80-83
33- Sanderson, p. 42
34- Lightfoot-Klein ; Chase ; Hammond ; Goldman, p. 447-448
35- Female genital mutilation : an overview, p. 31-32
36- Lantier, p. 281
37- Bettelheim, p. 90-91
38- Bettelheim, p. 91-92
39- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 127-128
40- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 124-128
41- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 24-25
42- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 129-131
43- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 131-132
44- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 132-133
45- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 133-138
46- ومن يريد قراءة هذه الشهادات يمكنه العودة إلى الكتب التالية Ritter ; Romberg : Circumcision the painful dilemma ; Bigelow
47- عبد الفتّاح، ص 69-70. أنظر أيضاً الممارسات التقليديّة، ص 21.
48- رأي ضمن كتاب سليم : دليل الحيران، ص 53.
49- Gallo : Edpidemiological, medical, p. 250
50- Goldman : The psychological impact, p. 99
51- DeMeo : Saharasia, p. 37-40
52- Miller, p. 2-4
53- Miller, p. 27
54- Miller, p. 5
55- Miller, p. 9
56- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 139-141
57- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 141-143
58- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 61-63
59- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 154-155
60- Denniston : Tyranny, p. 221-222
61- أنظر حول الوضع في كوريا Pang ; Kim ; Kim : Male circumcision in South Korea, p. 61-82
62- Goldman : The psychological impact, p. 96
63- Goldman : The psychological impact, p. 96-97
64- Denniston : Tyranny, p. 222
65- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 152-153
66- DeMeo : The geography, p. 10
67- Miller, p. 135
68- Miller, p. 139-140
69- Miller, p. 140-141
70- Miller, p. 193
71- Miller, p. 193
72- Warren : NORM UK, p. 99
73- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 153-154
74- رمضان، ص 54.
75- Romberg : Circumcision, p. 89-90
76- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 157-162
77- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 162-164
78- Zighelboim : Guns and penises. أنظر أيضاً في نفس المعنى رسالة على الانترنيت كتبهاDan Bollinger, 7 Dec. 1999
79- Morgan : The rape of the phallus
80- Burrington
81- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 164-168
82- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 168-171
83- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 171-172
84- Peterson : Assulted and mutilated
85- Goldman : Circumcision : a source of Jewish pain
86- Boyd, p. 131
87- Dirie, p. 319
88- Dirie, p. 328
89- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 173
90- Goldman : Circumcision the hidden trauma, p. 173-174
91- Dirie, p. 327
92- Hosken : The Hosken Report, p. 60
93- Hosken : The Hosken Report, p. 69