نظريات فلسفية
 
 


 اضرار الختان على الذكور والاناث


من كتاب ختان الذكور والإناث عند اليهود والمسيحيّين والمسلمين
الجدل الديني والطبّي والإجتماعي والقانوني
للدكتور: سامي عوض الذيب أبو ساحلية

2) الأضرار الصحّية لختان الذكور

أ) الأضرار الصحّية لختان الذكور قديماً

إن ختان الذكور عمليّة جراحيّة خطيرة تمس بأكثر الأعضاء حساسيّة تصاحبها مضاعفات طبّية ويمكن أن تؤدّي إلى تشويهات مستديمة أو إلى الموت. وقد كان رجال الدين اليهود يعون هذه الأضرار ولكن رغم ذلك فإنهم يشدّدون على ضرورة إجراء الختان وعدم التخلّي عنه إلاّ إذا سبق وأن توفّى أخوان أو إبناً خالة للطفل المرشّح للختان وبعضهم يرفع هذا العدد إلى ثلاثة 11. ويذكر تلمود أورشليم حادثة موت ثلاثة إخوة متلاحقين. وعندها نصح رابي ناتان بأن يؤخّر ختان الطفل الرابع ثم تم ختانه فبقي على قيد الحياة فسمّي بإسمه 12. وما زالت الكتب اليهوديّة تعيد علينا هذه القاعدة في زمننا. ويذكر جوزيف لويس كيف أن إبنة عمه ولدت طفلاً ذكراً بعد يأس طويل. فقرّرت ختانه رغم تحذيرها من ذلك. فأصرّت على ذلك. فختن الصبي في اليوم الثامن حسبما أوصى الكتاب المقدّس وخمدت أنفاسه قبل أن يتم له من العمر شهر. كما يذكر أن طبيباً إعترض على ختن طفل يهودي سليل أسرة مصابة بمرض سيول الدم. فقال الأب إنه يؤثر أن يرى إبنه جثّة هامدة على أن يخلّفه أغلف. وكان له ما أثر. إذ لم ينقض ربع ساعة حتّى كان الطفل قد زايلته الحياة 13.

وقد تسرّب هذا الفكر اليهودي إلى الكتابات الإسلاميّة. فنحن نقرأ عند النزوي : "إذا كان عادة قوم أنهم إذا إختتنوا ماتوا، معروفين بذلك، فإنهم لا يختتنون ويتركون. وإن ماتوا صلّي عليهم، وحُكمهم الطهارة لأن هذا عذر" 14. وتعرض كتب الفقه الإسلاميّة القديمة كثيراً من حالات التشويه والموت الناتجين عن الختان لمعرفة مدى المسؤوليّة الجنائيّة في هذه الحالات 15. وقد جاء ذكر لأضرار الختان عند الجاحظ الذي يقول :

"إنهم [اليهود] لم يروا قط يهوديّاً أصابه مكروه من قِبَل الختان، وإنهم رأوا من أولاد المسلمين والنصارى ما لا يحصى ممّن لاقى المكروه في ختانه إذا كان ذلك في الصميمين [أي أشد الصيف والشتاء] من ريح الحمرة، ومن قطع طرف الكمرة، ومن أن تكون الموسى حديثة العهد بالإحداد وسقي الماء فتشيط عند ذلك الكمرة ويعتريها برص. والصبي إبن ثمانية أيّام أعسر ختاناً من الغلام الذي شب وشد وقوي. إلاّ أن ذلك البرص لا يتفشّى ولا يعدو مكانه ؛ وهو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من الكي وإحراق النار، فإنهما يفحشان ولا يتّسعان. ويختن من أولاد السفلة والفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأ الخاتن، وذلك غير مأمون على أولاد الملوك وأشباه الملوك، لفرط الإجتهاد وشدّة الإحتياط، ومع ذلك يزمع ومع الزمع [أي الدهشة] والرعدة يقع الخطأ، وعلى قدر رعدة اليد ينال القلب من الإضطراب على حسب ذلك" 16.

وقد ذكر الطبيب العربي الشهير الزهراوي أساليب ختان الذكر في عصره وأوضح أسلوبه الخاص لتفادي ضرورة إعادة الختان إذا ما قطعت الطبقة العليا وبقيت الطبقة السفلى، وكذلك لتفادي قطع طرف الإحليل أو حصول عدم تناسب في القطع. وقد بين الأدوية التي يستعملها لشفاء الجرح 17. وقد بين هذا الطبيب أيضاً الأضرار التي قد تنتج عن الختان. يقول :

"وأمّا الخطأ الواقع في التطهير فربّما قلبت الجلدة الداخلة كلّها أو بعضها عند القطع فينبغي أن تمدّها من ساعتك بظفرك قَبل أن يتورّم الموضع وتقطعها على إستواء. فإن لم تستطع على إمساكها بظفرك فأجذبها بصنّارة واقطعها. فإن مضى له ثلاثة أيّام وبقي ما تحت الإحليل منتفخاً وارماً فأتركه حتّى يسكن الورم الحار واسلخه برفق واقطعه على حسب ما يتهيأ لك. وتحفّظ من رأس الإحليل فإن قطع شيء من رأس الإحليل فإنه لا يضر ذلك، فعالجه بما يلحم الجرح من الذرورات التي وصفنا في مقالة الذرورات. وإن قطع من الجلدة فوق المقدار وتقلّصت إلى فوق فلا يضر ذلك أيضاً كثير مضرّة. فعالجه بما ذكرنا حتّى يبرأ" 18.

وهذا الطبيب، كما سنرى لاحقاً، لا يقترح إجراء عمليّة الختان في حالة حصول عاهة في الغلفة. ولا عجب من ذلك. فنحن نجد في كتابه تحذيراً شديد اللهجة من اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة إلاّ في حالة عدم وجود وسيلة أخرى لشفاء المريض. فهو يقول بأنه إذا ما "إستعملنا ضروب العلاج في مرض من الأمراض ولم ينجح تلك الأدوية"، فعلى الطبيب اللجوء إلى الكي 19. وإذا لم يكفي ذلك، فيمكن للطبيب في آخر المطاف اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة التي يقول فيها موجّهاً كلامه لأبنائه :

"إن هذا الباب فيه من الغرر فوق ما في الباب الأوّل في الكي ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون التحذير فيه أشد لأن العمل في هذا الباب كثيراً ما يقع فيه الإستفراغ من الدم الذي به تقوم الحياة عند فتح عرق أو شق على ورم أو بط خراج أو علاج جراحة أو إخراج سهم أو شق على حصاة ونحو ذلك ممّا يصحب كلّها الغرر والخوف ويقع في أكثرها الموت. وأنا أوصيكم عن الوقوع فيما فيه الشبهة عليكم فإنه قد يقع إليكم في هذه الصناعة صنوف من الناس بضروب من الأسقام فمنهم من قد ضجر بمرضه وهان عليه الموت لشدّة ما يجد من سقمه وطول بليته وبالمرض من التقرّر ما يدل على الموت، ومنهم من يبذل لكم ماله ويغنيكم به رجاء الصحّة ومرضه قتّال فلا ينبغي لكم أن تساعدوا من أتاكم ممّن هذه صفته البتّة وليكن حذركم أشد من رغبتكم وحرصكم ولا تقدموا على شيء من ذلك إلاّ بعد علم يقين يصح عندكم بما يصير إليه العاقبة المحمودة، واستعلموا في جميع علاج مرضاكم تقدمة المعرفة والإنذار بما تؤول إليه السلامة" 20.

إن وصيّة هذا الطبيب العربي لأبنائه روعة من روائع الأخلاق الطبّية. فهو يشير إلى عدم اللجوء إلى العمليّات الجراحيّة إلاّ بحذر شديد. ويحث على أن يكون قرار الطبيب مبنيّاً على المعرفة، متوخياً سلامة المرضى، وليس خاضعاً للجشع المادّي. وما أحرى هذه الوصيّة القيّمة بأطبّاء زماننا. فسوف نرى في الفصل السادس من هذا الجزء كيف أن كثير من العمليّات الجراحيّة، ومن بينها عمليّة الختان، لم تعد تخضع لهذه الإعتبارات الأخلاقيّة.

ب) محاولة تتفيه الأضرار الصحّية لختان الذكور في أيّامنا

كانت أضرار الختان معروفة قديماً، ولكن كان من الواجب القبول بها لأسباب عقائديّة. إلاّ أن الهاجس الديني بدأ يضعف في زمننا ولم يعد الناس يتعصّبون لكثير من المعتقدات، لا بل يرون أنها لا تستحق الإعتبار إذا ما أملت عليهم تصرّفات ضارّة، كما رأينا في موقف معارضي ختان الذكور عند اليهود 21. ولذلك أخذ مؤيّدو ختان الذكور بتتفيه أضرار هذه العمليّة والتهويل من عدم ممارستها. وقد يكون ذلك إمّا بقصد الترويج الديني أو بقصد التكسّب من وراء هذه العمليّة. وسوف نتكلّم في الجزء الرابع عن علاقة الختان بالإقتصاد. ومثالاً للترويج الديني نكتفي هنا بذكر الدكتور حسّان شمس باشا الذي يعتمد على كاتب غربي من كبار دعاة ختان الذكور. يقول هذا الدكتور 22 :

"إن حدوث مضاعفات عقب عمليّة الختان أمر نادر جدّاً. ففي دراسة أجريت على 100.000 طفل مختون وجد أن نسبة حدوث مضاعفات لا تتجاوز 2 بالألف. وهذه مضاعفات لا تتعدّى حدوث نزيف بسيط يسهّل علاجه أو إلتهاب خفيف. وقد أظهرت الدراسات التي شملت أكثر من مليوني طفل مختون حدوث حالة وفاة واحدة فقط عزيت للختان 23. وهذه نسبة ضئيلة جدّاً. فهي حالة واحدة من أصل مليوني طفل نجبت عن نزف حدث عقب ختان أجري في البيت من قِبَل شخص عادي.

يقول البروفيسور وايزويل : "إن هذا الرقم لا يذكر بالقياس إلى ما يسبّبه عدم الإختتان. فهناك ما بين 225-317 شخص يموتون سنوياً في أمريكا نتيجة سرطان القضيب" 24. وكان يمكن إنقاذ حياة كل هؤلاء بالعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها [وهذا تعليق لباشا].

يقول تقرير لأطبّاء الجيش الأمريكي عام 1989 : "إن مضاعفات الختان نادرة جدّاً، ولم توجد حالة وفاة واحدة في نصف مليون طفل مختون في مدينة نيويورك. ولم تحدث أيّة وفيّات في دراسة أخرى أجريت في المستشفيات العسكريّة الأمريكيّة وشملت 175.000 طفل 25. وفي دراسة أجريت على 136.086 طفل مختون بلغت نسبة مضاعفات (والتي عادة لا تتجاوز إلتهاب موضعي أو نزف خفيف) 2 بالألف 26.

ولم يحقّق الدكتور حسّان شمسي باشا صحّة الأرقام المذكورة ولم يعرض آراء معارضي الختان لأن ذلك لا يتّفق مع ما يريد أن يثبته. فعنوان كتابه "أسرار الختان تتجلّى في الطب الحديث" والذي نشره ضمن "موسوعة الطب النبوي بين الإعجاز والعلم الحديث". ومن الواضح أن صاحبنا يرى أن الختان هو جزء من معتقده الديني الإسلامي. وهمّه هو أن يثبت بالترهيب والترغيب أن معتقده يتّفق مع المعطيات العلميّة الحديثة.

هذا وقد أثبتنا في الجزء الثاني أن الختان مخالف لروح القرآن. وقصدنا هنا ليس تفنيد أو تأييد المعتقدات الدينيّة، بل تقديم عرض للأضرار الصحّية الناتجة عن ختان الذكور. ثم ننتقل إلى ختان الإناث حيث سنرى كيف حاول مؤيّدوه أيضاً تتفيه أضراره. ونحيل القارئ إلى الفصل السادس للتعرّف على الفوائد الصحّية المزعومة لختان الذكور والإناث.

ج) عدم وجود إحصائيّات دقيقة للأضرار الصحّية

لا توجد إحصائيّات رسميّة ومؤكّدة حول الأضرار الصحّية لختان الذكور حتّى في الولايات المتّحدة. وليس هناك في الكتابات الطبّية دراسة حول كيفيّة قياسها، ممّا يدل على تحيّز للختان. وهذا أمر غريب في مجتمع يعتبر الختان فيه أكثر العمليّات الجراحيّة حدوثاً. هناك إذاً فراغ كبير في هذا المجال. وهذا يفسّر التضارب في الأرقام المتعلّقة بتلك الأضرار.

كتب أحد الأطبّاء أنه تم في مدينة نيويورك عام 1953 قرابة نصف مليون عمليّة ختان ولم تسجّل إلاّ وفاة واحدة لطفل يهودي ختن في البيت. وما بين عام 1933 و1951 تم في إحدى المستشفيات في مدينة نيويورك 10.802 سجّل بينها حالة تلوّث واحدة، وأربع حالات نزيف، وحالة عاهة واحدة. وفي إحدى مستشفيات كليفورنيا تم 1844 عمليّة ختان بين عام 1949 و1950 كان بينها ثلاث حالات نزيف. ولكن في عام 1978 كتب آخر أن 1% من عمليّات الختان تؤدّي إلى مضاعفات طبّية. وترى "رومبيرغ" بأن تلك المضاعفات تصل إلى 5% إلى 10% من مجموع حالات الختان 27.

وفي المؤتمر الرابع حول بتر الأعضاء الجنسيّة الذي عقد في لوزان عام 1996 سألت الطبيب الأمريكي "دينيستون" ما هي في تقديره نسبة حدوث أضرار عند إجراء الختان. فأجاب بأن الختان يؤدّي إلى 100% من الأضرار. فالطبيب يتدخّل عند حصول عطب صحّي، ويعتبر تدخّله ناجحاً إذا ما توصّل إلى إعادة الوظيفة الطبيعيّة للجسم. وفي حالة الختان لا يمكن بأي حال إعتبار وجود غلفة عند الطفل حالة مرضيّة، إذ هي جزء من التكوين الفيزيولوجي للعضو التناسلي. فإذا تدخّل الطبيب لبتر الغلفة، فهو إنّما يقوم ببتر جزء سليم ويحذف وظيفة فيزيولوجيّة أصليّة غير مَرَضيّة. ولذلك كل ختان هو تشويه للجسم وضرر طبّي وليس حلاًّ لمشكلة. وقد أعاد هذا الطبيب هذا القول في مقاله المنشور ضمن أعمال المؤتمر، مع بعض التفاصيل :

"إن نسبة الأضرار بعيدة المدى للختان هي 100%. فكشف الحشفة بصورة إصطناعيّة يجعلها تصبح خشنة وجافّة. وفتحة البول كثيراً ما تتقيّح وتضيق فلا يسمح لها بالإنغلاق الطبيعي. وحافّة القطع في الختان تلتصق بالحشفة أو تكوِّن مظهراً غير لائق على ساق القضيب" 28.

ويذكر هذا الطبيب أن في الولايات المتّحدة يموت 229 طفل كل سنة بسبب الختان. و1 من كل 500 طفل مختون يعاني من مضاعفات خطيرة تتطلّب عناية صحّية في قسم العلاج الطارئ. حتّى وإن لم يقرّوا عن أضرار تصيبهم، فإن المختونين يقضون حياتهم مع أعضاء جنسيّة تعمل نصف وظيفتها ومشوّهة وفاقدة حساسيّتها. والختان، مهما كانت درجته ولأي جنس كان، يترك آثاراً سلبيّة على صحّة الإنسان 29. ويضيف أنه يحدث سنوياً ألفي حالة مضاعفات طبّية في الولايات المتّحدة لا داعي لها 30.

وقد قام "تيم هيموند"، أحد معارضي ختان الذكور، بحساب الأضرار الناتجة عنه آخذاً بالإعتبار أن نسبة المختونين في العالم هي 20%.

عدد سكّان العالم عام 1994 5.6 مليار
عدد الذكور (50%) 2.8 مليار
عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 10% 65.6 مليون
عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 2% 11.3 مليون
عدد الأضرار إذا كانت نسبتها 1% 5.6 مليون 31

نستنتج من ذلك أنه لا توجد إحصائيّات دقيقة للأضرار الصحّية الناتجة عن الختان. فليس من صالح الأطبّاء أو المستشفيات الكشف عن تلك الأضرار. فذلك يعطي للأهل ذريعة لرفع قضايا ضدّهم، خاصّة وأن ليس لتلك العمليّة أسباباً طبّية تبرّرها. من جهة أخرى، فإن هذه الأضرار قد تحصل عند إجراء الختان كما قد تحصل بعد مدّة طويلة من إجرائه. فكثير من الأضرار الناتجة عن الختان تتم بعد خروج الطفل من المستشفى، خاصّة في العائلات الفقيرة حيث العناية الصحّية ليست دائماً متوفّرة، والتعليمات بخصوص جرح الختان قليلة. وفي كلتا الحالتين يحاول الطبيب عدم الربط بين تلك الأضرار وبين الختان إمّا لتفادي الملاحقات القضائيّة أو لبعد الزمن بين الختان والأضرار. ويُذكر في هذا المجال عمليّة ختان في الولايات المتّحدة أصيب الطفل خلالها بضرر في مخّه فأصبح غير قادر على الكلام والمشي أو الإهتمام بنفسه. وقد عرض الأهل مبلغ 10.000 دولار لمن يستطيع أن يجد ملفّاته الطبّية التي فقدت 32.

وعدم وجود إحصائيّات دقيقة، يعني أن الأطبّاء لا يستطيعون أن يقدّموا للأهل أرقاماً حول أضرار الختان. وبطبيعة الحال، هذا في صالح الأطبّاء الذي يكسبون الملايين من ورائه. فإذا ما وضعت الأرقام المرعبة أمام أعين الأهل فذلك قد يؤدّي إلى رفضهم إجرائه لأطفالهم.

وأضرار ختان الذكور ترتبط بمدى توفّر الرعاية الصحّية والعلاج. فإذا ما تمّت العمليّة على يد حلاّق وبأدوات ملوّثة وفي مكان قذر ولم تتوفّر وسائل العلاج، فإن هذه الأضرار تزداد. وهذا لا يعني أن الختان في المستشفيات الحديثة على يد أمّهر الأطبّاء لا يمثّل خطراً. فقد تكون الأضرار نتيجة ضعف مناعة الطفل، أو نتيجة أصابته بمرض سيول الدم، حيث لا يسعف توفّر الرعاية الصحّية والعلاج. لذا نجد مضاعفات وحالات وفاة بسبب الختان حتّى في الولايات المتّحدة ذاتها حيث تنقل المجلاّت والصحف لنا مآسي كثيرة عن ختان الذكور أدّت إلى ملاحقات قضائيّة دفعت فيها المبالغ الطائلة تعويضاً عن الضرر الناتج.

وإن كان الختان يؤدّي إلى أضرار في الدول المتقدّمة فما حال الدول الفقيرة ؟ ففي دراسة حول عمليّة الختان في قبيلة "كهوسا" في جنوب إفريقيا تبيّن أن 9% من الأولاد المختونين توفوا، و52% فقدوا كل أو أكثر جلد القضيب، و14% حدث لهم تقرّحات خطيرة، و10% فقدوا حشفتهم، و5% فقدوا كل قضيبهم. وهذه الأرقام تخص من تم الختان عليهم في المستشفيات. ممّا يعني أن الأرقام الحقيقيّة أعلى بكثير 33. وقد حاول الأطبّاء خفض نسبة المضاعفات الناتجة عن الختان في هذه القبيلة وذلك من خلال إجراء تلك العمليّة في المستشفيات وعلى يد طبيب متمرّس. غير أن مثل هذه العمليّة غير الطقسيّة مرفوضة من تلك القبيلة إذ تُفقد الختان معناه الإجتماعي. وإن كان هناك قبول لعمليّة الختان في المستشفى إذا ما كان هناك سبب طبّي، إلاّ أن من يطلب إجراء تلك العمليّة بذاته يعتبر خارجاً عن القبيلة 34.

د) قائمة بالأضرار الصحّية لختان الذكور

إذا ما نظرنا إلى كتابات مؤيّدي ختان الذكور، فإننا نرى أنهم لا يذكرون الأضرار الناتجة عنه، وفي أحسن الأحوال يتفّهون تلك الأضرار. فإذا ما أردنا معرفة هذه الأضرار علينا أن ننظر في كتابات المعارضين، وهي كلّها غربيّة 35. ونحن نستعرض أهم هذه الأضرار الصحّية. ونحيل القارئ فيما يخص الأضرار الجنسيّة والنفسيّة إلى الفصول الأخرى.

النزيف

تقدّر نسبة حدوث النزيف بـ 2% على الأقل من حالات الختان. فغلفة القضيب عضو كثير الشرايين يؤدّي بترها إلى نزول دم. وإن تم مس الشريان اللجامي، فإن هذا النزيف يكون سريعاً. والطفل الذي يزن ثلاثة كيلوغرامات لا يحتوي على أكثر من كأس دم أو ما يناهز 300 غرام من الدم. ولذلك في حالة عدم التنبّه للنزيف لمدّة قصيرة، فإنه يقود إلى الوفاة. وكثيراً ما يصاب الصبي بحالة صدمة من النزيف.

وبعض الأشخاص مصابون بمرض سيلان الدم، وهو مرض وراثي. ونزيف الدم في هذه الحالة يصعب التحكّم به. وللحد من هذه الظاهرة أخترعت الآلات الضاغطة التي تكبس الشرايين فتمنع سيلان الدم. ولكن اليهود الأرثوذكس يرفضون إستعمالها لأنها لا تسيل الدم، ممّا يبطل الختان الديني. وتبيّن الإحصائيّات أنه حتّى باستعمالها، يبقى الطفل معرّضاً لخطر النزيف. ولذلك يجب تفادي إجراء الختان إذا ما تبيّن بعد فحص الأهل أو الصبي بوجود مثل هذا المرض، أو إذا كانت الغلفة ملتصقة بالحشفة كما هو الأمر في أكثر حالات الأطفال في بداية حياتهم. فشد الغلفة لفصلها عن الحشفة يؤدّي إلى مزيد من النزيف. ويشار هنا إلى أن فيتامين "ك" المسؤول عن تجليط الدم وإيقاف النزيف لا يتكوّن في جسم الطفل قَبل خمسة عشر يوماً من ولادته. وهذا يبيّن بأنه من الغلط إجراء العمليّة في الأيّام الأولى من حياته. ولذلك يحاول بعض الأطبّاء إعطاء الطفل هذا الفيتامين لتفادي النزيف.

الإلتهابات وتعفّن الجرح
قطع الغلفة يجعل الجرح والحشفة المكشوفة عرضة للتلوّث بالبول والبراز، ممّا قد يسبّب إلتهابات وتقيّحاً في فتحة البول. وهذا هو السبب الرئيسي لعسر البول والتهاب المسالك البوليّة، ممّا قد يتطلّب تدخّل جراحي لتوسيع فتحة البول. وهذا يحدث في 10% من حالات الختان. وإذا لم توجد أدوية معقّمة، فالجرح قد يؤدّي إلى التعفّن وإصابته بجراثيم عدوى كثيرة مثل التيتانوس والغنغرينا ومرض السحايا والدفتيريا وتسمّم الدم والتهاب العظام، ممّا قد يودي بحياة الطفل.

إنكماش القضيب

قد يؤدّي الختان إلى إنكماش قضيب الذكر فيختفي تحت الجلد المحيط به. فيتطلّب تدخّل جراحي لإرجاعه إلى وضعه الطبيعي وذلك بإضافة جلد إلى جلده.

القضاء على الغدد التي تفرز المادّة المرطّبة

بالختان يتم القضاء على الغدد التي تفرز المادّة المرطّبة والتي تتواجد في ثلم إكليل الحشفة وبطانة الغلفة. والمادّة المرطّبة تلعب أدواراً مُهمّة منها فصل الغلفة عن الحشفة تدريجيّاً ومنع إعادة إلتصاقها بها، والإحتفاظ بالحشفة ناعمة وليّنة تماماً كما تحافظ الإفرازات الأخرى على نعومة البشرة. فإذا ما تم قطع الغلفة بالختان، فإن الحشفة تصبح دون حماية وتجف بسرعة وتصبح عرضة للخدش بالملابس. كما أنها تثخن وتخشن وتفقد حساسيّتها الطبيعيّة. حتّى أن لونها الطبيعي يتغيّر. ويقدّر البعض سمك بشرة الحشفة لدى المختونين بعشرة أضعاف سمك بشرة الحشفة عند غير المختونين 36.

باسور الإحليل والمبال الفوقاني

قد تحدث عمليّة الختان فتحة جانبيّة في مجرى البول يطلق عليها "باسور الإحليل". وهذا ينتج بسبب خطأ من الخاتن خلال عمليّة قطع الغلفة، فيثقب القضيب. وقد يثبت طرف الآلة داخل مجرى البول. وعند إغلاقها فإنها تسحق الجزء الأعلى لمجرى البول والجزء الأعلى للحشفة مع الغلفة، ممّا ينتج عنه حدوث فتحة في أعلى الحشفة يطلق عليها "مبال فوقاني". وهناك بعض حالات التشوّه الخلقي يطلق عليه "الإحليل التحتاني" وهو تحوّل فتحة مجرى البول من أعلى الحشفة إلى الجانب السفلي منها. ويصلّح هذا العيب بترقيع الفتحة بغلفة القضيب وإجراء فتحة في المكان الإعتيادي. فإذا لم يلاحظ الطبيب هذا العيب قَبل الختان، فإنه يصعب عليه إصلاحه لأنه بالختان يزيل قطعة الجلد التي يحتاج إليها لتصليح العيب.

ضيق الغلفة

سوف نرى أن مؤيّدي ختان الذكور يجرونه للوقاية من ضيق الغلفة الذي يمنع سحبها إلى الخلف لكشف الحشفة. إلاّ أن الختان قد يؤدّي إلى مثل هذا الضيق ممّا يسبّب حشر للحشفة. وهذا يتطلّب تدخّل لتوسيع الجلد وفي بعض الأوقات يجب إعادة عمليّة الختان.

إحتباس البول

قد يتم في الختان قطع "لجام القضيب"، ممّا يحرم مجرى البول الداخلي من أهم مصدر للدم فيه. وهذا يؤدّي إلى ضيق مجرى البول في 5 إلى 10% من المختونين وإلى صعوبة في التبوّل. وقد يحدث إحتباس للبول بسبب لف قضيب الطفل بعد الختان لإيقاف النزيف أو بسبب إستعمال الأجهزة في الختان، وخاصّة جهاز Plastibell. وهذا الإحتباس قد ينتج كرد فعل من الطفل بسبب صدمة عمليّة الختان. واحتباس البول يجعل الطفل يتألّم ويصيح ويمتنع عن الرضاعة. وقد يؤدّي إلى قصور كلوي.

موت الحشفة أو تشويهها وفقدها حمايتها

يؤدّي تضييق اللف على حشفة الطفل في بعض الأحيان إلى موتها. ويحدث أيضاً أن تجرح هذه الحشفة أو تقص كاملة بسبب تهاون الخاتن فيصاب القضيب بتشويه دائم يصاحبه مشاكل جنسيّة كبيرة مدى الحياة. ولحماية الحشفة من مثل هذه الحوادث تم إختراع الآلات الطبّية.

هذا وبتر الغلفة يحرم الحشفة من حمايتها الطبيعيّة في بعض الحوادث مثل الحرق. فإذا ما تعرّضت الحشفة للحرق فإنه يصعب إزالة التشويه. بينما إذا مس الحرق الغلفة، فإنها تقي الحشفة. وعند الحاجة يمكن إزالة الغلفة بالختان مع ضرر أقل لشكل القضيب. ونسبة الإصابة بالحرق أكبر من نسبة الإصابة بسرطان القضيب. وتذكر المصادر الطبّية أن الغلفة تحمي من زمام البنطلون، ومقعد المرحاض الذي قد يسقط على قضيب الولد الصغير عند التبوّل، والتفاف شعر أو خيط حول القضيب ممّا يؤدّي إلى انحباس الدم وموت الحشفة. وبتعرية الحشفة تفقد حرارتها التي تساعد على شفاء التخدّشات التي قد تصيبها خلال المداعبة الجنسيّة. فالغلفة تعطي الحشفة حرارة تساعد على شفاء تلك التخدّشات.

قطع زائد لجلد القضيب

من الصعب معرفة القدر الذي يتم قطعه من جلد القضيب خلال الختان، خاصّة عندما يجرى على طفل حديث الولادة. ويختلف هذا القدر حسب مهارة الخاتن ونوعيّة الختان. فاليهود مثلاً يشدّدون على ضرورة قطع أكبر قدر من الجلد. وهذا الأسلوب إنتقل منهم إلى الأطبّاء الأمريكيّين. وقد يُحدث الختان قطع كبير فيصبح جلد القضيب أقصر من القضيب الذي يغطّيه. وقد تحدث مضاعفات في عمليّة الختان فيضطر الطبيب إلى قطع المزيد من الجلد فيتعرّى القضيب ويسبّب ضيقاً عند إنتصابه وتعطيلاً لوظيفته الطبيعيّة. وقصر جلد القضيب يؤدّي عند الإنتصاب إلى شد جلد الصفن ممّا يحدث ألماً ومشاكل جنسيّة سوف نعرضها في الفصل الخامس. وقد دفعت هذه المضاعفات بعض المختونين إلى اللجوء لعمليّة إستعادة الغلفة إمّا بطريقة جراحيّة أو بطريقة شد الجلد، كما سنرى في الفصل السابع.

التقيؤ ووقف التنفّس

هناك حالات لوحظ فيها أن الختان ادّى إلى التقيؤ ووقف التنفّس بسبب الكرب الذي يصيب الطفل خلال عمليّة الختان، خاصّة عندما تتم دون تخدير. وقد يؤدّي صراخ الطفل خلال العمليّة إلى إصابته بـ"الإسترواح الصدري" و"الإندغام الرئوي".

مخاطر التخدير

ذكرنا أن الختان يتم عامّة دون تخدير. واستعمال التخدير بحد ذاته له نتائج لا يمكن تجاهلها في أيّة عمليّة جراحيّة. فالتخدير قد يؤدّي للموت. ويقول بعض الأطبّاء أن خطر التخدير أكبر عند الأطفال ممّا عند البالغين. ولو تم تخدير كل الأطفال لكان هذا سبباً في حوادث وفاة أكثر بين الأطفال ممّا هو الحال عليه بدون تخدير.

تقرّح فتحة مجرى البول

تحمي الغلفة حشفة الطفل من البول الذي يبلّل ملابسه. فإذا ما أزيلت الغلفة، إنكشفت الحشفة وأصبحت ملامسة مباشرة للملابس المشبّعة بالأمونيا التي في البول، ممّا يؤدّي إلى تحرّق الحشفة وتقرّحها والتهابها. ونسبة المختونين الذين يصابون بهذه الظاهرة تقدّر ما بين 8% و31%، ولكن النسبة الحقيقيّة أعلى من ذلك بكثير لأن حالات الإلتهابات والتقرّح لا تسجّل دائماً. وكثيراً ما يجهل الأطبّاء سببها خاصّة عندما تحدث بعد مدّة من الختان فينسون العلاقة بينهما. وعندها يلجأ الأطبّاء إلى البحث عن وسيلة لشفائها، فيقترحون تغيير نظام طعام الطفل لتخفيف الأمونيا في بول الطفل. وقد يقترحون بعض المراهم كالفازلين ومضادّات حيويّة لها عواقب وخيمة إذا ما إعتاد عليها الطفل، إذ يبطل مفعولها، فيضطر الأطبّاء لإقتراح مضادّات أقوى من السابقة. ومنهم من يقترح تغيير الثياب مراراً وغسلها وغليها حتّى تزول الأمونيا تماماً.

ضيق فتحة مجرى البول

قد يؤدّي تقرّح فتحة مجرى البول إلى مضاعفات لاحقة مثل ضيق تلك الفتحة، خاصّة عند الصغار، ممّا يجعل التبوّل صعباً ومؤلماً ويتطلّب جهداً كبيراً لإخراجه. وقد قام بعضهم بقياس فتحة مجرى البول عند مائة مختون ومائة غير مختون، فوجد أن الفتحة عند غير المختونين أوسع من الفتحة عند المختونين. ويذكر طبيب بأن ضيق فتحة مجرى البول تحدث عند قرابة ثلث المختونين ولا تحدث عند غير المختونين. وقد أثبتت الدراسات أن صعوبة التبوّل تؤدّي في بعض الأحيان إلى التبوّل في السرير ليلاً. ولعلاج ضيق فتحة مجرى البول يلجأ البعض إلى عمليّة جراحيّة لشق المبال أو توسيعه.

الإبقاء على حلقة Plastibell

يعتبر جهاز Gomco وجهاز Plastibell أكثر الأجهزة إستعمالاً لإجراء ختان الذكور في أمريكا. وبعد الختان، يتم الإبقاء على قمع جهازPlastibell لقرابة عشرة أيّام قبل أن تنسلخ تلقائياً عن القضيب. إلاّ أنه يحدث أن يندمل القمع داخل جلد القضيب. وهذا يؤدّي إلى تقرّح أو تنكرز الجلد، وأيضاً إلى فقد الحشفة.

التعرّض لعدوى الأمراض

من مخاطر الختان التي تحصل كثيراً تعريض القضيب إلى عدوى الأمراض من خلال الجرح، ممّا يؤدّي إلى أوخم النتائج بما فيها الموت. ويصاحب هذه العدوى إرتفاع حرارة الطفل والتقيّح والتورّم. ويرى البعض أن نسبة إلتهاب جرح الختان قد تصل إلى 8%. والدم المحيط بجرح الطفل يساهم في تفشّي الجراثيم. وهذه العدوى مرتفعة في المستشفيات بسبب وجود جراثيم ذات مناعة عالية للمضادّات الحيويّة. وقد تظهر عوارض العدوى بعد رجوع الطفل إلى البيت. وقد تتحوّل هذه العدوى إلى العمود الفقري وتصيب المخ بمرض إلتهاب السحايا الذي يسبّب الموت. ويصاحب هذه الأمراض ألم شديد ورفض الرضاعة.

تشويه القضيب

ليس كل الذين يختنون يستطيعون إجراء عمليّة ذات نتائج مرضيّة شكلاً. فقد يكون القطع معوجّاً فيؤدّي إلى إعوجاج القضيب عند إنتصابه. وقد يترك شفاء الجرح طبقة من الجلد على طبقة أخرى مع نتوات. وقد رفعت إلى المحاكم قضايا في هذا الخصوص باعتبار أن القضيب لا يتّفق مع النظرة الجماليّة المتعارف عليها. وإذا تم الختان بواسطة ملزم Plastibell يجب أن تسقط حلقته خلال عشرة أيّام من الختان. ولكن قد تبقى هذه الحلقة داخل الجلد حول حد الحشفة كما ذكرنا. وهنا يجب تدخّل من الطبيب لإزالة الحلقة التي تترك تشويهاً في العضو على شكل ثلم. وقد يحدث جسر من اللحم بين الغلفة والحشفة يجعل إنتصاب القضيب مؤلماً. وفي عام 1986، قامت جمعيّة طب المسالك البوليّة في "فرجينيا" بفحص وثائق تخص ختان طفل خسر جرّاء ذلك كل جلد القضيب، وختان طفل آخر أصابه غنغرينا ونكرزة في حشفته وقضيبه بسبب الكي الكهربائي لدمل الجرح. وعلى أثر ذلك، قامت الجمعيّة المذكورة بأخذ قرار بالإجماع ضد الختان الروتيني.

التعرّض للخدش

يصبح جلد القضيب في حالة القطع الكبير أكثر توتّراً عند الإنتصاب ممّا يجعله أكثر عرضة للخدش. وبعض المختونين يشتكون بأنهم لا يتحمّلون إحتكاك قضيبهم بالملابس الداخليّة.

فقدان القضيب

هناك حالات تم فيها فعلاً قطع القضيب بسبب إلتهابات أو بسبب إستعمال الكي الكهربائي لإيقاف نزيف الدم بعد إجراء الختان. وقد تطلّب الأمر إجراء عدّة عمليّات جراحيّة للمحافظة على القضيب بسحبه من جوف الطفل وترقيعه بالجلد. وفي عدم نجاح تلك المحاولات، فإنه يتم بتر القضيب كاملاً. وفي بعضها حُوّل الولد فعلاً إلى أنثى. وبطبيعة الحال تكون الأنثى هنا غير قادرة على اللذّة الجنسيّة أو الإنجاب، وتجد صعوبة في التبوّل. فعمليّة التحويل هذه هي مجرّد محاولة لتخفيف للعاهة. وهذا التحويل يصاحبه مشاكل نفسيّة لا تقاس تؤيّدي إلى قضايا أمام المحاكم للحصول على تعويضات بسبب الضرر. ولكن هل يمكن لكل أموال الدنيا أن تعوّض عن مثل تلك العاهة ؟.

وقد عرضت مجلّة "التايم" الأمريكيّة في 24 مارس 1997 قصّة ختان فاشل تم عام 1963 قرّر الأطبّاء والأهل على أثره تحويل الطفل إلى أنثى. فتم نزع خصيتيه وصمّم له فرج من بقايا النسيج ظنّاً منهم أن إعطائه هرمونات الأنوثة سوف يحوّل نفسيته ونزعاته من ذكر إلى أنثى. وكان هذا تطبيقاً للنظريّة الشائعة في ذاك الوقت والتي كانت تدّعي بأن الأطفال يولدون حياديين جنسيّاً ثم يتم زرع ميول الذكورة والأنوثة فيهم من خلال التربية. وقد إعتمد الأطبّاء في الولايات المتّحدة على هذه الحادثة لإقناع الأهل بتحويل عشرات الصبيان إلى فتيات لعلاج حالات فشل الختان. غير أن ضحيّة هذه الحادثة المأساويّة لم تتمكّن أبداً من التأقلم مع جنسها الجديد. فقد كانت تمزّق ثياب البنات التي كانت أمّها تلبسها بها، وتفضّل اللعب مع الصبيان، وترفض ألعاب الفتيات. ورغم أن رفاقها لم يكونوا يعلموا بقصّة تحويلها من ذكر إلى أنثى، فإنهم كانوا يستغربون من تصرّفاتها. غير أن الأطبّاء إستمرّوا بالضغط عليها ليقنعوها بأنها أنثى وأن عليها التصرّف كأنثى. وعندما كان عمرها 14 سنة، رأت أن لا خيار أمامها إلاّ الإنتحار أو التحوّل إلى ذكر. وعند ذلك إعترف لها الأهل بأنه تم تحويلها في صغرها من ذكر إلى أنثى. وعندها قرّرت الرجوع إلى حالتها الأولى فأجرى لها الأطبّاء عدّة عمليّات لتشكيل قضيب صغير ولكنّه خال من حساسيّة القضيب الإعتيادي.

ويذكر الدكتور رشدي عمّار أنه توجد حالات يصعب بالعين المجرّدة تحديد الجنس إذا كان ولداً أو بنتاً. ولا بد من عمل فحص للأعضاء التناسليّة الداخليّة وعمل تحاليل كثيرة وأبحاث لتحديد الجنس. يقول الدكتور عمّار :
"وفي هذه الحالات قد تجرى عمليّة الطهارة للولد على أنه بنت ويزال قضيب صغير الحجم على أنه البظر، ثم يثبت بعد ذلك أن الجنس ولد. وبذلك يقضى على المستقبل الجنسي للطفل بعد ذلك. وقد صادف شخصياً هذه الحالة سنة 1959 في طفل ذكر أجريت له عمليّة الختان وأزيل القضيب على أنه البظر وبالفحص والتحليل ثبت أنه ولد وليس بنتاً" 37.

الوفاة

يؤدّي الختان بسبب النزيف أو الإصابة بعاهة أخرى أو التخدير إلى حالات وفاة كما ذكرنا سابقاً. ولا يعرف بصورة مؤكّدة عدد الوفيّات التي يسبّبها الختان حتّى في الدول المتقدّمة إذ إنها تسجّل تحت أسباب غير الختان. ويرى طبيب أمريكي أن كل وفاة تحدث في الأيّام العشرة التي تتبع الختان يجب أن تعتبر وفاة مشبوهة 38.

هـ) الأضرار الصحّية الخاصّة بالختان اليهودي

يجرى الختان الديني عند اليهود على ثلاث مراحل. فيتم أوّلاً قص الغلفة. ثم تسلخ بطانة الغلفة مع اللجام بظفر مدبّب. وبعدها يقوم الخاتن بمص قضيب الصبي بفمه. وقد أدخلت المرحلة الثانية في القرن الأوّل الميلادي لمنع إستعادة الغلفة بشد جلد القضيب. وأضيفت في العصر التلمودي (500-625) مرحلة مص القضيب. وقد توفّى آلاف من الأطفال اليهود في القرن التاسع عشر في أوروبا بسبب مص الدم هذه. وقد تم إدخال تعديلات على عمليّة الختان بداية من الربع الأخير من القرن التاسع عشر لكي تتماشى مع التقدّم الطبّي. فقد أستبدل ظفر الخاتن بالمقص في المرحلة الأولى من الختان، ولكن الظفر ما زال مستعملاً لسلخ بطانة الغلفة واللجام. كما أقترح إستبدال إستعمال أنبوب زجاجي لمص الدم بدلاً من مصّه مباشرة بفم الخاتن لتفادي العدوى. ولكن هذا المص ما زال يمارس بين اليهود الأرثوذكس. وقد سمح الحاخام الشرقي "بكشي دورون" في إسرائيل بمص الدم بأنبوب زجاجي ليس خوفاً على إنتقال الأوبئة إلى الطفل ولكن خوفاً من أن ينتقل الإيدز إلى الموهيل 39.

ويحاول اليهود التتفيه من مخاطر الختان الذي يتم على يد موهيل. يقول طبيب وموهيل يهودي بريطاني بأن مضاعفات الختان تندر عندما يجرى على يد الموهيلين رغم كثرة هذه العمليّات. ويذكر في هذا المجال أن هناك حالة واحدة من 800 حالة ختان تم إدخالها المستشفى بسبب النزيف في القدس عام 1964. ويشير إلى أن المضاعفات تصل إلى 0.19% من بين 100.000 ختان أجري على وليد في الولايات المتّحدة رغم أن هذه العمليّات لم تجرى على يد موهيل. كما يستشهد بمقال يبيّن أن المضاعفات في الختان تظهر أكثر عندما تجرى العمليّة من قِبَل الطبيب بدلاً من الموهيل. ويتساءل هذا المؤلّف عن سبب ندرة مضاعفات الختان 40. ولكن هناك من لا يكتفي بالتعجّب بل يبرّر هذا التعجّب بكون الختان أمر إلهي، كما رأينا سابقاً. وخلافاً لرأي هذا الطبيب، تقول دراسة لمعارضين يهود بأنه لا توجد في إسرائيل متابعة لمعرفة مدى المضاعفات الناتجة عن الختان. فليس هناك سجل أو إحصائيّات في هذا الخصوص. وقد بيّنت دراسة بناء على معلومات من الصحف العاديّة والطبّية أنه هناك 22 حالة وفاة، و19 حالة بتر القضيب أو غنغرينا أصابت القضيب، و132 حالة خطرة تطلّبت العلاج في المستشفى بسبب النزيف وتلوّث الجرح وقطع الحشفة وفقد كمّية كبيرة من الجلد وغيرها من المضاعفات. وقد أدّت بعض هذه المضاعفات إلى أضرار لا رجعة فيها 41.

وتقول طبيبة بريطانيّة يهوديّة معارضة بأن لا اليهود ولا المسلمين في بريطانيا يحتفظون بإحصائيّات حول أضرار الختان التي يقومون بها. وتبيّن أن ختان الذكور له أضرار عدّة وخطيرة. وتذكر بأنها تكلّمت مع كثير من الأمّهات التي عانت من هذه الأضرار. وقد أبلغتها إحداهن بأنها لن تضع طفلاً آخراً لأنها لا تستطيع عدم ختانه ولا تستطيع تحمّل ألمه. وتضيف هذه الطبيبة بأنه إن كانت لكل عمليّة جراحيّة يقصد منها شفاء المرض والحفاظ على الحياة أضرارها، فيوزن بين الأضرار والفوائد، إلاّ أن مثل هذه المخاطر لا يمكن قبولها لعمليّة لا تهدف للشفاء، بل هي تعدّ على عضو سليم 42.

وبسبب الأضرار السابقة الذكر، ينص الأطبّاء المعارضون للختان على تفادي قطع الغلفة بقدر الإمكان إلاّ في حالات الضرورة الطبّية. وحتّى في هذه الحالات، يجب محاولة اللجوء إلى "الرأب" بدلاً من الختان لتفادي قطع الأنسجة الحسّاسة. وإذا كان لا بد من الختان فيجب الإقتصار على أقل قدر من القطع للحفاظ على وظيفة القضيب الطبيعيّة. وفي كل الحالات يجب تفادي اللجوء إلى ختان الأطفال حديثي الولادة لأن ذلك يتطلّب سلخ الحشفة عن الغلفة قَبل تمام تكوينها. كما إنه يجب ترك قرار الختان للشخص عندما يبلغ. فهذا هو ما يتّفق مع الأخلاق الطبّية وحقوق الإنسان 43.


هوامش:
1- It's a boy, film by Victor Schonfeld, 1995, Broadcast Channel 4 TV, 21 Sept 1995; Price: Male non-therapeutic circumcision, p. 432
2- Romberg: Bris Milah, p. 94-95
3- Romberg: Bris Milah, p. 57-58
4- Female genital mutilation: report, p. 9
5- Kilanowski, p. 166
6- Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 22-23, 59
7- Tangwa, p. 187
8- Bulletin (du Comité inter-africain), no 14, juillet 1993, p. 11-12 أنظر في نفس المعنى Hosken: The Hosken Report, p. 326, 327
9- Gallo: La circoncisione femminile in Somalia, p. 158
10- Favazza, p. IX-X
11- Barth (editor): Berit Mila, p. 164
12- Le Talmud de Jérusalem, tome VII, p. 9
13- لويس، ص 81-82.
14- النزوي: المصنّف، جزء 2، ص 44.
15- أنظر الجزء الثاني، القسم الثالث، الفصل السابع، الرقم 7).
16- الجاحظ: الحيوان، جزء 7، ص 25-27.
17- أنظر نصّه في الجزء الأوّل، الفصل الأوّل، الرقم 4).
18- النص العربي فيAlbucasis, p. 401
19- النص العربي في Albucasis, p. 9
20- النص العربي في Albucasis, p. 167-169
21- أنظر الجزء الثاني، القسم الأوّل، الفصل الثالث.
22- باشا، ص 64-65. ونفس التتفيه لمخاطر الختان نجده عند القادري، ص 100 وعند البار: الختان، ص 107-109
23- Wiswell: Routine neonatal circumcision; Warner; Strashin: Benefits and risks of circumcision
24- Wiswell.: Routine neonatal circumcision
25- American Academy of Pediatrics, report of the Task force on circumcision, Pediatrics, 1989
26- Wiswell (et al.): Risks from circumcision
27- Romberg: Circumcision, p. 198
28- Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106
29- Denniston; Milos (editors): Sexual mutilations, preface, p. V-VI
30- Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106
31- Bodily integrity for both, p. 42
32- NOCIRC Newsletter, Fall/Winter 1995
33- Denniston; Milos (editors): Sexual mutilations, preface, p. V-VI. See also أنظر أيضاً بخصوص مضاعفات ختان الذكور في هذه القبيلة مقال Crowley; Kesner, p. 318-319;. وأنظر أيضاً مقالات جرائد حول هذه المضاعفات في تلك القبيلة في نهاية كتاب Bodily integrity for both
34- Crowley; Kesner, p. 320
35- ما عدا ما سنذكره ضمن نصّنا، نعتمد هنا على المصادر التالية: Romberg: Circumcision, p. 199-231; Ritter, p. 5-2/5-6; Warren: NORM UK, p. 93; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 73-74; Cold; Taylor: The prepuce, p. 41
36- Romberg: Circumcision, p. 171
37- عمّار، ص 50.
38- Denniston: Circumcision: an iatrogenic epidemic, p. 106
39- Wallerstein: Circumcision: an American health fallacy, p. 158-160; Romberg: Circumcision, p. 225; Zoossmann-Diskin; Blustein: p. 344
40- Glass, p. 20- 21
41- Zoossmann-Diskin; Blustein, p. 344
42- Goodman: Jewish circumcision, p. 23
43- Cold; Taylor: The prepuce, p. 42
44- إبن حزم: المحلّى، جزء 10، ص 458.
45- نقلاً عن الترجمة الإيطاليّة Nefzaoui, p. 302. يلاحظ أن هذا التفصيل غير موجود في الطبعة العربيّة: النفزاوي، ص 110.
46- إبراهيم: الختان، ص 7-8. أنظر أيضاً ص 11.
47- إبراهيم: الختان، ص 17.
48- Sanderson, p. 21
49- Cook, p. 54
50- El-Dareer, p. 28
51- Koso-Thomas: The circumcision, p. 29
52- ما عدا ما سنذكره ضمن نصّنا، نعتمد هنا على المصادر التالية: الممارسات التقليديّة الضارّة: ص 18-21؛ عبد السلام ؛ حلمي: مفاهيم جديدة، ص 74-78؛ رزق، ص 26-31؛ عبد السلام: التشويه الجنسي، ص 14-18؛ مهران، ص 58-64؛ Sanderson, p. 40; Lightfoot-Klein: Prisoners, p. 57-60; Zwang: Functional and erotic consequences, p. 67-68; Female genital mutilation, an overview, p. 25-36; Kalthegener; Ruby: Zara Yacoub, p. 85
53- Lightfoot- Klein: Prisoners, p. 56
54- Thiam, p. 102-103
55- Dirie, p. 76-77
56- Odent, p. 121-124

الاضرار الصحية للختان عند الاناث
الاضرار الجنسية للختان عند الذكور والاناث
النتائج الاجتماعية والنفسية للختان