نظريات فلسفية
 
 


 فرعون الخروج، وخروج القصص القرآنية من التاريخ


ظاهرة مؤسفة تحدث بين ظهرانينا حين يتصدى بعض رجال العلم للحديث في أمور إختصاصهم ( لاسيما الحديث عبر وسائل الإعلام المرئية التي تحظى بالتفاف الكثيرين من العوام حولها فتساهم أكثر من غيرها في تشكيل وعيهم العام وتكسب كلام المتحدث من خلالها لديهم سحرا خاصا)، فيخلط أولئك العلماء بين ما هو ذاتي (معتقداتهم الشخصية وأقصد معتقدهم الديني تحديدا)، وبين ما هو موضوعي (مجال إختصاصهم العلمي)، وإن كان هذا الأمر مفهوم الحدوث عند العوام الذين لايفصلون بين الأمرين (الذاتي والموضوعي) بحكم ضمور الحس العلمي لدى الكثيرين منهم، خصوصا في العالم الاسلامي.

لن يكون ذلك مقبولا ممن يفترض فيهم الفصل بروح العلم الناقدة والمميزة بين الأمرين (الذاتي والموضوعي) عند أرباب العلم، ومن أمثلة ذلك الخلط المشين ما اعتاد بعض المتخصصين في التاريخ القديم عليه من الحديث بدم بارد عن بعض القصص التوراتية/القرآنية (والذي يشكل جزءا رئيسا من معتقدهم الديني) يتحدثون عنه باعتباره حقائق تاريخية موضوعية، وذلك من خلال محاولات تلفيقية (لاأقول توفيقية)، واعية أو غير واعية لإخراس صوت التاريخ الموضوعي لينطق بلسان هذا القصص (مزعوم القداسة) ..

من الأمثلة المؤسفة على ذلك الخلط ما تحدث به أحد هؤلاء المتخصصين مؤخرا عبر شاشات أحد أجهزة التلفزة العربية عن الفرعون مرنبتاح بن رمسيس الثاني باعتباره فرعون الخروج التوراتي / القرآني المزعوم..وهو رأي قديم وذو بريق خاص قال به كثيرون وتفننوا فيه منذ اكتشاف اللوح المسمى بلوح مرنبتاح (عام 1896 م) والذي ورد به ذكر مايسمىب"إسرائيل" لأول مرة في التاريخ ضمن قائمة المهزومين على يد مرنبتاح ..ويأتي حديث عالمنا المتخصص بهذا الرأي الذي عفا عليه الزمن جهلا .. أو تجاهلا لمعطيات علم الآثار الحديثة (لاسيما في العشرين عاما الأخيرة من القرن العشرين)..تحت وطأة الصوت الزاعق للمقدس (الذاتي الجماهيري..ولاعزاء لموضوعية العلم!!!)

المعطيات الأثرية الحديثة تجعل قصة الخروج العبراني من مصر ضمن القصص اللا تاريخية، وبالتالي خرافية، إذ لايقدم علم الآثار سندا كافيا لصحة الخروج أو لحدوثه أصلا، و يدخل في هذا الإطار أيضا القصص المتعلقة بالآباء التوراتيين كآدم و إبراهيم ويوسف وموسى، و كذلك القصص التوراتية المتعلقة بدخول ما يسمى بالإسرائليين إلى أرض كنعان بقيادة يشوع بن نون، بل إن القرائن الأثرية بفلسطين تنفي أصلا إمكانية أي وجود لما يسمى بدولة "كل إسرائيل" المنسوبة إلى داوود و سليمان ، حيث لادلائل تاريخية على وجود مثل هاتين الدولتين

المقدس الديني عن عظمة سليمان وملك سليمان!!) فمملكتا إسرائيل و يهوذا هما مملكتان كنعانيتان نشأتا منفصلتين الأولى نشأت في القرن التاسع ق.م والثانية في القرن الثامن ق.م..ولا علاقة لهما بداوود أو سليمان المزعومين؟! ..ولا تتقاطع أحداث العهد القديم بشكل ملموس مع التاريخ المستند لعلم الآثار إلا بداية من أحداث القرن التاسع ق.م حيث المد الإستعماري الآشوري في سورية وفلسطين.. ..أما إسرائيل الواردة بآخر سطر من لوح مرنبتاح حوالي أواخر ق 13 ق.م فلا صلة لها بأحداث العهد القديم بل و ردت كإشارة لقوم محليين كنعانيين عاشوا خارج مصر آنذاك جنوب فلسطين شملتهم حملة مرنبتاح في العام الخامس من
حكمه ...كما أن البحث الأثري و التاريخي على أرض الواقع قد فشل في تحديد مسار الخروج اعتمادا على الرواية التوراتية فبعض هذه المواقع التوراتية للخروج لم يعثر عليها خارج التوراة كما أن المواقع التي تحمل اسماءا مشابهة في سيناء لم يعطي المسح الأثري أية نتائج تسمح بمطابقتها بالمواقع التوراتية لقصة الخروج المزعومة ..أما بخصوص المحاولات المتعسفة للبحث عن فرعون بطل لقصة الخروج المزعومة فلقد تفرعت وتشعبت على غير أساس أثري متين فشملت فراعنة كثيرين منهم حتشبسوت نفسها لكن بقى رمسيس الثاني وولده مرنبتاح الأكثر جاذبية من بين هؤلاء الفراعنة لإلصاق هذه البطولة الوهمية لهما !! وذلك بالإستناد إلى ما ورد بالتوراة عن تسخير العبرانيين في بناء مدينتي فيثوم و رعمسيس لأجل فرعون(؟) ومقارنة ذلك بما ينسب تاريخيا لرمسيس الثاني من تشييد عاصمته في شرق الدلتا و بالإستناد كذلك لكلمة إسرائيل الواردة على لوح مرنبتاح والتي بينت أمرها قبل قليل ..والواقع إن الكاتب التوراتي قد استخدم إسم أرض رعمسيس للإشارة للدلتا قبل أحداث الخروج المزعومة منذ أيام يوسف المزعوم في سفر التكوين أي قبل بناء بر رعمسيس بحوالي خمسمئة سنة (إذا سايرنا التوراة) و ذلك يعني أن هذا الكاتب لسفر الخروج قد كتبه في
وقت متأخر من الألف الأول ق.م حين كان إسم بررعمسيس شائعا عن الدلتا في وقت معاصر لكتابة هذا السفر بصرف النظر عن ارتباط بررعمسيس بفترة تاريخية معينة..و من أقوى الأمثلة المشابهة لذلك بنفس السفر و التي يتجلى فيها الخلط التاريخي للكاتب التوراتي حين أورد بسفر الخروج قيام ملك مؤآب بدعوة عراف يدعى "بلعام بن بعور " ليلعن له إسرائيل وقد ورد إسم بلعام هذا بنصوص دير المعلا /شرق الأردن والتي ترجع إلى حوالي عام 750ق.م( في وقت قريب جدا من كتابة التوراة حيث كانت ذكرى بلعام التاريخي العراف ما تزال شائعة) ليصبح
بلعام التاريخي أحدث من بلعام التوراتي بسفر الخروج بحوالي خمسمئة سنة حيث يفترض وقوع الخروج حوالي 1200ق.م على أحدث تقدير!!!!! ..أي أن محرر التوراة استخدم شخصية تاريخية شائعة لديه في زمنه(أواخر الألف الأول ق.م) وقت كتابته لقصة الخروج ليضعها في زمن أقدم بخمسمئة سنة!!!…أما المثال الثاني لخلط مماثل ما قام به الكاتب
التوراتي حين جعل من حيرام ملك صور معاصرا وصديقا للملك سليمان المزعوم (حوالي القرن العاشر ق.م إذا سايرنا التوراة) بينما حيرام ملك صور التاريخي ورد ذكره التاريخي بعد ذلك بحوالي مئتين سنة ضمن قائمة الملوك الذين دفعوا الجزية للملك الأشوري تجلات بلاسر(745-727ق.م)!!!!أي في وقت قريب من تدوين أسفار التوراة كسابقه بلعام بن بعور.. فوضعه الكاتب التوراتي وبنفس الطريقة بطلا لقصته السليمانية قبل زمنه بمئتين سنة!!..وبناءا على ماتقدم وهو قليل من كثير فللعهد القديم تاريخه الخاص المختلف كثيرا عن التاريخ المتعارف عليه بالإستناد لعلم الآثار فلا يصح وفقا لهذا ان نقارن بين إسرائيل مرنبتاح وبين بني إسرائيل التوراتيين أو بين بررعمسيس التاريخية وبررعمسيس التوراتية أو بين إسرائيل ويهوذا الكنعانيتين و إسرائيل ويهوذا التوراتيتين أو بين أشباح و وقائع ..أما بخصوص ما ذكره الأستاذ الدكتور(المتخصص في علمه) عن قرائن تشير لغرق مرنبتاح فلقد قال بذلك بعض الباحثين إستنادا لإختلافات كثيرة تميز مومياء مرنبتاح مثلا كرسم حواجبها باللون الأسود بدلا من كونها طبيعية وعدم وجود رموش ومظهر الأذنين غير الطبيعي ووجود تجاعيد بالوجه شبيهة توحي بعملية تجميل فضلا عن بعض الكسور بالكتفين والرقبة عزاها القائلون بغرق مرنبتاح إلى إرتطامه بعربته الحربية أثناء غرقه المزعوم كما تتميز المومياء بكثرة الأملاح المترسبة بها والتي عزاها هذا الفريق تعسفا للغرق غير أن أبحاث الفريق الأمريكي
الذي قام سابقا بدراسة وتصوير بعض المومياوات بالمتحف المصري(حيث ترقد مومياتي رمسيس الثاني وولده مرنبتاح حاليا) تشير إلى ما أسفرت عنه نتائج تصوير مومياتي رمسيس الثاني ومرنبتاح بالأشعة السينية والتي تنفي موتهما غرقا بل نتيجة لأسباب طبعية تعزى إلى الشيخوخة و تأخر السن..ولقد آن الأوان لأن يوضع هذا القصص المقدس في إطاره الصحيح بعد أن مارس إبتزازا طويل الأمد للتاريخ القديم في مصر وفلسطين على وجه الخصوص لينطق بما ليس فيه ذلك الإتجاه الذي تمثلت بداياته في عدم الترحاب بالصمت باكتشافات شمبليون الذي أبداه بعض المسيحيين نظرا لأن ابحاث شمبليون لم تقدم دليلا على إقامة الإسرائيليين بمصر أو الخروج منها !!! كما تمثلت هذه البدايات في فشل دروفتي (القنصل الفرنسي في مصر في أوائل القرن التاسع عشر) في البداية في تصريف مجموعته الأثرية لأن الكهنة الفرنسيين عارضوا شراء آثار قد تهدم مرجعية الكتاب المقدس !!وصولا إلى بداية التنقيب الأثري بفلسطين عام 1865 مع "صندوق التنقيب في فلسطين " تلك الهيئة البريطانية التي تشكلت برعاية الملكة فيكتوريا وبرئاسة أعلى مرجع ديني في المملكة : اسقف كانتربري والذي تركزت أهدافه في التحري الدقيق وراء معلومات أثرية متزامنة مع الكتاب المقدس وظل التاريخ المصري الفلسطيني القديم خاضعا لسطوة الكتاب المقدس حتى أواسط ستينيات القرن العشرين حين قامت البريطانية كاثلين كينيون بأبحاثها الأثرية في فلسطين وبعدها جامعات الكيان الصهيوني وعلى رأسها جامعة تل أبيب بعد 1967بعمل أبحاث شاملة مسحت كل متر في المناطق الهضبية بفلسطين مستعينة بعلماء من شتى الإختصاصات في علم الآثار إلى أن كانت النتيجة الثورية المذهلة في العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين حين أسقطت تلك الأبحاث الصورة الخيالية للتاريخ التوراتي بقيام التيار المتحرر من سطوة الفكر التوراتي على التاريخ القديم (والذي طالما أخضع هذا التاريخ لأولوياته طويلا) ومن أشهر أعلام هذا التيار المتحرر توماس طومسون الذي فقد وظيفته كأستاذ جامعي عام 1993 في إحدى الجامعات الأمريكية بسبب آرائه الثورية تلك وصاحب كتاب( التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي) و كيث وايتلام صاحب كتاب (إختلاق إسرائيل القديمة ..إسكات التاريخ الفلسطيني)والكتابان مترجمان للعربية وغيرهم كثيرون ولتصبح بعد ذلك أسفار التوراة التاريخية على محك علم الآثار أسفارا لاتاريخية ألفت في أواخر العصر الفارسي /أوائل العصر الهلينستي كأخيولة أدبية إستعانت بتأميم بعض من الأساطير والملاحم البطولية والأحداث السياسية بالمنطقة وقامت بتوليفها في شكل خاص لتعكس المزاج النفسي والإجتماعي لمؤلفيها لتبرير الشرعية السياسية لكيانهم بفلسطين(مقاطعة اليهودية) في مرحلة ما بعد السبي تحت الحكم الفارسي بحيث توحي بوجود كيان متماسك موهوم لهذه الجماعة المسماة ببني إسرائيل منذ فجر التاريخ ..وها هو ذا عالم الآثار الصهيوني زئيف هرتسوج المدرس بقسم آثار و حضارة الشرق القديم في جامعة تل أبيب والذي شارك في عدة حفائر أثرية بمدن فلسطين المحتلة وله عدة كتب في هذا المجال يعلن في صحيفة ها آرتس الصهيونية بتاريخ 29/10/1999قائلا:" من المعتقد أن سكان العالم كله وليس مواطنو إسرائيل وأبناء الشعب اليهودي وحدهم سيذهلون لسماع الحقائق التي باتت معروفة لعلماء الآثار الذين يتولون الحفريات في أرض إسرائيل منذ فترة من الزمن .ففي العشرين سنة الأخيرة حدث إنقلاب حقيقي في نظرة علماء الآثار الإسرائيليين إلى التوراة باعتبارها مصدرا تاريخيا .إن اغلبية المشتغلين في النقاشات العلمية في مجال توراة وآثار وتاريخ شعب إسرائيل الذين كانوا حتى الان يبحثون عن البراهين و الدلائل للحكايات الواردة في العهد القديم , يتفقون الآن على أن مراحل تكون شعب إسرائيل كانت مغايرة تماما لما جاء وصفه في التوراة .إن من الصعوبة بمكان قبول ذلك , ولكن من الواضح للعلماء و الباحثين اليوم أن شعب إسرائيل لم يقم في مصر ولم يتيه في الصحراء ولم يحتل البلاد (يقصد أرض فلسطين الكنعانية) من خلال حملة عسكرية ولم يستوطنها من خلال أسباطه الإثنا عشر …"وبخصوص تاريخية واقعة الخروج نراه يضيف قائلا:"لا تتطرق الوثائق المصرية المعروفة لنا بالمرة إلى مكوث شعب إسرائيل في مصر أو لخروجهم منها وقد تطرقوا في وثائق ومستندات كثيرة إلى عادات و تقاليد الرعاة الرحل (الذين يسمون شاسو )في الدخول إلى مصر إبان القحط و الجوع والإستيطان في أطراف الدلتا ولكن ذلك لم يكن بالحدث الوحيد فمثل هذه الأحداث ظهرت في أحيان متقاربة خلال آلاف السنين ولم تكن ظاهرة شاذة…. هذه الأحداث المركزية في التاريخ الإسرائيلي لاتحظى بالدعم و التأكيد من الوثائق الخارجية للتوراة أو من خلال مكتشفات أثرية وتجمع غالبية المؤرخين اليوم على أن المكوث في مصر والخروج منها كانا في أقصى الأحوال مجرد تصرفات لبعض العائلات وتم توسيع حكاية هذه العائلات وتاميمها من أجل خدمة العقيدة اللاهوتية لتشمل الشعب كله" …ويتقارب ما ذكره العالم الصهيوني بخصوص الخروج العبراني المزعوم من مصر مع ما ذهبت إليه قبل ذلك البريطانية كاثلين كينيون (إحدى أهم المنقبين الأثريين بفلسطين المحتلة في النصف الثاني من القرن العشرين ) حيث تقول :" تكمن صعوبة التقييم التاريخي لمسألة الخروج في ان الأسفار الأولى للكتاب المقدس قد جاءت لتجميع عدد كبير من التقاليد القبلية , حاول المحررون تذويبها في نص مضطرد عن تحركات جماعات اعتقدوا أنها تشكل شعبا واحدا منذ البداية , ولقد كان من نتائج إعادة الصياغة هذه , أن المحررين قد أظهروا أن كل تلك القبائل قد شارك في الخروج ومر من خلال التجربة الدينية ذاتها في سيناء و ولكن الإحتمال الأقوى هو أن القبائل التي إستقرت في فلسطين كانت من أصول مختلفة ومتنوعة.." وفي نفس الشهر الذي نشر فيه "زئيف هرتزوج" مقالته المهمة المشار إليها في أكتوبر 1999 انعقدت
بمدينة شيكاغو الأمريكية إحدى الندوات الدولية التي تبحث في أصول الشعب اليهودي في ظل المكتشفات الأثرية الحديثة في العشرين عاما الماضية ضمن ندوات كثيرة تناقش الشأن نفسه ومما يسترعي الإنتباه في تلك الندوة هو ضيق الهوة إلى حد كبير بين الباحثين التوراتيين التقليديين(الذين يؤمنون بصحة التوراة تاريخيا) وبين الباحثين النقديين (من يرفضون تاريخية الأحداث التوراتية) فجميع الأبحاث المقدمة في الندوة عن عصر الاباء التوراتيين المتضمن لإبراهيم وسلالته في سفر التكوين لم تتصدى للدفاع عن تاريخية هذا القصص كما أهمل
الجميع تماما تقديم اية بيانات تاريخية أو أثرية على وجود العبرانيين في مصر ولم يجادل أحدهم في تاريخية أحداث الخروج أو يقدم أية شواهد على صحة هذه المسألة!!! وفي نهاية ملف الندوة يعلق باحث بريطاني يدعى "فيليب ديفز" على وقائع الندوة قائلا:"إن ما يقوله علم الآثار بخصوص الجماعات التي شكلت إسرائيل التاريخية هو إنها جماعات فلسطينية محلية , وأن ثقافتها التي تعكسها مخلفاتها المادية هي ثقافة فلسطينية لا يمكن تمييزها عن ثقافة بقية المناطق الفلسطينية … وإنه لمن المؤكد أن هؤلاء الناس لم ينحدروا من سلف واحد جاء من بلاد الرافدين (يقصد إبرام/إبراهيم) ولم يخرجوا من مصر ولم يدخلوا كنعان حاملين معهم ديانة نزل وحيها خلال تجوالهم في الصحراء …."ومن المهم أن أقول أن بشائر التنبه لمجافاة القصص المقدس لبني إسرائيل لمقولات علم الآثار والتاريخ ربما تعود إلى زمن بعيد أبعد من العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين فها هو ذا أحد علماء الكتاب المقدس البارزين في القرن السابع عشر ونائب مدير جامعة كمبريدج الدكتور "جون لايتفوت" يصل بالإعتماد على معطيات الكتاب المقدس إلى قناعة لاعلمية مؤسفة حين يزعم آنذاك أن خلق الإنسان قد تم في الثالث و العشرين من أكتوبر عام 4004ق.م في الساعة التاسعة صباحا!!!! وهو تقدير يبدو متسقا إلى حد بعيد مع حسابات اولئك الذين يعتقدون في تاريخية هذا القصص المقدس من المعاصرين في بداية القرن الحادي والعشرين!!!!! (وبعضهم من المشتغلين بالآثار!!!) فترى الغالبية منهم يقولون
بالخروج العبراني من مصر حوالي 1200ق.م(زمن مرنبتاح أو رمسيس الثاني) ودخول يوسف وأخوته لمصر أيام الهكسوس (حوالي 1700ق.م) وقدوم إبراهيم إلى مصر قبل ذلك في عصر الدولة الوسطى حوالي( 1900ق.م )فإذا علمنا أنه ووفقا لسفر التكوين لايفصل ميلاد إبراهيم (أحد آباء البشر الأوائل!!! ) عن ميلاد آدم أبو البشر سوى 1946 سنة تقريبا فيكون آدم قد ولد حوالي عام 3846ق.م!!! وهو تقدير يقترب كثيرا من تقدير جون لايتفوت في القرن السابع عشر!!!!!!
حيث قام هذا الأخير بتدوين تاريخ الميلاد المقدس هذا(23/10/4004 ق.م) على هوامش نسخ معتمدة من الكتاب المقدس آنذاك منذ عام1701م حيث أضفيت عليها عصمة النص ذاته!!! ومن المفارقة أن نعرف أن أقدم وجود معروف علميا للإنسان العاقل(جد الإنسان الحالي) يعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى والذي يبدأ فيما بين عامي 15000 و11000ق.م!! بينما سيكون أبو البشر المقدس القادم إلى العالم في عام 4004ق.م أو (حتى في عام 3846ق.م) معاصرا لحضارات العصر الحجري الحديث في مصر كمرمدة بني سلامة في الدلتا والبداري في الصعيد أي بعد مدة تتراوح بين 11000& 7000سنة من وجوده التاريخي!!!وبناءا على ذلك فإنه ووفقا لتلك الحسابات المقدسة لم يكن ممكنا لمصر أن تكون صاحبة حضارة قديمة في عهد الكتاب المقدس لأن العالم لم يوجد فترة تكفي لذلك !!! وهو ما لاحظه بفراسة محمودة بحار ورجل دولة إنجليزي يدعى السيروالتررالي(1552-1618م) في كتابه (تاريخ العالم)"1603-1616م" أنه في عصر إبراهيم :"كانت في مصر كثير من المدن الفخمة …ليست مبنية من الطوب وإنما من الأحجار المقطوعة …وتستدعي فخامتها آباء أقدم مما يفترض الآخرون" ..كما يلاحظ فولتير نفس ما لاحظه والتر رالي حين يقف عند قصة الهدايا التي تلقاها إبراهيم في مصر من الأغنام والثيران والخدم والحمير…الخ بالكتاب المقدس مؤكدا بأن هذا يبين أن مصر في ذلك الحين كانت غنية جدا وقوية ومن ثم كانت حضارة شديدة القدم … وهذه الإشكاليات المتعلقة بتاريخية القصص المقدس لبني إسرائيل عموما تطل برأسها كما هي مع بعض الإختلافات البسيطة حين يستلهم محمد أبطال القصص التوراتي في قرآنه(الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..وهوما يتبارى الإعجازيون القرآنيون في التغني به!!!) ليحدثنا القرآن مثلا عن وزير معاصر لفرعون الخروج المزعوم يدعى "هامان"؟؟!!.و.لترد علينا آثار مصر القديمة بأنه لا يوجد وزير أو حتى أي شخص عرف بهذا الإسم في التاريخ المصري القديم حتى الآن ..ناهيك عن أن التوراة التي يظهر فيها هامان هذا كوزير لا علاقة له بفرعون الخروج(1200ق.م كما يفترض البعض) بل نراه في التوراة بعد ذلك بما يزيد عن سبعة قرون كوزير في البلاط الفارسي(حوالي القرن الخامس ق.م) لملك فارسي تدعوه التوراة بأخشويرش وكان كلاهما(هامان التوراتي و هامان القرآني) وزيراو عدوا للإسرائيليين..إلا ان هامان الفارسي /التوراتي إرتبط عند اليهود بعيد البوريم الشهير أو عيد إستير والذي يحتفلون به في مارس من كل عام حتى اليوم حين تمكنت إستير الإسرائيلية من الزواج بأخشويرش ودبرت مع عمها مردخاي مكيدة قضت بها على الوزير الظالم لقومها هامان وولغت إستير في دم هامان وفريقه بإذن من أخشويرش!!!..ليصبح بهذا هامان القرآني واقعا في مشكلة مركبة باعتباره معضلة تاريخية وخلطا توراتيا في آن واحد!!! … وتستمر اشكالات الشخصيات اللاتاريخية و كذلك
خلط القصص التوراتي المرتبط بحدث الخروج في الحضور حين يجري
الحديث القرآني عما يدعى بالسامري كشخص معاصر لموسى يصنع لبني إسرائيل عجلا من ذهب كإله بعد النجاة من بطش فرعون ..بدلا من هارون الذي قام بهذا الدور في التوراة أيام موسى فضلا عن كون "السامرة" (والتي ينتسب إليها السامري) عاصمة مملكة إسرائيل الشمالية(والتي ظهرت في القرن التاسع ق.م) لم تكن قد ظهرت إلى الوجود في زمن موسى(أواخر القرن الثالث عشر ق.م) لكن التوراة في سفر الملوك الأول تحدثنا عن أن أول ملوك السامرة المدعو يربعام بن ناباط(وعلى هذا فهو سامري) والذي يفصله عن موسى ما يقرب من أربعمئة عام وقد صنع للإسرائيليين عجلا من ذهب وقال لهم"هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر "..فمن يكون إذا ذلك السامري القرآني المعاصر لموسى وصانع العجل الذهبي بمعياري التاريخ والتوراة؟؟؟..وحين نصل إلى قارون القرآني الذي كان من قوم موسى ذلك الرجل شديد الثراء الذي ابتلعته الأرض لجحوده بنعمة ربه (والذي لا يعرف التاريخ المصري القديم عنه او عن ثرائه شيئا ..رغم ذيوع صيته كثري نادر المثال بين أهل زمانه!!!!) فإننا نجد التوراة كذلك لاتعرف ذلك القارون الثري بل تعرف رجلا يدعى "قورح بن يصهار "(؟) ابتلعته الأرض هو وزمرته لسبب آخر مختلف تماما وهو قيامه بتدبير تمرد على موسى بعد النجاة من فرعون!!!!..أما فرعون القرآني حين يزعم للناس بأنه لايعلم لهم إلها غيره فهو يضع أي باحث تاريخي مدقق في مأزق لايحسد عليه حين يبحث في التاريخ المصري القديم طولا وعرضا عن ذلك الفرعون الذي لايعرف إلها غير ذاته على الإطلاق ..وبالطبع فهو ليس مرنبتاح( والذي يعني اسمه :حبيب الإله بتاح!!!) ومأزق البحث عن هذا الفرعون الذي لايعلم للناس إلها غيره شبيه تماما بمأزق البحث عن سليمان القرآني صاحب الجيوش الجرارة من الجان التي تأتي له بالأشياء من أقاصي الأرض في طرفة عين وبالطيور التي تنقل له أخبار الأمم المجاورة كما تفعل الأقمار الصناعية(لاسيما الأمريكية والإسرائيلية منها) في زماننا ..ومع ذلك فلقد فوجيء رغم إمكاناته الهائلة تلك بأنه لايعلم(كسابقه الفرعون الذي لايعلم..) بأن الشمس تعبد ويسجد لها من دون الله إلا حينما أخبره الهدهد بعد أن ذهب إلى آخر بلاد الدنيا..على الرغم من أن عبادة الشمس كانت متفشية في بلدان العالم القديم ومنها مصر صاحبة العلاقات السياسية والثقافية بفلسطين وسورية بل وربما جزر البحر المتوسط التي تبعد مئات الأميال عن فلسطين لزمن امتد لألاف السنين قبل وخلال زمن سليمان المفترض و هي أقرب جيران سليمان إليه والتي عبدت الشمس تحت إسم الإله رع على مدار تاريخها كإله رئيس لم تهتز مكانته ..دخل في تركيب أسماء 99.9% من فراعنتها وعليه فإن العلم بأمر هذه العبادة في ظني آنذاك كان من أساسيات ما يعلمه الأطفال بمجرد قدرتهم على الحبو!!
..فضلا عن ذلك اللغز الأكبر المتمثل في إختفاء واقعة غرق فرعون يفترض أنه ينتمي للأسرة 18 أو 19 (مرنبتاح مثلا) أي أنه وبمقاييس زمانه ملك من اعظم ملوك الأرض قاطبة إختفاء هذه الواقعة بحرفيتها الواردة في المقدس من ذاكرة المصريين ووثائق الشعوب المجاورة قاطبة!!!؟..ناهيك عن أن المصريين القدماء(الذين تميزوا بين الأمم القديمة بالذخيرة الوافرة من رسوم وكتابات ملئوا بها جدران المقابر والمعابد عن تفاصيل حياتهم اليومية) قد
سقط سهوا من ذاكرتهم فساد شريان حياتهم وسر من أسرار حضارتهم بقلبه دما!!!..وخلاصة القول عندي لمن يتعاملون مع القصص الديني خارج إطار الإيمان الغيبي به في قلوبهم باعتباره تاريخا واقعا فيبتزون التاريخ كعلم لينطق بما ليس فيه لاسيما وإن كان هؤلاء من أهل الإختصاص في التاريخ و الآثار فإنهم بذلك يرتكبون خطأ منهجيا خطيرا بإلباس العلم ما ليس منه فيسيئون بذلك لعلمهم ودينهم معا ويمارسون ولو عن غير قصد تضليلا خبيثا للعوام..كما أن الأمر يدعو للأسف بشدة في حال ما إذا كان علمائنا المتخصصين في الآثار على غير علم بما يستجد من أمور علومهم كتلك الثورة المعرفية الهائلة التي شهدها علم الآثار فيما يتعلق بموقفه من تاريخية القصص التوراتي في العشرين عاما الماضية..و يدعو للرثاء والحسرة إن كانوا يعلمون و تنقصهم الشجاعة الكافية في أن يجهروا بما يبدو الآن أنه الأقرب للصواب حتى ولو كان قاسيا وحساسا فيقولون ما ليس بحق بدلا من الصمت كحل وسط هو أشرف من قول ما لا نؤمن بصحته..ومن ناحية أخرى فمن أراد ان يتحدث مثلا عن اللاتاريخية فيما يخص مثلا ما ادعاه بعض اليهود بأنهم قد بنوا الأهرام المصرية( كما قال بذلك الإرهابي الدموي رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق :مناحم بيجن حين زار مصر في عهد السادات وقالها في حضور السادات نفسه والذي لاذ بالصمت وقتها؟!) فليمد الخط على استقامته وليناقش الأمر بشكل كامل فلا يكتفي ببعضه دون بعض..
وفي الختام أرجو ألا أكون قد أخطأت وإن كان مني خطأ فعذرا و لتشفع لي نيتي الصادقة في قول ما أظنه حقا ..مع خالص تقديري وإحترامي لعلم الاثار الذي أتعلم منه الكثير .. وكل التقدير و الإمتنان والإحترام للعلماء المخلصين الكبارالذين أتعلم منهم الكثير وأدين لهم بالكثير وهو ما لا ينتقص من حقي المطلق في الإختلاف معهم مهما صغر أمري وعلا قدرهم ما دمت أتحرى الدقة فيما أقول به ويبدو لي صوابا قدر طاقتي فلا حياء في العلم
..وإن كنت قد أخطات من وجهة نظر البعض منهم فإنني على اتم الإستعداد بالإقتناع بالصواب منهم طالما استند على برهان متين وحجة دامغة..

مع تحياتي