الإعجاز العلمي
 
 


 نقد إعجاز الجنين


وكسونا العظام لحماً

مدخل:
في تعبير بقسم " المضغة" السابق، قلت و بشكل عفوي "جنين من عظم و لحم"، هل فهم أحدكم أن المقصود من هذه العبارة أن العظام تظهر قبل اللحم؟
ما يقوله القرآن "و كسونا العظام لحما" يدفعنا للظن بأنه يريد أخبارنا بأن العظام تنشأ قبل اللحم، و لكن من منكم يثق بهذا التفسير، الكثيرين لأن العبارة واضحة.
لا أريد أن أقول أن عناك خطأ علمي بالقرآن من خلال إثبات أن اللحم يظهر قبل العظم، أولا لأن القرآن ليست مهمته أخبارنا بالحقائق العلمية، كما انه لم ينزل ليخبر الدارسيين لعلم الجنين عن ماالذي ظهر قبل الآخر. إن مهمة القرآن الوحيدة هو توصيل رسالته بتعابير ومفاهيم مفهومة للانسان المُخاطب وليس المتخصص. ما يدفع للتساؤل، من الناحية المهنية هو لماذا قال القرآن أن الجنين يتحول من علقة، الى مضغة أي لحم؟ اي بمعنى أخر لماذا يجب أن ينقلب اللحم الممضوغ الى عظم ثم يجب ان يكسى هذا العظم باللحم؟
اسباب الحيرة ان الامر برمته لايجري في الواقع على هذا الشكل، على الاطلاق.

ترى النساء منذ العصر الحجري أن الجنين الساقط في فترات مبكرة من الحمل له شكل خثرات دموية ،، و بالمراحل التالية يصبح بشكل لحم ممضوغ، دون ان يعلموا ان مايروه هو بالواقع المشيم، و لكن عندما يسقط الجنين في مراحله الاخيرة فهو دائما من عظم و لحم دون أن ندري ايهما ظهر قبل الآخر. من المستحيل ان رآى احد من البشرية، جنين يسقط أو حتى جنين ببطن أمه وهو من عظام لم تكسى باللحم.

هنا تبرّى الأعجازيين و قالوا أن العظام تظهر قبل العضلات... " سيأتيكم الإثبات عن خطأ هذه المقولة فيما بعد" وهم يقومون بذلك فقط تحت ضغط المعنى اللغوي الظاهر لعبارة " و كسونا العظام لحما" لعجزهم عن التفكير بالغاية الربانية من هذه العبارة  إضطرار الإعجازيين للإصرار على أن العظام ظهرت قبل اللحم لا يملكون عليه اي دليل حسي يظهرونه لعامة البشر من اجل ابهارهم، و لذا غالبا ما نرى ان المواقع الأعجازية تمر على هذه النقطة مرور الكرام، وكأنها لم تكن، بالرغم انها في جوهرها تشير بوضوح الى ان القرآن لم ينزل ليقدم لنا إعجازات علمية، وان حشر الاعجاز العلمي في القرآن يضر بالدرجة الاولى القرآن نفسه.

نرى هذا الامر بوضوح في الموضوع الذي يقدمه موقع الخيمة مثلا، فبعد أن قام كاتب المقالة بتحديد متى تبدأ وتنتهي مرحلة العلقة باليوم و بالتفصيل المريح وقام بنفس التفصيل بتحديد مرحلة المضغة نجده يضطر الى الاختصار في العظام، ليقول" تأتي مرحلة العظام فهي تبدأ بعد مرحلة المضغة ... و بالكاد تظهر العظام فهي تكسى بالعضلات ......" هكذا دون تحديد لأي تاريخ .... هذا وحده يكفي ليظهر أنه لا يوجد بالأمر اي إعجاز. التفسير المنطقي أن أحداَ من دارسي الجنين لم يستطيع أن يجد الجنين بمرحلة العظام قبل أن يكسيها اللحم، ببساطة لان هذه المرحلة لاتوجد اصلا.

ظهر الجنين ودبت فيه الحياة منذ أن تمت عملية الالقاح الخلوي ليبدأ الانقسام الخلوي بالتزايد من خلية لخليتين .ثم لأربعة لثمانية و هكذا دواليك. حتى الان فأن الله سبحانه وحده من يدري أية كتلة خلوية ستعطي المشيمة وأيها العظام و أيها ستعطي العضلات و أيها الدم وايها ستقدم سوائل الجنين وأيها المخ و باقي الأحشاء. تنشئ جميع أعضاء الجنين بشكل متزامن و متوازن، بحيث من الصعب القول متى نشأت خلايا اللحم ومتى نشأت خلايا العظام، ويبدأ قلب الجنين بالنبض و عمره بين الأسبوع الرابع الى الخامس و طوله حوالي 5 ملم ، يمكن للأجهزة الحديثة أن تسجل هذا النبض قبل أن ينمو بالجنين أي نسيج قاسي. هذا لا يعني ان الخلايا الجذعية الام التي ستعطي العظام ليست موجودة. منذ البدء تنشأ في الخلية مجموعات من الخلايا بعضها سيعطي العضلات و بعضها سيتحول الى نسيج غضروفي رخو يحدث به فيما بعد ظاهرة " التعظّم " بشكل بؤر متفرقة تتصل ببعضها و تعطي العظام .

من يظهر قبل الآخر، العظم أما اللحم؟ هل للعظام الأسبقية بالظهور على اللحم؟ ما هي حقيقة الأمر؟ بعد هذه المقدمّة سنحاول تفنيد الآمر فقرة فقرة بإذن الله، و لنبدأ بتحديد المعنى اللغوي للعظام و المعنى اللغوي للحم..



العظام و اللحم


من يظهر قبل الآخر، العظم أما اللحم؟

يقول الله تعالى: " و كسونا العظام لحما", تتميز هذه الآية بإعطاء الإنطباع أن للعظام الأسبقية بالظهورعلى اللحم... و قيل عن هذه الآية :هذه الايه اما ابيض او اسود...ربماهي الاية الوحيدة في القران التي ليس فيها تأويل ولا تحليل ولا معاني خفية ولا دلالات مبطنة ولا أمور غيبية غير معروفة...العظام قبل اللحم ،فهل حقا كان هذا ماعاناه الله؟ بالتأكيد سيصعب علينا ان نحصل على جواب مباشر، واما مايخص العلم فأن جوابه حتى الان قاطع: لا؟.

إذن ماهي حقيقة الامر؟ لو بحثنا بالقواميس عن المعنى اللغوي للعظام و العضلات نجد:
عظام :قَصَبُ الحَيَوانِ الذي عليه اللَّحْمُ
كسى:كَرَضِيَ‏:‏ لَبِسَها، كاكْتَسَى‏.‏ وكساهُ‏:‏ ألْبَسَه‏
لحم:.. اللَّحْمَةُ‏:‏ القِطْعَةُ منه، ولَحْمُ كُلِّ شيءٍ‏:‏ لُبُّهُ

و الآن ماذا يوافق العظم و اللحم ككلمات قرآنيّة مع العناصر التشريحّية؟ هذا السؤال جرّ عليه نقاشات طويلة... بالواقع لا أعتقد ان المقصود بالعظام واللحم بالكتاب المنزّل له علاقة بالشأن العلمي، فجملة لوحدها لا تشرح علم الجنين و لا تفسر كيف يتطور هذا الكائن الفريد. ومهما تعمقنا في التفكير لربط تعبيرات القرآن عن العظام، لن نصل الى مقصود واقعي: هل المقصود هو الغضاريف، هل هو العظام الكاملة ، هل هو الخلايا الأولية التي ستعطي العظام وتفصله عن اللحم . ثم ماذا عن اللحم؟ هل هو كل شيئ رخو بمافيه الكتلة الرخوة التي سينشأ عنها العظام؟ هل هو العضلات، أي عضلات؟

و بالمعنى العامي ما هي العظام و ما هي العضلات؟ إذا ذهبنا الى الجزّار و طلبنا منه عظمة لأعطانا شيء قاسي سماه عظمة، وجميعا متفقين على سماتها وخصائصها. و لو طلبنا منه لحمة لأعطانا شيئ رخو هو العضلات ، فهل للأية الكريمة معنى يختلف عن المعنى الدارج للعظام و للحم ؟ إن كان العظم و اللحم بالآية هو نفسه العظم و اللحم الذي يتعرف عليه اللحام فيستحيل تطابق الآية مع الواقع العلمي، لأستحالة أيجاد مرحلة من مراحل الجنين يمكن أن نراه بها عظما لم يكسى بعد.

منذ قديم الزمان لا بد أنه وجدت قابلة تفحصت ما يخرج من أحشاء المرأة بعد أن يحصل عندها أجهاض عفوي . وحتى و لو قبلنا جدلا أن العظام الجنينية هي بالواقع الغضاريف، علما أن العظم هو شيئ قاسي و الغضروف رخو، فلا توجد مرحلة يمر بها الجنين و هو مؤلف فقط من الغضاريف التي لم تكسى باللحم بعد. لذلك لا بد لمروجي النظرية الإعجازية من طريقة يأولون به العظام بشيء آخر ، خصوصا وانهم عباقرة التآويل، للخروج من المعضلة بطريقة لها القدرة بالمحافظة على المشجعين والزبائن.

لننظر بماذا يفسر الأعجازيين العظام و بماذا يفسرون اللحم حتى يصلون الى تتطابق النص القرآني مع الواقع الجنيني القائم على المعرفة الحديثة. الأعجازيين يدعون أن قصد الله من تعبير العظام هي الخلايا التي ستتطور لعظام، غير ان هذا ايضا لايتطابق، إذ و حتى لو رجعنا الى مرحلة الخلايا الاولية فحتى الخلايا الغضروفية لا تنشأ قبل الخلايا العضلية، قد نكتفي بهذا الامر و نقول أن الأية لا تتوافق مع العلم، وبالتالي لم يكن " قصد الله" علمياً و لكن هل سيقتنع الأعجازيين الذين صادروا حكمة معرفة "قصد الله"؟
هنا نقدم مقتبسات من نصوص الاعجازيين، أنظروا ماذا يقولون. و تصل قمة التمادي بتفسير المعني القرآني للعظام بإطلاقه على الشكل.

تأملات من القرآن والسنة:
إن مصطلح العظام الذي أطلقه القرآن الكريم على هذا الطور هو المصطلح الذي يعبر عن هذه المرحلة من حياة الجنين تعبيرًا دقيقًا يشمل المظهر الخارجي، وهو أهم تغيير في البناء الداخلي وما يصاحبه من علاقات جديدة بين أجزاء الجسم واستواء في مظهر الجنين، ويتميز بوضوح عن طور المضغة الذي قبله، قال تعالى: "فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (المؤمنون: 14).

وتكَوُّن العظام هو أبرز تكوين في هذا الطور؛ حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا ترى فيه ملامح الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز أياما قليلة خلال نهاية الأسبوع 6 (ولهذا استعمل حرف العطف "ف" الذي يفيد التتابع السريع)، وهذا الهيكل العظمي هو الذي يعطي الجنين مظهره الآدمي بعد أن يكسى باللحم (العضلات) وتظهر العينان والشفتان والأنف، ويكون الرأس قد تمايز عن الجذع والأطراف، وهذا مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا مرّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا ربّ أذكر أم أنثى؟" صحيح مسـلم. بعد أن يمر على النطفة 42 ليلة (6 أسابيع) يبدأ التصوير فيها لأخذ الشكل الآدمي بظهور الهيكل العظمي الغضروفي، ثم تبدأ الأعضاء التناسلية الظاهرة بالظهور فيما بعد (الأسبوع 10) .
وفي الأسبوع السابع تبدأ الصورة الآدمية في الوضوح؛ نظراً لبداية انتشار الهيكل العظمي، فيمثل هذا الأسبوع (ما بين اليوم 40 و45) الحد الفاصل ما بين المضغة

مايقولونه عن : طور العظام:
مع بداية الأسبوع السابع يبدأ الهيكل العظمي الغضروفي في الانتشار في الجسم كله، فيأخذ الجنين شكل الهيكل العظمي وتكَوُّن العظام هو أبرز تكوين في هذا الطور حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا ترى فيه ملامح الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة،

- طور الكساء باللحم:
يتميز هذا الطور بانتشار العضلات حول العظام وإحاطتها بها كما يحيط الكساء بلابسه. وبتمام كساء العظام بالعضلات تبدأ الصورة الآدمية بالاعتدال، فترتبط أجزاء الجسم بعلاقات أكثر تناسقاً، وبعد تمام تكوين العضلات يمكن للجنين أن يبدأ بالتحرك.

وفي موضوع خلق الانسان:
فخلايا العظام هي غير خلايا اللحم، وقد ثبت أن خلايا العظام تتكون أوَّلاً في الجنين، ولا تُشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين.

الردود المرتكزة على المنطق

الرد الأول: الخبرة الذاتية
أنه ـ و كما ذكرنا أعلاه ـ أحد لم يرى جنين و هو من عظام لم تكسى بعد أي قبل أن تصل إلى مرحلة العظم المكتسي باللحم

الرد الثاني: الضعف من ناحية التسلسل الزمني

و عندما نراهم يفسرون و يحددون باليوم و بالتفصيل المريح متى تبدا و تنتهي مرحلة العلقة و مرحلة المضغة نجد ان فصاحتهم فجأة تنتهي عندما تأتي مرحلة العظام إذ يفترض انها تبدأ بعد مرحلة المضغة، حسب النص المقدس الذي يراد إلباسه للعلم. و بالكاد تظهر العظام، حسب إدعائهم، تكسى بالعضلات، دون ان يكلفوا انفسهم بتحديد أي تاريخ، هذه المرة. التفسير المنطقي لسلوك الاعجازيين الغريب معرفتهم أن أحداَ من دارسي الجنين لم يستطيع أن يجد مرحلة العظام قبل أن يكسيها اللحم . ومن المثير انهم يذكرونا بأن حتى الحديث النبوي قد آنبئنا كم تدوم فترة النطفة و فترة العلقة و فترة المضغة، فهم يسارعون لسرد الاحاديث التالية:
‏حدثنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وهو الصادق المصدوق ‏ ‏إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك ‏‏ علقة ‏ ‏مثل ذلك ثم يكون في ذلك ‏ ‏مضغة ‏ ‏مثل ذلك. رواه مسلم في القدر
لكنه هنا ايضا لم يجري تحديد كم تدوم فترة العظام... و قيل أنه يمكن تفسير هذا الحديث بأحتمالين:
وظاهر الحديث يحتمل احتمالين، اما ان تكون كل عملية تتم في اربعين يوم، او ان كل العمليات تتم في الاربعين يوم الاولى

ينمو الجنين خلية فخلية و تتطور أجهزته بشكل متدرج و متكامل حتى يأخذ الوليد الشكل الذي نعرفه أجمعين ، من منّا يلمس رأس الوليد سيلاحظ أن عظام الجمجمة لا تأخذ شكلها النهائي سوى بعد أسابيع من الولادة و من منّا أستطاع دراسة العظام بالأشعة سيلاحظ أن العظام الطويلة تتابع نموها حتى بعد الولادة و لا تأخذ شكلها النهائي ألا بعد البلوغ، وبالتالي فأن نموها المتأخر هو احد اسباب الانتهاء المتاخر .

من نشأ وتشكل قبل الأخر اللحم أم العظام ؟
القلب يبدأ بالنبض و طول الجنين بالكاد 3 مم، نبض القلب يحتاج لنسيج عضلي. لذلك تتبرعم الأطراف بنسيج رخو أولا و تظهر بالجنين الحركات الأولى قبل ان تظهر الأنسجة العظمية للأطراف . الا يكفي هذا ايضا ليثبت أن اللحم نشأ قبل العظم، وبالتالي حتمية ظهور اللحم اولا؟


"طبيب" أقترح أن اللحم المقصود بالكساء هو العضلات الهيكلية ، و كأننا عندما نذهب لنشتري قلوبات الخروف، فأننا لا نشتري لحم... و طبعا لا نشتري عظم. يقول: عموما ساقول لك شيئا جميلا و سهلاً :
1- لن تجد اي عضلة هيكلية تتطور قبل تعظم العظمة الممسكة بها لأن العضلات تعتمد في وظيفتها علي العظام اما العظام فلا تعتمد علي العضلات في أداء وظيفتها.
2- اللحم ليس اي نسيج رخو... لا تستطيع ان تعتبر لاالكبد ولا الكلية ولاالرئة ولاالقلب ولا الدماغ لحوما ًثم انه حتي اذا اعتبرتها، فلكي تكون هي المعنية ينبغي عليك ان تثبت انها تكسي عظاماً لأن كل هذه الاعضاء تكون مغطاة بأغشية. فقط العضلات الهيكلية هي التي تتصل مباشرة "تكسوا" العظام، وبالتالي وحدها المقصودة.

فالحجة التي أستند عليها ليثبت أن العظام تتطور قبل اللحم أن العضلات يجب أن تمسك بشيء حتى تتطور، وانطلق من ان الآية تعني فترة كمال الجنين، أي عندما يكون له شكل ليستنتج أن العضلات الهيكلية هي المعنية بكلمة لحم بالآية، لأن العضلات الهيكلية هي ما يعطي شكل الجنين.
يقول:"ولماذا اختار هذا الحدث بالذات؟ ماهي اهمية العظم واللحم و كل هذا؟ الايات من أولها الي اخرها تتعامل مع Morphology of the body, لاحظ ان العظام والعضلات الهيكلية فقط هي المسؤلة عن قيام الجسم وشكلة. إذاً احداث مثل تطور القلب أو تطور الجهاز الهضمي هي احداث هامشية هنا".

هذا الامر يعيدنا الى سؤالنا الاصلي: من هو الأول، العظام أم اللحم؟

حتى يعطي الاعجازي للعظم الأسبقية بالظهور في مراحل تطورالجنين، و حتى يمكن القول أن العظم يكسى فيما بعد باللحم يضطر الإعجازي للتمسك بأن اللحم المقصود هو فقط العضلات الهيكلية التامة النضج، وأن العظم المقصود هو ظاهرة التعظّم أي Osification وهو بأختصار, تحول نسيج رخو، غالبا الغضروف، الى نسيج قاسي نتيجة تطور خلايا العظام. يقول:" طبعاً ليس أي لحم ولكن العضلات الهيكلية، لاعتبارها هي اللحم الوحيد المسؤول عن قيام الجسم وشكلة. اكرر ان العظام تظهر قبل أن تكمل العضلات نضوجها... العضلات تنهي تطورها architecre,nerve supply, بعد ان تنتهي العظام من التعظم".

لم يقصر ناقضي النظريات الأعجازية بالرد، فمثلا أستغرب البعض كيف للمضغة، و هي لحم، بموافقة الاعجازيين انفسهم، أن تتحول الى عظم ثم تأتي مرحلة أخري يكسى بها هذا العظم بلحم آخر.  و كذلك تسائل البعض الأخر عن لحم الكبد، فهو لحم و لكنه عير عضلي. و عرضت أيضا بعض الأمثلة عن عضلات تعمل دون ارتكازها على عظام، مثل عضلة القلب، و عضلة اللسان و عضلات العجان. و بعد عضلات العين، كلها عضلات لاتحتاج الى عظم. كلها يعتبرها العوام لحما و يشتروها تحت هذا الاسم. ما عدى من أدعى أن مقصود الله باللحم، حسب الآية القرآنية، هو العضلات الهيكلية حصراً. و نتساءل إذن عن الجلد، من حيث انه ليس عظم، فهل هو من فئة اللحم؟ مع أن دوره بالإكساء دور أساسي.أين هو موقعه بالآية؟ هل يأتي قبل العظم أيضا حتى يتم معنى الإكساء؟ و كذلك الشحم و الأعصاب و الشرايين إذ انها كلها تشارك في عملية إكساء العظام، فهل ظهرت قبل العظام أم بعدها؟

من المثير ان القرآن قد استعمل كلمة اللحم سابقاً إذ ذكر:
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ

فهل المقصود بلحم الخنزير هو العضلات الهيكلية فقط دون غيرها؟ يعني وحسب تعريف اللحم الاعجازي فأن المقصود باللحم هو فقط العضلات الهيكلية، فهل يمكن أن نقول أن أحشاء الخنزير و قلبه و كبده غير مشمولة بالتحريم لأنها ليست عضلات هيكلية، أي ليست لحم ام ان هذا التعريف مرتبط بحاجة الاعجاز ومقاصده يرفعوه عندما يناسبهم ذلك فقط؟
و لا بد من أن نمر على الآية التي تتحدث عن أعادة التخليق و لنرى التشابه مع التخليق.

هناك قصة في القرآن عن رجل مر بقرية خاوية على عروشها فقال كيف سيحيي الله هذه القرية بعد موتها ، فما كان من الله إلا أن امتثل لتساؤلات هذه الرجل الوجودية و قرر أن يريه آية ، فأماته مائة عام ، فأحياه فسأله كم لبثت ؟ دعونا نقرأ الآية : (2:259)
فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ما يهمنا هنا هو الحمار الذي كان عبارة عن هيكل عظمي، فأنشز الله عظامه – ابن كثير يقول أنه نصب الحمار هيكلاً عظمياً، ثم كساه باللحم ، و الكساء هنا لا يكون فقط بالعضلات الهيكلية، بل بكل الأنسجة الطرية  فلو قارنّا هذه الآية أي أية أعادة التخليق بأية تخليق الجنين سنجد ان معنى الكساء بالعضلات الهيكلية للغضاريف الأولي والتي ابتدعها اتباع النظريات الأعجازية سيسقط حكما و سيستحيل مطابقة الآية مع الواقع العلمي...

و باختصار فأن فكرة طارح هذه النقطة أن الآية تفهم الإعرابي أن الجسم هو من صلب و رخو. و عندما يموت فأن الرخو يذهب و يبقى الصلب، و عند إعادة التخليق يأتي القادر على كل شيء و يكسو الصلب بالرخو. تماما كما كسا عظام الحمار باللحم ، أي بكل ما هو رخو.

و بالتالي يمكن أن نستنتج أن هدف الآية ليس تدريس علم الجنين و لا اكتشاف أن العظم يظهر قبل العضلات الهيكلية, بل هدفها بسيط جداً، حيث انه موجهة الى المتلقي العادي مثل عقل الأعرابي، لتخبره أنه يخلق من عظام يكسوها اللحم، وبالتالي فهي ليست موجهة للمختصين على الاطلاق. و لا تهدف الى إعلام علماء الجنين أن العظم يظهر قبل اللحم و لا تريد استباقهم لهذا الكشف..فهل أكتفى مروجي الأعجاز بهذا؟

و عندما يتمادى الأعجازيين يقولون أن المقصود بالعظام هي الخلايا التي ستتطور لعظام، غير ان هذا هراء إذ حتى الخلايا الغضروفية لا تنشأ قبل الخلايا العضلية، أن الخلايا الغضروفية إن ظهرت بنفس الوقت مع الخلايا العضلية فهي لن تسبقها ابداً. و لا توجد في مراحل تطور الجنين مرحلة يكون فيها العظام وحيداً ولا حتى في شكل الغضاريف التي لم يكسوها اللحم و الجلد بعد. إن اصرار الاعجازيين يجب البحث عن اسبابه بعيدا عن العلم.