نقد الاعجاز العلمي
 
 


 المصادر التاريخية لإعتقاد الصلب والترائب


سائل

ملاحظة : الأرقام التي في النص ترجعك للمصدر الموثق في الهامش أسفل الصفحة

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) سورة النساء 4:23

و ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ﴾ (سورة الأعراف ، الآية 7)

و (فلينظر الانسان مما خلق ,خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب انه على رجعه لقادر) (سورة الطارق ، الآية 5)
صحيح البخاري
" عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أن النبي أتى بصبي من الأنصار ليصلي عليه فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوأ قط ولم يدره فقال يا عائشة أولا تدرين أن الله تبارك خلق الجنة وخلق لها أهلا خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم"
المصدر : بدر الدين العيني الحنفي , عمدة القاري شرح صحيح البخاري (نسخة إلكترونية , المكتبة الشاملة )

آيات بينات من القرآن الكريم لا تترك مجالا للشك أن مني الإنسان آتي من ظهره (صلبه) , وهذا ماذهب إليه جل المفسرين التقليدين القدامى .
سوف لن نخوض في دراستنا المتواضعة هذه في التفاسير التقليدية ولا في الأراء الإعجازية الجديدة , بل سنبحث عن المصدر التاريخي لهذه الأسطورة.

لكن قبل أن نعرج على مصدر الأسطورة محل الدراسة , أود أن نوضح بعض الأمور التارخية فيما يخص تصور الإنسان القديم لآليات التطور الجنيني أو ما يسمى بعلم الأجنة حديثا .

العديد من المجتمعات الانسانية البدائية القديمة لم يكن لديها اي فكرة ان المني الخارج من الرجل له علاقة بنشوء الجنين، وبعض هذه المجتمعات لازالت حية حتى اليوم ومنها عرفنا ذلك، غير ان مجتمعات اخرى وصلت الى مستوى راق من التفكير كالحضارة الاغريقية سمح لها بتوقع ذلك وطرح اسئلة من نوع: من أين يأتي المني ؟ وهل وجود الإنسان يعود لدور الرجل وحده أم لكلا الأبوين ,؟ كيف يشبه الرجل أبويه ؟ .

غير ان الاغريق القدامي كانوا ينسبون لمني الرجل وحده القدرة على الإخصاب وتشكيل الجنين , بينما لا يتجاوز دور المرأة كونها أرض خصبة يزرع فيها الرجل بذوره كما يفعل المزارع في حقله , ويدل على هذا التصور ما نقرأه عند عند إسخيلوس(‏524/525 ق.م. - 455/456 ق.م.) كاتب مسرحي إغريقي من أقدم كتاب التراجيديات الإغريق (1) , بينما كانت مجتمعات أخرى مثل القبائل الجرمانية تسب تلك القدرة للأم وحدها , هذا ما يسمى " بنظرية الأمشاج الفردية " (single- seed theory )أي صدورها من الأب وحده أو الأم وحدها (2) .

في مرحلة لاحقة ظهر لدى الاغريق منحى فكري آخر حيث اعتبروا أن الجنين عبارة عن نتاج تداخل ماء الأم والأب , إذ تصوروا ان الماء الذي يخرج من المرأة اثناء الجماع يماثل في وظيفته لماء الرجل، وهذا ما نجده عند الأطباء والفلاسفة الإغريق (3) مثل :
إيمبيدوكليس (490 ق.م- 430ق.م)
إبيقور (341-270 ق.م)
أبقراط أبو الطب (460 قبل الميلاد )
ديموقريطوس فيلسوف يوناني (460 ق.م - 370 ق.م)
اجالينوس من القرن الثاني، ومن اكبر اطباء الاغريق، قال" أن الإنسان يخلق من اختلاط وامتزاج مني الرجل الآتي من خصية ومنى المرأة الآتي من خصية داخلها"
واختلف الاغريق في مصدر المائين أي ماء الرجل و ماء المرأة . فنجد مثلا أبوقراط يرى أن ماء المرأة هو سائل يفرز في أوج الشهوة ( 4) ( أنظر المصدر )
بينما ديموقريطوس واجالينوس يرون أن ماءها صادر من أعضاء داخلية للمرأة تشبه خصية الرجل .

يذكرني رأي أبوقراط بالحديث المحمدي التالي :

"" مسلم: حدثنا عباس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، أن أنس بن مالك (حدثني) أن أم سليم حدثت " أنها سألت نبي الله عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله : إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل. فقالت (أم سلمة) - واستحيت من ذلك - قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله : نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن [أيهما] علا أو سبق يكون منه الشبه ""

هنا, يظهر جليا من سياق الحديث أن الكلام كله عن ماء الإحتلام وعند المرأة يجري فرزه في مرحلة المُداعبة مع الحبيب ليهيء لعملية الولوج لتسهبل عملية الولوج ولاعلاقة له بما سينشأ من جنين، فما دخل الشبه والولد ؟

قد يقول قائل أن كلمة أصفر في الحديث تدل على أن هذا الماء هو ماء البويضة أي ماء حويصلات دوغراف لأن هذا الأخير أصفر بدوره .
نرد عليه كالتالي :
- سياق الحديث الذي يتكلم عن الإحتلام لا يؤيد مذهبك إذ ليس للإحتلام علاقة بحويصلات البويضة
- وإن كان ماء البويضة أصفر كما تقول فإن اللإرازات المهبلية اليومية التي تفرزها غدد بارثولان في المهبل هي كذلك مصفرة "
نستطيع أن نجد هذا على موقع الدكتور سار"serre" طبيب فرنسي مختص في أمراض النساء والمشاكل الجنسية
نقرأ على الموقع الذي يشرف عليه الدكتور: (5)
" للمرأة إفرازات يومية حتى بانعدام العلاقات الجنسية , هذه الأفرازات المسماة "بيضاء" لتــفريقها عن الحمراء الدموية (الحيض) . في الحقيقة هذه الإفرازات هي مصــــفرة اللون "
ونجد عند الطبيب الفرنسي" ammerich" نفس الرأي قائلا : (06)
" الإفرازات المهبلية المسماة " بيضاء" هي كل سيلان أو إفراز غير دموي قليلة الكمية لونها أبيض أو مصفر " انتهى .

إذن حتى الإفرازات المهبلية تميل للصفرة كما نلا حظ , ولا يظن البعض أننا لا نفرق بين الإصفرار العادي الفزيزلوجي كما يقول الطبيبان المذكوران أعلاه مع الإصفرار المرضي القاتم الذي تصحبه حكة وحرقة و نتانة واخضرار . ! فلا حجة لمن تكلم عن ماء البيوضة إلا بالتكلف .

فلنعد الآن لمـــني الرجل و الذي يشكل موضوع دراستنا .

نقرأ في رسالة الدكتوراه " علم التشريح الوضيفي في علم الأجنة عند جالينوس " للسيدة كريستين بوني (7) رأيى أبوقراط في طريقة تشكل المني .
ترجــــــمة من رسالة الدكتوراه لكلام أبوقراط :

يقول أبوقراط
" مصدر تشكل المني نفسره هكذا:
عند الرجل , تنفصل المادة الفائرة (التي بها رغوة ) عن المادة السائلة ( الهيولة ) الأكثر قوة والأكثر دسمة التي تصل للنخاع الشوكي (الظهر ). لأنها تصل من كل أنحاء الجسد ثم تنحدر من المخ نحو منطقة الخصر ( يعني من جهة الكلى أو ما بين الظهر والصدر) ومن النخاع الشوكي تنبعث سبل وطرق تسمح بسيلان المادة .
عندما يصل المني للنخاع الشوكي , يجتاز المني طولا كل منطقة الكلى , ومن هنا وعن طريق وريدات يجتاز المني منطقة الخصية حتى يبلغ القضيب , لكن ليس عن طريق القناة البولية بل عن طريق قناة أخرى مجاورة
" انتهى.

الأمر هنا واضح أن أبوقراط كان يرى أن المنى وكأنه مادة سائلة لا تأخذ شكلها إلا في النخاع الشوكي آتية من المخ لتنحدر منه لمنطقة الخصر وتنهي إلى القضيب .

وهذا ما ستوضحه لنا الدكتورة في نفس الكتاب المذكور أعلاه
ترجـــــمة (8) تقول الدكتورة :

"نجد فرضيتين متداخلتين لتفسير منشأ المني ( عند القدامى طبعا )
الأولى ; فرضية الأصل (مخ - نخاع شوكي /ظهر) , ويظهر أن العلاقة بين المخوالنخاع الشوكي (الظهر) والمني تجد جذورها في المعتقدات الفارسية القديمة )
"

و هنا يظهر جلي كذالك أن المني يصل للظهر ومنه للقضيب .

وتضع الدكتورة على الهامش جملة من رواية الأديب الفرنسي إيميل زولا (1840م) في كتابه الدكتور باسكال , لما يصف شخصية روايته " ماكسيم روغون" المريض" بالزهري العصبي" أي النخاعي كيف أنه بعد ممارسته للجنس مع إحداهن ترك بين أحضانها بقايا أنخعته" يقصد بقايا مرضه الذي نقله لها عبر العلاقة الجنسية وعبر المني الآتي من النخاع مصدر المرض .
تقول الدكتورة :

ترجــــــــمة (9)
" في ما يخص الزهري العصبي , يصف لنا الأديب زولا شخصية ماكسيم روغون في روايته الدكتور باسكال قائلا " ترك بين أحضان فتاة شقراء بقايا أنخعته " , وهذا يترجم ويدل عن ثبات هذه الأسطورة في الزمن"

وفي جملة أخرى نقلتها أنا من نفس الرواية نجد الأديب باسكال يصف شخصية "ماكسيم روغون" المريض بالزهري العصبي قائلا :
ترجــــــمة :
" حذر(مكسيم روغون ) , وبحكمة الرجل المريض في أنخعته, متحايلا على الشلل القادم" انتهى.

وهنا نرى الأديب يستعمل نفس المفردة لما أراد أن يصف مرض الزهري العصبي الذي يسبب الشللل قائلا " مريض في أنخعته" قاصدا مريض في نخاعه الشوكي .

نعم فإن فكرة علاقة المني بالنخاع قديمة جدا ولا نكاد نجد لها قرارا , مع أن نصوص أبوقراط واضحة في هذا الشأن.

ونجد كذالك عند الكاتب" فيرنند لوروي " : (10)
"وفي معتقد بعض المدغشقرين , ماء الحياة الذكرية المسؤولة عن الإنجاب تنحدر من المخ إلى النخاع الشوكي ( الظهر ) قبل أن تتحول لمني كامل"

نفس المبدا نجده إذن عند شعوب عديدة إذن !
كما أننا نجدء في التوراة العبرانية نفس المبدأ :
"وقال (الله) ليعقوب :"مُلُوكٌ سَيَخْرُجُونَ مِنْ صُلْبِكَ" (تكوين 35:11)
ويقول لداود :"ابْنُكَ الخَارِجُ مِنْ صُلْبِكَ هُوَ يَبْنِي البَيْتَ لا ِسْمِي" (1 ملوك 8:19).

وكذالك العرب القدامى يستعملون مفردة الصلب للكلام عن الجماع والمني
فنجد في قاموس ابن المنظور , لسان العرب
" وحكى اللحياني عنِ العرب: هؤلاء أَبناءِ صِلَبَتِهِمْ.والصُّلْب من الظَّهْر"
"وقولُ العَباسِ بنِ عَبدِالـمُطَّلِبِ يَمدَحُ النبـيَّ، صلى اللّه عليه وسلم: تُنْقَلُ مِنْ صَالَبٍ إِلى رَحِم، * إِذا مَضَى عالَمٌ بَدا طَبَق قيل: أَراد بالصَّالَب الصُّلْب، "
و نجد في لسان العرب تفسيرا جميلا كذالك لأصل الجملة , إذ يقول :
" إِنْ أُصِـيبَ صُلْبه بشيءٍ ذَهَبَ به الجِماعُ فلم يَقْدِرْ عَلَيهِ، فَسُمِّيَ الجِماعُ صُلْباً، لأَنَّ الـمَنِـيَّ يَخْرُجُ منهُ."
انتهى الإقتباس.
أقول لعل العرب شاهدت من كسر صلبه و أصيب بالشلل كيف أنه لا يقدر على الجماع بصفته مشلولا فاستنتجوا أن الصلب هو مكان المني و مصدر قوة الجماع !
مصدر : الصلب، في قواميس اللغة
خلاصـــة
القرآن نقل عن بيئته وتأثر بها ولا نرى إعجازا في كلام أبوقراط ولا كلام المدغشقرين القدامى ولا في كلام التوراة العبرانية ولا في كلام العرب القدامى .

انتهى .

-----------